بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد…
هذه الألفية الماتعة من المنظومات التي أضعها عند رأسي مع منظومة العلوي(ت: 1233ه) رحمهما الله تعالى، وكل ليلة أطالع أبياتاً من إحداهما، وقد جردتهما كاملتين بهذه الطريقة، ثم مع الطلبة، ولله الحمد في الأولى والآخرة.
وطالبُ العلم الذي لا يقرأ في علم الأصول ،مغبون وسيره في طريقٍ يوشك أن يزلَّ به،إلا إذا تداركه الله برحمته ولطفه.
فعلم الأصول يدلك على الحقائق والأحكام ويقوي صلتك بالعلوم والمعارف،وقد قال الناظم :
فطلبُ المجهول مستحيلُ… ومن يحصِّل حاصلاً مطلولُ
ودائماً في مجالسي ودروسي أوصي طلبتي والمحبين بمراجعة ألفية البرماوي، لأنها مشتملة على صفوة المسائل الأصولية وخلاصة المباحث الفقهية التطبيقية، لمن عقلها وكرَّر فهم معانيها.
وقد كانت لي تجربة متواضعة مع طلبتي، فقد طالعنا وذاكرنا ألفية البرماوي في أربعين مجلسا، كل مجلس ساعتان تقريبا.
وكانت مذاكرة بالقلم والتعليق وتكرار البيت ودلالاته ومعانيه باختصار.
والقصد تقوية الملكة الأصولية ومراجعة العلم.
ألفية البرماوي (ت: 831ه ) من الألفيات الأصولية الفريدة الغنية بالعلم ،ولا غنى لطالب العلم عن جردها ومطالعتها وحفظها إن استطاع إلى ذلك سبيلا.
يقول في مطلعها :
باسم الحميد قال عبدٌ يُحمد… ذا البرموي الشافعي محمد
الحمد لله الذي من وفَّقا… للفقه في الدين وأصله ارتقا
ثم بعد عدة أبيات قال :
وبعد فالقصد على روية… نظم أصول الفقه في ألفية
مُعرى من الخلاف والدليل… ونبذتي أصل لذا التأصيل
فسمِّها بالنبذة الألفية… مع زيد في أصولنا الفقهية
ثم شرع في مقدمة المسائل الأصولية فنظمها في أربعة عشر بيتاً،ثم نظم بقية الأبواب: العلم ،الدليل،النظر، الحكم،أدلة الفقه،ما يتوقف عليه الاستدلال بالأدلة،معاني الحروف والمصطلحات،الأمر والنهي،العام والخاص،التخصيص،المخصص،المطلق والمقيد،الظاهر والمؤول،المجمل والمبين،ما يتوقف عليه بقاء الحكم ورفعه،النسخ والقياس،قوادح العلة،الأدلة المختلف فيها،تعارض الأدلة،المجتهد والمقلد.
وقد كمُلت المنظومة في (1032 )بيتاً.
وقد ختمها بقوله :
تم بحمد الله ما نظمتهُ… أرجو به النفع َكما قصدتهُ
فالحمدُ لله على التمام.. مع أفضل الصلاة والسلام
والناظم رحمه الله تعالى يبدو أنه كتب المنظومة في آخر حياته، لأن في بعض الفصول زيادات وتذييلات ملحقة ،فلعلها زيدت بعد وقت وليس في الإبرازة الأولى للمنظومة.
ويلاحظ أنه يرتب المسائل والأفكار في الأبيات حتى لا يتشتت فكر الطالب ويسرح بعيداً، مثل قوله :
أدلة الفقه على اتفاق.. بين الأئمة: الكتاب الباقي
والسُّنة والاجماع والقياس.. وذا من الدين لأمر قاسوا
وهكذا في كثير من المسائل والأبيات، مثل قوله أيضاً:
فاثنان يخرجان ثم أربعة..لفقدها تواترا ممتنعة
ومثل قوله:
ثم الذي يعرف بالتحسيني.. ما لا ينافي قاعدات الدِّين
ومثل قوله:
والعاشر الإلغاء فيما يفرق.. كأمة بالعبد حين يعتقُ
وقوله:
يُقدَّم الذاتي عليه ورجح..أقل أوصافاً وهكذا وضح
والأبيات في المنظومة رقيقة ،سهلة وواضحة جداً، والمعاني رائعة ورائقة ومشوقة للمتابعة والحفظ والجرد لمن رغب في ذلك.وفيها درر وفرائد مثل قوله:
من أجل هذا يقبل المبتدع.. لأنه بجهله يبتدعُ
ومثل قوله :
والشافعي قد رأى الموافقه.. من القياس لا بلفظ وافقه
ومثل قوله:
كحرمة التي لها قد طلقا.. فإنه بفعله تعلقا
ومثل قوله :
والرسم فيه: حيوان ضاحك.. والناقصان: الجنس أنت تارك
ومثل قوله:
والضبط أن يكون لا مغفلا.. وهو الذي نسيانه قد جزلا
وقوله:
للشافعي ترك الاستفصال.. ينزل كالعموم في المقال
وقوله:
والشافعي قال ليس يقع.. نسخ لقرآن بها يرتفع
وقوله:
وغاية الفن هو التوصل.. لكل خير يقتضيه العمل
والأمثلة كثيرة جداً، إنما هذه أمثلة للتشويق لا غير.
