خاتمة الذكريات الأصولية :
في ختام هذه الصفحات المباركات ،فإنه قد وردتني أسئلة كثيرة حول هذه الذكريات ،عن الشيخ عبد الكريم النملة رحمه الله تعالى ، وكلها أسئلة مهمة وتدل على رغبة في العلم والفهم.
وسيكون حرف الفقرة هو الجواب عن السؤال الذي وردني .
أما موقف الشيخ من الأشاعرة ، قد كان يحترم جميع الآراء الواردة عن الأشاعرة وغيرهم، ويتأدب في مخاطبتهم ،ولم يكن من منهجه التهكم أو التوبيخ أو السخرية بالمخالف، فهو باحث عن الحق والعدل، وكان يقول لي بما معناه : لعلهم قصدوا الحق، وأجرهم على الله.
لكن الشيخ كان يعتقد عقيدة الإمام أحمد في الأصول والفروع ، ولم ألحظ عليه في يوم من الأيام أيَّ مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة، وآمل عدم تحميل أقوال الشيخ وآرائه فوق ما تحتمل.
والواقع أن من يشتغل بعلم الأصول حتى اختلط بلحمه ودمه ، فإنه يستفيد من علم الموافق والمخالف، ويصطفي لنفسه ما يعتقد أنه الحق.
وعلاقة الشيخ بالعلماء كانت جيدة، وكانوا يجلونه ويعرفون قدره، لكن الشيخ كان لا يحب كثرة الاختلاط بالناس عموماً ،حرصاً على وقته ولأجل التفرغ لمؤلفاته، ولهذا خفيت شخصيته على كثير من الناس، أضف إلى ذلك أن الشيخ لم يكن يحب التصدر في الإعلام ، ولهذا لم تُنشر له صورة في حياته ولا حتى مادة مرئية ،(فديو )، وهذا يدل على زهده وورعه وهضمه لنفسه. وعندما توفي رحمه الله تعالى اتصل مفتي المملكة عبد العزيز آل الشيخ بعائلته معزياً ،وترحَّم عليه وأثنى عليه وعدد مناقبه. وعند تشييع جنازته حضر الكثير من العلماء والطلاب للصلاة عليه ودفنه.
والشيخ عبد الكريم رحمة الله عليه ،له شهرة واسعة في بلاد مصر والمغرب والخليج والعراق، عرفتُ هذا جيداً حين اشتغلتُ بجمع مادة الكتاب الذي سيطبع قريباً في ترجمته.
أما مقالة الشيخ في التفويض للصفات وأن ذلك من المحكم أو المتشابه؟، فإن الأصل في المسائل العقدية ليس كلام الشيخ عبد الكريم النملة رحمة الله عليه ولا مصنفاته ،بل كتب السلف ومصادرهم الأصيلة، وإن كان الشيخ سهى أو نَسب هذا القول لبعض العلماء ،فإننا نلتمسُ العذر لوهمه في المسألة ،ولا نتابع الشيخ في أمر وهم فيه ،والحق أحق أن يتبع . ونقول إنه قد قرر مذهب أهل السنة والجماعة في بعض كتبه الأخرى، وقد أشرتُ إلى ذلك في بعض الحلقات الماضية. وقد قلتُ سابقاً إن الشيخ على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في باب الصفات.
وقد قال لي في أكثر من موضع بما معناه: (أي خطأ في مصنفاتي يخالف مذهب أهل السنة والجماعة ،فإنني أستغفر الله منه ولم أتعمَّده ، فقد يكون نسياناً مني أو التباساً في قلمي ).
أما كتابه المهذب فقد وردتني حوله بعض الأسئلة، وهذا الكتاب صنَّفه الشيخ في أصول الفقه على المذهب المقارن، ولم يكن قصد الشيخ فيه التفصيل ولا التطويل ولا استيعاب جزئيات المسائل، لأن كتابه لم يصنَّف لهذا الغرض، فهو قد قصد حصر المسائل المهمة التي يجري عليها العمل ويكثر السؤال عنها وتدور عليها المباحث الأصولية، ويقارن بينها وبين المذاهب الأصولية متحرياً الصواب والإيجاز .
ولسان حال الشيخ : كتابي مفتاح للمسائل والدلائل لا لاستيعاب النقاش وتتبع الجزئيات العلمية. ولم يكن الشيخ يخلط بين المسائل فيه ، لكن إن كان للمسألة فرع له تعلق بها فإنه يُلحقه بها حتى يفطن الطالب لثمرة المسألة والبناء عليها ونحو ذلك .
