تجربتي في دراسة مُختصر ابن الحاجب
من أهم المختصرات الأصولية التي تُقوي الملَكة الأصولية والمنطقية ، مختصر ابن الحاجب : مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل. للعلامة عثمان بن عمر بن أبي بكر ، المشهور بابن الحاجب(ت: 646ه)رحمه الله تعالى ، النحوي الأصولي الفقيه.
وقد طار الكتاب في الآفاق واشتهر اشتهاراً عظيماً بسبب إخلاص مصنِّفه وصدقه ، ولقيمة الكتاب العلمية ومكانة الكتاب في أبواب الفن.
وهذا المختصر يسمى مختصر ابن الحاجب، ويسمى عيون الأدلة ،كما ورد في بعض نُسخه الخطية .وقد صنَّفه ابن الحاجب قبل وفاته بثلاث سنين تقريباً ، وقد تجاوز السبعين من العمر ، رحمه الله تعالى .
وهذا المختصر انتفعتُ به في أول طلبي للعلم وكررتُ مطالعته مرات عديدة ، وسبب إقبالي عليه أنه يفتق ذهن الطالب في ثلاثة فنون: الأصول والمنطق والعربية . فيعدُّ مفتاحاً لهضم علوم الآلة بشرط مذاكرته ومداومة النظر فيه .
والمقصد الرئيس من هذا المختصر : استحضار المسائل الأصولية ومعرفة أوجه ربط الدلالات بين اللغة والمنطق والأصول ،في كثير من المسائل.
والملَكة الأصولية لا تُكتسب من الكتب فقط ، كما يظن بعض الناس، إنما من التدريب والمذاكرة وسؤال أهل العلم ، لكن الكتب وسيلة لذلك لا غير .
وقد أقبل العلماء على حفظ مختصر ابن الحاجب ومذاكرته ومدارسته ،وقد كان المؤرخ ابن كثير (ت: 774ه )رحمه الله تعالى يحفظه كما أشار إلى ذلك في كتابه البداية والنهاية (13/168).
وابن الحاجب أشعري في الأصول ، وله رسالة في ورقتين نافح فيها عن المذهب الأشعري وعن صفات الله تعالى ، على مذهب المتأخرين من الأشاعرة .
والذي أنصح به نفسي وغيري أن يبدأ المتشوف لفهم مختصر ابن الحاجب بمطالعة شرح الورقات ويكرر ذلك مرات كثيرة، مثل الأنجم الزاهرات على شرح الورقات للمارديني ، وحاشية المحلي على الورقات، ثم يشرع ُفي مطالعة مختصر ابن الحاجب من أي مكان رغب، وليس بالضرورة أن يشرع فيه من أوله، لأن النفس تستثقل البدايات، وتطمح للنهايات.
فيقرأ في مواضع كثيرة منه ، عشرين صفحة من آخره ، ومثلها من وسطه ، وهكذا حتى يطوف على المختصر كله. ثم بعد ذلك يُعيد الكرة مرة أخرى من أول الكتاب حتى آخره، ويجعل له مطالعة للتأمل يمر على المختصر كاملاً في يوم أو يومين كاملين، وهذه الطريقة نافعة جداً في تثبيت المعاني الأصولية في الذهن.
فيطالع المبادئ الكلامية واللغوية والأحكام والأدلة ، ثم بقية مسائل الكتاب على مراحل ، كما يفعل المسافر إذا أراد قطع المسافة ، يحتال على نفسة مرة بالراحة ومرة بالنشيد وثالثة بالسير الجاد السريع.
ومختصر ابن الحاجب فيه انفرادات أصولية ، نبَّه عليها عبد الرحيم الأسنوي (ت: 772ه) رحمه الله تعالى في كتابه : نهاية السول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي .
وقد بدأ ابن الحاجب مختصره بقوله عن علم الأصول: ( ينحصر في المبادئ والأدلة السمعية والترجيح والاجتهاد ) ، وقصده من هذا تنبيه المتعلم إلى ضرورة تصور علم الأصول عند الشروع في النظر في هذا العلم .
وقد ختم كتابه بالترجيح ومسائله ، وآخرها المنقول والمعقول .
