بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد.
فقد سألني أحد طلابي عن معنى قول ابن عطاء السكندري(ت: 709هـ) عفا الله تعالى عنه: (مَنْ فاته كثرةُ الصيام والقيام ،فليشغل نفسه بالصّلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنك لو فعلتَ في عُمرك كل الطاعات ، ثم صلَّى الله عليك صلاة واحدة ، رجحت تلك الصّلاة الواحدة على كل ما عملته في عمرك من جميع الطاعات ، لأنك تُصلِّي على قدر وسعك ، وهو سبحانه وتعالى يُصلي على قدر ربوبيته ).
وهذه العبارة استعمل فيها المصِّنف دلالة النص ودلالة العبارة ودلالة الاقتضاء، كما يتضح لمن تأمل كلامه.
وقال السائل: إنه بحث عن معناها في الحِكم العطائية فلم يقف عليها في ثنايا الكتاب.
قلت: هذه المقولة الطيبة ليست في كتاب الحِكم العطائية ، إنما هي في كتاب تاج العروس وأنس النفوس، لابن عطاء السكندري صاحب الحِكم.
وهذا الكتاب درسته قديماً حين طلبتُ العلم في جنبات الأزهر، ويمكن الاستفادة منه بعد تنقيته مما علق به من كدر في رواياته وبعض معانيه.
وابن عطاء السكندري عفا الله تعالى عنه ، واعظ ينتسب للمالكية ،وبعضُ أهل التراجم ينسبونه للشافعية ، وهو يتكلم بعبارات على الطريقة الصوفية الشاذلية ، الجامعة لكلام الشريعة وكلام الحقيقة ، كما يسمونها ، وفي كلامه حِكم نافعة ،.وفي البعض الآخر مؤاخذات في جانب الألفاظ ًوالمقاصد ، وفي بعض دروسه ومؤلفاته عبارات موهمة لم يتبيَّن معناها لغموضها.
وقد اشتهر بكتاب الحِكم العطائية ، لكن له كتاب آخر شهرته أعلى من الحِكم وهو كتاب : التنوير في إسقاط التدبير. وهذا الكتاب كان معروفاً في حياة الإمام ابن تيمية(ت: 728هـ) رحمه الله تعالى.
وابن عطاء السكندري هو شيخ تقي الدين السبكي(ت: 756هـ) رحمه الله تعالى.، الأصولي المعروف.
وهو من المشتغلين بالفقه والأصول ، لكنه بزَّ أقرانه في التصوف والوعظ، فلمع نجمهُ في الزهد واشتهر بذلك.
والواعظ المنتسب لحزب أو مذهب، يتأثر بطائفته وحزبه في الغالب ، فليتنبه لهذا عند النظر في أقوال غير المعصوم صلى الله عليه وسلم .
ويجب على الباحث عن الحق أن يحمِل أقوال العلماء والزهاد على المحمل الحسن ،ولا يسيىء الظن بهم أو يتأوَّل كلامهم على محمل بعيد، فإن هذا من الظلم المبين والعدوان المستبين.
ومتى وجد قرينة أو أمارة قوية على زلة أو خطأ جلي، فيجب بيان ذلك بالحجة والبرهان، فإن الحق مطلب كل عاقل، وهذا من النصح للأمة.
وهذه المقولة الواردة في السؤال ، دوَّنها السكندري في كتابه تاج العروس، لشحذ همة الطالب أو المريد كما يسمونه، ويتوجه كلامه كذلك لأهل الغفلة عموماً، للمبادرة بفعل الطاعات وترك الموبقات.
وكتابه تاج العروس اشتمل على الوعظ والوصايا والمناجاة لله تعالى، وضرورة معرفة حق الأولياء وعدم مخالفة أقوالهم وضرورة الانتفاع بكلامهم.
وفيه روايات عن الأبدال السبعة كما يزعم المصِّنف، وفي الكتاب نقل لبعض قصص الصالحين والزهاد، وهو يستدل بالأدوات البلاغية والمجازية ليقرب المعاني واللطائف الوعظية.
وفي الكتاب استدلال بالآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة والضعيفة أحياناً، وهي قليلة جداً ، وفيه أيضاً روايات عن شيخه أبي العباس المرسي(ت: 686ه ) ، وعن أبي الحسن الشاذلي (ت: 656هـ) شيخ الطائفة الشاذلية في وقته ،رحمهما الله تعالى.