وفي كتاب المهذب مواضع يُستدرك فيها على الشيخ ، وهي غير مقصودة ، مثل كلامه عن العصمة، فليحرر.
وقد سألته في آخر عمره عن بعض هذه المواضع فوعدني بتحريرها في طبعة لاحقة، لكن الأجل لم يمهله رحمة الله عليه .
أما هل يُقدَّم الإتحاف عليه أم العكس؟ فالجواب أن الطالب النجيب إن كان حنبلياً فيلزمه تقديم الإتحاف على المهذب، وإن لم يكن حنبلياً فلا ضير من الاقتصار على المهذب والاستغناء عن الإتحاف.
أما فيما يتعلق بمسائل المهذب والإتحاف ، وهل استوعبت جميع مسائل أصول الفقه. فالجواب نعم ، فهذان الكتابان استوعبا جميع مسائل أصول الفقه الضرورية العملية ،أما غير الضرورية فقد أهملها الشيخ ولم يثبتها في الكتابين.
وكتاب المهذب مكث فيه الشيخ تحريراً وتهذيباً ثمان سنوات، ومكث في تحرير الإتحاف سبع سنوات، ومكث في حاشية الروض المربع سبع سنوات.
وقد وردني سؤال عن سبب عدم وجود تخريجات وتوثيق لفوائد المهذب، وجوابه أن هذا من المواضع المنتقدة والمستدركة على الشيخ ، فليته فعل ذلك، ولعله قصد أمراً في نفسه لا نعلمه . لكن الشيخ كان يكتفي بذكر أصحاب الأقوال في أول المسائل ، وهذه منهجية سار عليها بعض العلماء قديما ًكالرازي وابن تيمية وابن السُّبكي رحم الله الجميع .
وقد أخبرني الشيخ نفسه أنه لما صنَّف المهذب والإتحاف كانت المصادر في مجلدين للكتابين، لكنه لم يطبعهما ،ويبدو أن سبب ذلك رغبة الناشر في تيسير الكتاب للشراء ونحو ذلك من الأمور الفنية .
وعن تجربة فإنني لا أنصح بقراءة المهذب والإتحاف إلا بعد هضم المتون الأصولية الأربعة المشهورة في المذاهب .قلتُ هذا لكثير من الطلبة الذين يرغبون مطالعة الكتابين قبل فهم كتب المذاهب.
أما كتاب روضة الناظر فقد اشتغل الشيخ بتحقيقه والتعليق عليه حوالي 30 سنة من عمره، وقد رجع إلى نسخ خطية كثيرة لهذا الكتاب، وقد ضبط النص ضبطاً جيدا وعلَّق على مسائله، وبلغ به إلى قريب من الكمال. ولا يخلو أي عمل بشري من سهو أو وهم.
لكن الذي عرفته أن العلماء داخل المملكة وخارجها يعولون دائماً على تحقيق الشيخ عبد الكريم لروضة الناظر، بسب خبرته الطويلة لهذا الكتاب وطول ممارسته لتدريسه.
وقد تعب فيه الشيخ كثيراً، رأيتُ هذا في نسخة روضة الناظر الخاصة بالشيخ،لا حرمه الله أجر ذلك التعب والجهد المضني.
وقد طُبع الكتاب في مكتبة الرشد خمس عشرة طبعة ولله الحمد كله .
أما من سأل عن القيمة العلمية لكتاب الشيخ: تيسير الفقه ( حاشية على الروض المربع )، فهذا الكتاب أثنى عليه كثير من العلماء في المملكة وخارجها ، وهو مفتاح يدلُّ الطالب على كيفية بناء الفروع على الأصول، وقد أراد الشيخ وقصد من ورائه توجيه المسائل الفقهية وتوضيح آراء البهوتي وتنقيحها ، ولهذا ففيه اعمال للعلل والمقاصد والأدلة المتفق عليها والمختلف فيها، وقد تعب فيه الشيخ وأجاد وأفاد رحمه الله تعالى. وهناك مواضع خلافية في بعض المسائل استدركت على الشيخ في هذا الكتاب، لكنها لا تنقص من قيمة الكتاب واهميته .
أما على ماذا كان الشيخ يعتمد في التحضير للدروس ؟ ، فالجواب أنه كان يعتمد على مصادر الأصول الأصيلة عند الموافقين والمخالفين، فقد نقل عن المعتزلة والأشاعرة والإباضية ،كما نقل عن مصادر كتب السلف كالأئمة الأربعة وابن تيمية وابن القيم ومن نحى نحوهم كالمرداوي والفتوحي وغيرهم مما يطول حصره. وقد أشرتُ في أول الذكريات ووسطها إلى منهجه والمصنفات التي يراجعها باستمرار .