وأهم ثلاث تجارب عاينتها في هذه المنظومة هي: غزارة المعاني ووفرتها، كثرة الأمثلة والضوابط، تقريب علم الأصول بلفظ رائق.
ومن بركات هذه المنظومة أن من شرع في مطالعتها،لا يكاد يتركها حتى يُطالعها كاملة، ولعل هذا من إخلاص ناظمها قدس الله روحه.
والبرماوي رحمه الله تعالى متمكن في علم الأصول كتمكنه في علم الفقه، ولهذا تلاحظ القوة على أبياته وأمثلته وتناسبها مع جزالة اللفظ ووضوح التعبير وقوة الإقناع في التصوير الذهني والتطبيق العلمي.
والناظم مصري من برمة ،من نواحي غرب مصر . وهو شافعي أشعري ،تقليداً لشيوخه وأهل بلده.
وقد كان فقيراً يطلبُ العلم في المساجد ويخدم بعض الشيوخ ليحصل على القوت ويعفُّ نفسه.
وقد درس على الزركشي صاحب البحر المحيط(ت: 794ه ) رحمه الله تعالى،الأصولي المعروف بعلمه وتمكنه وتبحره ،وأفاد من مصنفاته وأضاف عليها في معاني منظومته.
وقد كان عمر الناظم عند وفاة شيخه ثلاثين عاماً تقريباً.
وهو يتابع الأشاعرة في كثير من قواعدهم في الإيمان والصفات، فليتنبَّه لهذا في جل مصنفات الأشاعرة. ولا مانع من الإفادة من جميع كتب الأشاعرة رحمهم الله تعالى، بشرط تقوية الملكة الإيمانية والعقدية وفهم الصفات على مذهب أهل السُّنة والجماعة. أما ما وقع فيه الأشاعرة فهو اجتهاد لا يتابعون عليه، ولهم أجر الإجتهاد ، وديننا مبني على التناصح والتواصي بالحق.
وقد كان المرداوي(ت: 885ه) رحمه الله تعالى شيخ الحنابلة في عصره، يستشهد بتقريراته وأحكامه وفوائده، ثقة بعلم البرماوي واعتماداً على فهمه.
وطريق الانتفاع بالمنظومة مطالعة خمسة أبيات مع معلم ثم فهمها ثم الانتقال لما بعدها، وهكذا حتى تمام المنظومة. ولو رجع الطالبُ إلى شرح المصنِّف( الفوائد السَّنية )ففي ذلك خير عظيم ونفع عميم لا يمكن وصفه.
ولا مانع من مطالعة تقريرات ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى ،على المسائل الأصولية، وقد سلكتُ هذه المنهجية عند مذاكرتي للمنظومة مع طلبتي.
وأوصي نفسي وطلابي دائما بقاعدة : اقرأ في الأصول وطبِّق في الفقه يا سؤول.
وإنني أُوصي كل من يشكو من الملل والتعب والإرهاق عند دراسة الأصول، أن يخرج إلى الحدائق ومجاري الأنهار أو البراري والجبال ،ويطلق نظره في آيات الله، ولا مانع من مطالعة القصائد والأبيات وقليل من الفكاهة والمرح لتسلية النفس وحثها على السير بلا انقطاع. وقد أوصاني بهذا شيخي عبد الكريم النملة(ت:1435ه ) رحمه الله تعالى، وقد عملتُ بوصيته وأفادتني كثيراً جداً في مشواري العلمي.
رحم الله البرماوي وضاعف له الأجر والمثوبة ،وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء،والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
قاله بلسانه وكتبه ببنانه بعد ختم جرد الألفية مع الطلبة
د/ أحمد بن مسفر العتيبي
بجوار البيت العتيق. 13/10/1442ه.