وفيه بعض القصص المستنكرة أو أنها مدسوسة في كتابه عليه.
وقد ذكر بعض مترجميه أنه كان يُشاهد في موسم الحج، مع كونه كان مقيماً في أرض مصر. وبعد وفاته يزوره بعض الناس فيكلمهم من قبره !.
فمثل هذه الأخبار ونحوها، إنما هي كذب عليه أو مدسوسة في بعض كتب التراجم من الغلاة .
وفي مواضع من الكتاب حث على ضرورة الإخلاص مع الوحدانية له سبحانه، وهذا مما يُحمد للمصِّنف.
وقد ختم السكندري كتابه بالحث على الزهد وترك الدنيا وزخرفها، وعقد فصلاً في مناجاة الله تعالى.
وقبل هذه العبارة التي سألني عنها الطالب، حث ابن عطا السكندري في كتابه على وجوب التوبة وضرورة التوكل وترك الحسد، والمبادرة للخيرات واغتنام اللحظات قبل الفوت والندم ، ولزوم الأذكار والأوراد الجامعة .
ولا شك أن فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كبير وجليل ، لكنها ليست بأفضل الذكر كما يتوهم من قرأ هذه المقالة لابن عطا السكندري .
فأفضل الذكر القرآن، وأفضل الذكر بعد القرآن ، كلمة التوحيد : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شي قدير. وفي تكرارها واللهج بها من الأجور العظيمة ما لا يقدر قدره إلا الله وحده، كما في الصحاح والسنن ، ويأتي بعدها الباقيات الصالحات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أو التسبيح والتحميد والتكبير بالصيغ الشرعية الواردة في الآثار.
وقد ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً : ( إنَّ اللَّهَ قسمَ بينَكم أخلاقَكم كما قسَّمَ بينَكم أرزاقَكم وإنَّ اللَّهَ تعالى يعطي المالَ من أحبَّ ومن لا يحبُّ ،ولا يعطي الإيمانَ إلَّا من يحبُّ. فمن ضنَّ بالمالِ أن ينفقَهُ وخافَ العدوَّ أن يجاهدَهُ وهاب اللَّيلَ أن يُكابدَهُ فليُكثر من قولِ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وسبحانَ اللَّهُ والحمدُ للَّهِ واللَّهُ أَكبرُ). أخرجه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح ، وله حكم الرفع.
وكثير من الصوفية لا يلتزمون بما ورد في الآثار الصحيحة من الأذكار والأوراد الثابتة عن خير البرية، ويستبدلون ذلك بالأحزاب والأوراد عن أوليائهم ، وقد يكون بعضها صحيح ،والبعض الآخر إما مخالف للسنة أو فيه زيادات لا أصل لها.
والقاعدة في التفضيل أن كل ذكر اقنرن به وحدانية الله وتنزيهه ، وكان على جادة السنة ، فإنه يرجح على غيره من الأوراد والأذكار، بل قد يساوي كثيراً من الأعمال والعبادات البدنية، خاصة إذا اقترن به من الإخلاص والصدق لله وحلاوة مناجاته ، فإن ذلك من النعيم المعجل.
وإذا جمع المسلم بين المحافظة على قول كلمة التوحيد وبين الباقيات الصالحات ، ثم ختم ذلك بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد جمع السعادة الكاملة لنفسه في الدارين ، سواء في أول عمره أو في آخره.
فيجب غرس هذا المعنى في قلوب الناشئة والعوام خاصة الذين يتعلقون بالأولياء أو بالسادة أو بالعارفين،لأن إهماله قد يوقع في تفويت الفضائل الراجحة والزهد فيها.
ولأن التوحيد إن لم يكن جارياً على الألسن فإن تطبيقه في الأعمال والأحوال يضعف أو يتلاشى، خاصة عند ظهور البدع والخرافات ،وانتشار السحر والكهانة .