أما موقف الشيخ من المتون الأصولية، فلم يكن يعول عليها كثيراً، إنما يعول على الشروح والحواشي والمصادر الأصيلة في كل مذهب ، مع تصحيحات وتنقيحات الأعلام وفهمهم وتوضيحهم .
وليس معنى هذا أن لا ينصح بها ، إنما القصد أنها ليست أولوية في البناء الأصولي عنده .
وفيما يتعلق بمنهجيته لطالب العلم فقد كان يحض على تكرار الكتاب الواحد عدة مرات، ثم مطالعة ما يتيسر من شروحه مع التعليق بالقلم والتحشية ومراجعة الكتب المعتمدة في الكتاب، مع ضرورة تزكية النفس والإخلاص لله تعالى.
وكان يوصي بدوام المذاكرة للفقه والأصول معاً، فهما وجهان لعملة واحدة.
أما المفاضلة بين كتب الشيخ، فكلها نافعة جدا، وليس فيها الضعيف أو قليل الفائدة، ففي كل كتاب تربية وفائدة وعمق في البحث.
وقد سألتُ هذا السؤال للشيخ الأصولي عياض السلمي ، فقال إن كتابه مخالفة الصحابي للحديث النبوي من الكتب التي أضافت قيمة علمية في الأصول، وإن كتاب الروضة أفضل تحقيق لهذا الكتاب ، وبنحو هذا الكلام أفادني أيضاً الشيخ الأصولي أحمد السراح .
وبعض الإخوة سأل وقال : خلاصة علم الشيخ في أي كتاب؟. وجواب هذا عسير ، لأن لكل كتاب مزية خاصة لا توجد في الكتاب الآخر. والله أعلم.
لكن عند الاقتراح والرأي : فإن الإتحاف والمهذب وحاشية دليل الطالب ،من أهم ما صنَّف الشيخ عبد الكريم عفى الله عنه .
أما محفوظات الشيخ فلا أملك إجابة عليها للأسف، لكن الذي أعرفه عنه أنه كان حاد الذكاء والفهم ، وقد أخبرني الدكتور المحقق محمد مصطفى رمضان أن الشيخ عبد الكريم استوعب كل مؤلفات الأصول استيعاباً كبيراً وأنه ألم بأطرافها، وهذا المحقق من زملاء الشيخ ويعرفه معرفة شخصية .
والأمر الآخر الذي لا يعرفه كثير من الطلبة أن الشيخ عبد الكريم كان سريع الكتابة والفهم مع جودة ذهنه، فقد صنَّف كتابه الخلاف اللفظي ( في مجلدين ) في ثلاثة أشهر ، وكان له صبر وجلد على المطالعة والبحث،مما لا نظير له عند كثير من المعاصرين ، والله يختص برحمته من يشاء. أخبرني بهذه الفائدة زميله وصديقه الشيخ الأصولي محمد بن عبد الرزاق الدويش ،محقق كتاب التقريب والإرشاد، وكذلك شيخ الشيخ عبد الكريم ومعلمه: الوزير الدكتور المحقق عبد العزيز السعيد .
والشيخ عبد الكريم كما أعرفه عنه ويعرفه غيري، كان محافظاً على أوقاته، فقد كان يمكث في مكتبته في كل يوم ست عشرة سنة ، لا يقوم من مكانه إلا للصلاة أو الطعام، فقد آتاه الله من القوة والصبر ما يعزُّ نظيره عند كثير من العلماء.
ولهذا كان طويل النفس في الكتابة وتلخيص المسائل وبناء الفروع على الأصول، ومعرفة العلل والمقاصد ، وتمحيص الأقوال والأدلة ،كما يتضح ذلك من كتبه المطولة المعروفة .
أما طريقة الشيخ في ترسيخ العلم والمسائل فهي التكرار وضبط الفهم، والتفرغ للعلم وتقليل الاختلاط بالناس إلا ما لا بد منه. وقد أشرتُ إلى بعض هذا في أول الذكريات .
يُضاف إلى هذا الدعاء والإخلاص وتحري الحلال في المطعم والمشرب، وتخفيف العلائق الدنيوية بقدر المستطاع .
وقد كان الشيخ قدوة فيها ، وهذا يعرفه الخواص ممن هو قريب منه رحمه الله تعالى.