وكما قلتُ سابقاً إن مطالعة هذا المختصر مجهدة ، فلا بد من تلطيف النفس لمطالعة الكتاب بدون عنت كما أوردتُ سابقاً .
والكتاب فيه تدريب منطقي على البراهين والدلالات والتصور والتصديق ، والتنبيه على الفرق بين الظن والشك والوهم وأقسام العلم ، وضرورة التمييز بين الحقيقة اللغوية والشرعية ، ومعاني الحروف وأحوال الأدلة وأقسام الحكم .
وهو يبدأ الفائدة بقوله : مسألة: فيورد ما تيسر له من لطائف وعلم يتعلق بها.
وقد أورد كثيراً من أدلة الصحابة وفقههم ، إلى جانب أدلة الموافق والمخالف، كالشيعة والخوارج والرافضة وبعض الملاحدة والمتفلسفة ،كابن الراوندي (ت: 298ه)، وبشر المريسي (218ه) الجهمي، عاملهما الله بعدله .
وقصده من هذا تدريب الطالب على كيفية معرفة الحجج والأقوال وتمييز أصحابها ومراتبهم في الشريعة .
وفي الكتاب أكثر من مئة آية استدل بها لتقوية رأية أو لنقل رأي غيره، ومئة وستين حديثاً وأثراً للغرض ذاته.
وفي المختصر نحو مئتي مصطلح أصولي ومنطقي وكلامي، ضمَّنها في ثنايا المسائل للربط بها بين الأصول والمنطق واللغة .
وفي الكتاب مسائل عديدة القصد منها تقوية الملَكة الكلامية والمنطقية ، وصلتها بعلم الأصول نسبية جداً، كمسألة هل امتناع ردة الأمة ممتنع سمعاً أم عقلاً ؟
ومن المسائل المنطقية والكلامية : الماهية والكليات والجرئيات ،كما في مسألة علاقة التعليق بالفور، وكما في مسألة المقيد المطابق للمطلق..
وقد نبَّه ابن الحاجب على مسألة انحصار الأصول في المبادئ والأدلة السمعية والاجتهاد والترجيح. ووضَّح هل أصول الفقه من القواعد؟ أم أنهما متغايران.
ونبَّه على ضرورة تصور الأحكام في كثير من مسائل المختصر ، تارة بالإشارة وتارة بالإيماء .
وقد أشار إلى أهمية مذهب الأشعري في عدة مواضع : في أول الكتاب وفي مسألة توقيفية اللغة والتمثيل به، وفي مسألة المحكوم فيه، وفي مسألة انقطاع التكليف بفعل حال حدوثه .
وعند مسألة تصور الحدود مثَّل بمثال قلب الجبل ذهباً وناقش هذا المثال ومعانيه ،ووضَّح احتمال النقيضين. وبيَّن أن العلم ضربان : تصور وتصديق،وأن كلا منهما ضروري لطالب الحق. ومن براعته إشارته إلى المبادئ اللغوية وأنها من لطف الله تعالى.وقد بيَّن أنواع الكلام ومفرداته.
وقد رجَّح وقوع المشترك في الكلام، وصحَّح أنه لا يشترط النقل في الآحاد على الأصح، وبَّين أن المجاز له وسائل تُعرف به وتدل عليه. وقد أشار إلى الخلاف مع المعتزلة مثل قولهم :بالحقيقة الشرعية وأسماء العبادات وألفاظ الفسق والكبيرة، ومثل صحة التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته. ومثل الخلاف مع الكعبي في مسألة المباح وأنه غير مأمور به، وفي الكتاب إشارة إلى الآمدي الأصولي ودقته في البحث، في عدة مواضع..
ابن الحاجب رحمه الله تعالى يميل أحياناً إلى عدم الوضوح في بعض عبارات كتابه مثل قوله : ( مسألة: اشتراط بقاء المعنى في كون المشتق حقيقة، ثالثها: إن كان ممكناً شرطاً ).
وفي الكتاب رد على بعض العلماء كابن شريح وكذلك رد على المعتزلة ،كما في مسألة اشتقاق اسم الفاعل والفعل قائم بغيره.
وفيه رد أيضاً على الكرامية والبراهمة والجبائية ،تمييزاً لهم عن بقية المعتزلة ،كما في مسألة الحسن والقبح.