أما تفضيل الصوفية مطلقاً للاسم المفرد ( هو ) أو الاكتفاء بعشق النبي صلى الله عليه وسلم ، والاقتصار عليه دون كلمة التوحيد أو على الباقيات الصالحات، أو تقديم ذلك على الورد المشروع فيه نظر، بل هو خلاف السنة الصحيحة ،وهو مناهض لعموم أدلة التفضيل للأوراد والأذكار التي جاءت بها السنة النبوية.
وقول ابن عطاء السكندري : ( فليشغل نفسه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) ،يفهم من عبارته أنه لا يقصد بها التفضيل المطلق على كلمة التوحيد ، إنما الحث على ملازمة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في سائر الأحوال والأوقات، فتكون هي ديدنه والغالب على أحواله، مع مراعاة كثرة قول كلمة التوحيد وكذلك الباقيات الصالحات بالصيغ التي صحت بها الآثار. وبهذا المفهوم الثاني يستقيم كلامه إن كان مطابقا لقصده.
وفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم صحَّت بها الآثار وتواترت بها الأخبار، ولا حاجة لنقل النصوص في ذلك لشهرتها عند الخاص والعام .
وقول ابن عطاء السكندري : (فإنك لو فعلتَ في عُمرك كل الطاعات ، ثم صلَّى الله عليك صلاة واحدة ، رجحت تلك الصّلاة الواحدة على كل ما عملته في عمرك من جميع الطاعات) ،هذا القول صحيح لأن العبد لا يستحق مطلق الثواب بعمله، إلا إذا رحمه الله وأكرمه برفع درجاته، فلا بد في العمل الصالح من نقص وتقصير وقصدٍ فيه شائبة.
والله تعالى من أسمائه ( الجواد )و(المنَّان) الذي عمَّ كرمه الوجود، وأثقلت نعمه كل موجود.
أما قوله : ( إنك تُصلي على قدر وسعك وهو سبحانه يُصلي على قدر ربوبيته) ،فمعناها صحيح ،لأن العبادة سواء كانت قولية أو فعلية ، قد تكون ناقصة أو قريبة من الكمال ، لكن لا تبلغ كمال الأجر إلا بعطاء الله سبحانه وفضله الذي وسعت ربوبيته كل شي، فالخلق فقراء إليه وهو غني عن خلقه وعبادتهم .
وقول السكندري : ( بقدر ربوبيته ) التفات بليغ، لأن الرب سبحانه هو الذي خضع لأمره البر والفاجر، فيرزق هذا ويعطي ذاك من كرمه وجوده، فهم خضعوا لأمره تعالى بصفة الربوبية وافترقوا بصفة الإلهية.
وبهذا يتبيَّن أن ابن عطا السكندري قصد التنبيه على الواجب المضيق ، فيُحمل كلامه على أحسن المحامل، والأصل في المسلم حسن المقصد.
فالحاصل أن السكندراني استنبط المعنى بدلالة الإشارة ، واستنباطه وجيه ، وقد بيَّنتُ هذا في أول المقال ،وهي ما يسمى بدلالة اللازم، أو قياس الدلالة كلاهما لأصل شرعي واحد ،وقد خرَّج عليها ابن القيم رحمه الله تعالى كثيرا من العلل كما في كتابه إعلام الموقعين ، فلتراجع .وهذه الدلالة صحيحة ، نص عليها جماهير الأصوليين ، ومنهم ابن الحاجب رحمه الله تعالى في مختصره، ولها شواهد من القرآن ومن السُّنة . ولازم النص عنده أن فضل الله أوسع من عمل العبد، وله شاهد ، كما في حديث أبي ابن كعب : ( كم أجعل لك من صلاتي؟)، ولم يستفصل منه النبي صلى الله عليه وسلم، هل دعاؤك في صلاتك أم خارج صلاتك؟، إنما بشَّره بسعة المغفرة وجزيل الثواب وزوال الهم.
والمقصود مما تقدَّم أن يجمع المسلم بين وظيفتين: توحيد الله تعالى ومعرفة صفاته ، وأن لا يصرف شيئا من حقوق الله لغير الله من ولي أو وجيه أو نحو ذلك، وأن يعتقد أن الله تعالى هو المتصرف في الخلق والتدبير والرزق واللطف بأحوال الأمم والعالم.
هذا ما تيسر تحريره ،والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
                                                                                                                                                                                                                                                                   1443/4/1