أما سؤال الأخ الذي سأل عن منهج الشيخ النملة ، وهل يوجد كتاب عن منهجه ؟ فالجواب نعم ، فقد كتب أخي فضيلة الشيخ محمود هلال رسالة ماجستير عن منهجه الأصولي وقد أجاد وأفاد في ذلك ، ومع ذلك فقد فاته الكثير من الفوائد والتحريرات، وهو مأجور إن شاء الله تعالى.
وللشيخ عبد الكريم النملة رحمه الله تعالى كتاب في المقاصد شرع فيه قبل وفاته بأشهر قليلة لكنه لم يُتمه ، وهو مطبوع في مكتبة الرشد ، وعنوانه : الكاشف في مقاصد الشريعة .
أما الأخ الذي سألني عن دروس الشيخ ، فقد بدأ الشيخ تدريس أصول الفقه في الجوامع والمساجد بمدينة الرياض قبل سنة 1415هـ، ولم تسجل كلها للأسف ، وربما سبب ذلك أمور فنية ونظامية في تلك الفترة، وقد بدأ تسجيل دروسه وتوثيقها في سنة 1417هـ، ، وكان أول درسٍ له في جامع الغزِّي بحي السلام، في يوم الخميس من شهر ربيع الأول، سنة 1417هـ، وكانت الدروس في الفترة الصباحية في الساعة العاشرة تقريبًا، وذلك في كتاب روضة الناظر لابن قدامة رحمه الله تعالى.
وكانت الدروس في سائر أيام العام ما عدا أيام المواسم وأيام الاجازات. وقد شرح كتاب روضة الناظر في عدة جوامع مختلفة، كجامع الأميرة الجوهرة بنت إبراهيم بحي التعاون، وكان الدرس يوم الثلاثاء من كل أسبوع، في سنة 1420هـ.
وكذلك أقام بعض دروس روضة الناظر في جامع الراجحي القديم، شرح فيه كتاب القياس كاملًا من كتاب الجامع في أصول الفقه، في دورة علمية، في يوم السبت من كل أسبوع، وكان ذلك سنة 1420هـ وسنة 1421هـ.
وقد أتم الشيخ شرح روضة الناظر سنة 1430هـ في جامع الراجحي الجديد. وطريقة الشرح في هذه الدروس والدورات أنه يبدأ بمقدمة ثم بعض الفوائد عن التربية والتزكية، ثم قواعد المسائل وأدلتها، ثم يجيب على بعض الأسئلة إن كان في الوقت فُسحة، وفي الغالب يتوقف الدرس عند الأذان، وقد يطلب منه الطلابُ تكملة الشرح إلى الإقامة لكنه يعتذر خشية التشويش على العوام في هذه المسائل، مما لا تُدركه أفهامهم.
ودروس روضة الناظر مسجلة ومرفوعة على الشابكة، وتقع في مئة وست حلقات صوتية.
وقد شرح الشيخُ بعض كتابه الجامع لمسائل أصول الفقه على المذهب الراجح في جامع شيخ الإسلام ابن تيمية سنة 1420هـ بالرياض في دورة علمية، مدتها أسبوعان، وكان الكتاب ملزمة لم يطبع ذي ذلك الوقت.
وشروح كتاب الجامع مرفوعة على الشابكة، وهي في تسعة وعشرين درسًا صوتيًا. وكذلك شرح بعض كتاب الجامع، في جامع الراجحي بمدينة بريدة.
وقد شرح الشيخُ أيضًا متن الورقات في ستة دروس، في مسجد الغزِّي بالرياض، وهي مرفوعة على الشابكة.
وكان للشيخ أيضًا دروس في جامع الراجحي بعنوان: ربط الفروع الفقهية بقواعدها الأصولية من خلال كتاب الكافي. وذلك في سنة 1422هـ، وهي مرفوعة على الشابكة .
وقد شرح الشيخ أيضاً مقدمة الشاطبي، في آداب العالم والمتعلم في جامع الراجحي بالرياض، وذلك في سنة 1432هـ، وهي مرفوعة على الشابكة .
وله أيضًا مادة صوتية نافعة مجتزئة من إحدى دروسه بعنوان : التشدد المذهبي، وهي مرفوعة على الشابكة .
ولا يوجد للشيخ دروس صوتية أو مرئية غير ما أوردتهُ أعلاه .
أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل ما قدَّم العلامة عبد الكريم النملة، من مؤلفات ودروس ووصايا في ميزان حسناته، وأسأله أن ينور قبره ويسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يسامحنا ويعفو عن كل زلل وسهو، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
د/ أحمد بن مسفر العتيبي
غرة ذي القعدة 1442هجرية .