وأورد جواز التعبد بخبر الواحد العدل ،وخلاف الجبائي مصرِّحاً به في أول مسألة التعبد بخبر الواحد ، وهذا التخريج منه فيه نظر ، كما هو ظاهر في شرح الأصول الخمسة للقاضي .
وأورد مقالة الرافضة في مبحث السُّنة عند مسألة العصمة، وكذلك في مسألة حكم مخالفة البعض في الإجماع، وفي أول الإجماع كذلك.
وفي بعض المواطن يُطلق لقب الشيعة وقد يقع على الرافضة وعلى غيرهم من الإمامية والاثني عشرية ، كما في مسألة شرط المتواتر، وكما في مسألة انفراد الواحد .
وفي المختصر قد يقارن ابن الحاجب بين قول الجمهور وقول الرافضة ، كما في مسألة التعبد بخبر الواحد .
وأورد أيضاً مقالة الخوارج وردَّ عليهم ، كما في أول مبحث الإجماع .
وأحياناً يورد كنية الجبائي أبا هاشم (ت: 321ه)، فيقول : عن أبي هاشم وكثير، والكثرة عنده يقصد بهم الأصوليين أو عامة المتكلمين.
وقد أشار إلى بعض آراء القاضي عبد الجبار المعتزلي(ت: 303ه )، كما في مسألة حكم الإجماع فيما لا يتوقف عليه صحة الإجماع .
وفي الكتاب إشارة إلى رأي الجمهور في بعض المسائل كما في مسألة فعل الواجب على الكفاية في وقته، ومسألة كون الشي واجباً وحراماً، وكذلك في مسألة جواز نسخ القرآن بالخبر المتواتر ، ونسخ السُّنة بالقرآن .
وفي الكتاب تنبيه على بعض المسائل الفقهية كحكم غسل جزء الرأس، في مسألة ما لا يتم الواجب إلا به، وكالصلاة في الأرض المغصوبة، ومسألة الصيام المكروه ،كما في مبحث الواجب والمحرم، ومسألة طلاق السكران وقتله وإتلافه ،ومسألة قتل الطفل وإتلافه ،كما في مبحث المحكوم عليه، وحكم الوضوء بعد النوم ،كما في مسألة حكم مخالفة الإجماع.
وفي كثير من المواضع يستفتح المسألة بقول : لنا ، ويقصد به المالكية أو علماء الأصول منهم ، وهذا كثير جداً في المختصر.
وفي بعض مسائل الكتاب تنبيه لرأي المتكلمين في مسائل الأصول ،كما في مسألة استحالة كون الشي واجباً حراماً.
وقد أورد أقوال الإمام مالك إجمالاً أو تلميحاً ، كما في مسألة الواو للجمع المطلق لا لترتيب ولا معية .
وفيه المختصر إشارة إلى مذهب الإمام أحمد في مواضع كثيرة ، كما في المسألة السابقة ، وفي مسألة حكم اتفاق العصر أشار إليه أيضاً وقرنه بلقب الأشعري فقال : ( قال الأشعري وأحمد والإمام الغزالي رحمهم الله… ) .
وقرن أيضاً اسم الإمام أحمد بالمتكلم ابن فورك(ت: 406ه ) رحمهما الله تعالى، كما في مبحث انقراض العصر.
وكرَّره أيضاً في مسألة العِلم بخبر الواحد عند قوله : ( وقال أحمد: ويطّرد الأكثر ).
وهناك إشارة إلى مذهب الحنابلة كما في مسألة الجمع المنكر، ومسألة تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وفي آخر الكتاب عند مسألة خلو الزمان من مجتهد.
وهناك بعض المواضع أشار فيها إلى الإمام أبي حنفية رحمه الله تعالى وقواعده الأصولية ، كما في آخر مسائل العموم. وفي مسألة الاستثناء من النفي.
وفي مختصر ابن الحاجب إشارة إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ، كما في قوله : ( وتمسك الشافعي رحمه الله في القيافة بالاستبشار وترك الإنكار لقول المدلجي..) كما في مسألة الندب وحكمه، وكما في مسألة علاقة التعليق بالفور .
وكرَّره أيضاً في مسألة هل يختص الإجماع بالصحابة ؟، وأورد عنه قولين في المسألة.
وكرره أيضاً في مسألة عدم انعقاد الإجماع بأهل البيت.
وفي الكتاب إشارة إلى فقه الصحابة وفقه الأئمة الأربعة، في كثير من المواضع، كما في آخر مسائل العموم وغيرها.
وفي الكتاب إشارة إلى مذهب أهل الرأي ،كما في مسألة حصول الشرط الشرعي.
وأحياناً يُبهم جنس مورد المقالة ،مثل قوله عند مسألة الفهم شرط التكليف ، فقد قال : ( قال به بعض من جوَّز المستحيل لعدم الابتلاء ) ، وكقوله : ( وقال بعض المجوزين… ) في مسألة حكم اتفاق العصر.
والكتاب غني بالأمثلة والدلالات ،كتمثيله بمثال تكليف أبي جهل بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع ما جاء به، ورده على ذلك، ومثال من شكر ملكاً على لقمة في مسألة الأمن من احتمال العقاب في الترك، ومثال: جاء زيد، ومثال الحجر والذهب.
وفي أول كلامه على الأدلة الشرعية قال : ( وهي راجعة إلى الكلام النفسي) ! . وهذا موضع نقد عند أهل الحديث والأثر. ومآله تأويل كلام الله أو تعطيله كما هو مذهب بعض المتكلمين ، وهو غير مقصود عند ابن الحاجب فيما يبدو من أوجه كلامه في مواضع مختلفة من المختصر.
وابن الحاجب يورد المسألة ويعلل لها في كثير من المسائل مثل قوله : ( لا إجماع إلا عن مستند ) في مبحث الإجماع، وكقوله : ( المتأخر ناسخ ، فإن جهل فثالثها المختار يعمل بالقول،لأنه أقوى ) في مبحث أفعال النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي الكتاب إشارة إلى إجماع اليهود والنصارى وإجماع الفلاسفة .
وابن الحاجب يعتني بالشروط والقيود في مواضع كثيرة من مختصره، كما في شرط المتواتر.
وفي المختصر إشارة إلى اختيارات الإمام الغزالي(505ه) رحمه الله تعالى، في عدة مواضع ، مثل ما جاء في مسألة الأمر بشي معين ليس نهياً عن ضده .
وفي الكتاب مواضع كثيرة لاستخدام الإقناع العقلي أو التلازم كقوله : ( فلو لم يُفد العلم لم يجمعوا على العمل به ،لامتناع الإجماع على جازم الشارع )، كما في مسألة العلم بخبر الواحد.
ومثله ما ورد في التعبد بخبر الواحد .
وكثير من مسائل المختصر مبنية على هذا الأسلوب التربوي .
وفي المختصر أمثلة للاستدلال ببعض الآثار النبوية في كثير من المواضع ، ومثلها الآثار الموقوفة ،مثل انكار أبي بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة، وانكار عمر خبر أبي موسى في الاستئذان، وانكار خبر فاطمة بنت قيس، كما في التعبد بخبر الواحد .
وفي الكتاب عناية بمسألة رجوع الضمائر والتمثيل لها ، وهي من المسائل العزيرة في علم الأصول ، وقلَّ من يتفطن لها، كما في آخر مسائل العموم من المختصر.
وفي المختصر اختيارات عديدة لابن الحاجب ،كما في مسألة جواز النسخ قبل وقت الفعل، وكما في مسألة قول المجتهد احكم بما شئت ، وكما في مسألة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان متعبَّداً بالاجتهاد، وكما في مسألة الاحتراز من النقض في آخر الاعتراضات.
وأخيراً فقد نظم البلقيني (ت: 824ه) رحمه الله تعالى المختصر في ألف ومئة بيت، وقد سمى تظمه : تحفة الطالب بنظم أصول ابن الحاجب ، وقد وزاد عليه زيادات نافعة ، ولا يخلو نظمه من تعقُّب في كثير من أبياته، وهو مأجور غير مأزور إن شاء الله تعالى.
والمقصود أن مختصر ابن الحاجب نفيس وقيم للغاية ،ولا غنى لطالب العلم عنه ، رحم الله مصنِّفه ونوَّر قبره ،وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
د/أحمد بن مسفر العتيبي
بجوار البيت العتيق
8 صفر 1443هـ