بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

فهذه إضبارة أمليتُها على طلابي في المسجد بعد جرد كتاب ” المحصول ” لمحمد بن عمر الرازي (ت:  606هـ)رحمه الله تعالى.

وكتاب المحصول كتاب نافع جداً لمن رام تقوية ملَكته الأصولية ،ومعرفة طريقة فهم المسائل ومباحث الأصول على منهج المتكلمين،بتقرير القواعد على المبادئ المنطقية،مع العناية بالاستدلال العقلي.

وقد سطَّر على هذه المنهجية بعض علماء الحنابلة كأبي يعلى الحنبلي(ت: 458هـ ) وأبي الخطاب الحنبلي(ت: 510هـ ). وهي نفس المنهجية التي سلكها الإمام الشافعي(ت: 204هـ ) رحمه الله تعالى في كتابه الرسالة .

وهناك زلات وهنات في كتاب ” المحصول ” وغيره من مصنفات الأصول عند علماء الأشاعرة والمعتزلة، رحمهم الله تعالى،بعضها وقعت عن إجتهاد لم يوفقوا فيه لاصابة الحق،وبعضها لم تتبيَّن لهم فيه الحجة الصحيحة الراجحة،لقلة عنايتهم بكتب الحديث وكتب معتقد السلف،وقليل منها سببه التعصب المذهبي وتقليد المشايخ.

ومن أراد التوسع في بحث هذه المسائل فليطالع كتب السلف مثل :الرسالة للشافعي وأعلام الموقعين لابن الجوزية وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ،وفتاوى ابن تيمية ،وشرح الكوكب المنير لابن النجار ،ومذكرة الشنقيطي على روضة الناظر . وغيرها من  مصنفات العلماء الراسخين في معتقد السلف.

وهذا أوان الشروع في المقصود :

1-الأمر بالمعدوم:  مسألة كلامية أُدخلت في علم الأصول،وهي مبنية على أصل الكلابية والأشاعرة في القول بالكلام النفسي لله تعالى،وأنه كلام قديم قائم بذاته أزلاً وأبداً،ولا يتعلق بمشيئته،وهذا الاعتقاد مخالف لاعتقاد السلف،من إثبات كلام الله القائم بذاته،وأنه متعلقٌ بمشيئته ،فيتكلم إذا شاء.

وعند المعتزلة : لا يجوز أن يكون المأمور معدوماً،إذ من شرط الأمر عندهم وجود المأمور. وفي اعتقاد السلف: جواز توجه الأمر للمعدوم بتقدير وجوده على الصفة التي يصح معها التكليف،لثبوت ذلك بالنص والإجماع.

فنحن مأمورون بما أُمر به الصحابة الموجودون زمن الخطاب،مع أننا كنا معدومين حين الخطاب الأول.فاحفظ هذا فإنه نفيس جداً.

2-السبب مجرد معرِّف للحكم وعلامة عليه،وليس مؤثراً فيه: هذا قول بعض المتكلِّمين ،ويُقصد بذلك نفي الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى،ونفي تأثير الأسباب في مسبباتها،ولهذا يقولون: يحصل الحكم عند وجود السبب لا به.

واعتقاد السلف :إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى وأحكامه،وأن الأسباب لها تأثيرٌ في مسبِّباتها بجعل الله لها مؤثرة.

قال الله تعالى:” حكمةٌ بالغةٌ” (القمر:5). وهذا أعلى مراتب العلة الصريحة ،وهو مهمل عند كثير من الأصوليين.وفي كتاب” شفاء العليل ” لابن القيم مزيد بيان لهذه المسألة.

3-الكلام في الأزل يسمى خطاباً : هذا قولُ بعض المتكلمين ،وقد بنوا هذا المعنى على القول بالكلام النفسي ،كما تقدَّم قريباً في مسألة الأمر بالمعدوم. واعتقاد السلف: إثبات كلام الله القائم بذاته،وأنه متعلقٌ بمشيئته ،فيتكلم إذا شاء.

4-صيغة الأمر: مذهب الأشاعرة في كلام الله تعالى أنه صفة قائمة بذاته لا تتعلَّق بمشيئته،وهذا خلاف اعتقاد سلف الأمة . واعتقاد السلف: إثبات كلام الله القائم بذاته،وأنه متعلقٌ بمشيئته ،فيتكلم إذا شاء.

5- حقيقة اللفظ النفسي: مذهب الكلابية والأشاعرة أن الكلام يطلق حقيقة على المعنى القائم في النفس،وهذا خلاف اعتقاد السلف،وهو أن الكلام يطلق حقيقة على اللفظ والمعنى جميعاً.

6- العلة والسبب : عند الأشاعرة مجرد علامة ومعرِّف ولا تأثير لها.أما اعتقاد السلف فهو أن للأسباب والعلل تأثير بجعل الله لها مؤثرة. والعلة عند المعتزلة مؤثرة بنفسها،بمعنى أنها الموجب للحكم بذاتها، بناءاً على جلب مصلحة أو دفع مفسدة.والذي عليها الجمهور أن العلة لا تُؤثر بنفسها في الأحكام،وإنما المؤثر الحقيقي فيها هو الشارع الحكيم وحده،بدليل أنه قبل ورود الشرع لم تكن هذه العلل مؤثرة بنفسها.

7-تقسيم الدِّين إلى أصول وفروع: هذا من بدع المعتزلة، ولم يقل به أحد من السلف . وهو من مخلَّفات القرن الثالث الهجري. وقد جعل المتكلمون من الصلاة والزكاة والصيام والحج فروعاً.والصحيح أنها من أركان الإسلام.

8-تقديم العقل على النقل: هذا من مخرجات علم الكلام والفلسفة. وهو قدح في الشرع بقصد او بدون قصد. واعتقاد السلف: تقديم النقل على العقل عند التعارض.ومن استمرأ تقديم العقل على النقل فإن مآله إلى التعطيل والوقع في الإثم.

9-تقسيم الصفات الذاتية: عند الأشاعرة قسمان: ما دلَّ عليها فعله وما دلَّ عليها تنزيهه. والصواب أنها أربعة: ذاتية وفعلية وعقلية وخبرية.الذاتية العقلية : كالحياة،والذاتية الخبرية: كالوجه،والفعلية العقلية: كالخلق. والفعلية الخبرية: كالاستواء.

10-صفات الله تعالى ليست أزلية: هذا  قولُ بعض المتكلمين ، وفيه نفي لصفات الأفعال،وتأويلها بالإضافات،وهي من اختراع الفلاسفة لنفي أي معنى ثبوتي فيها، لمخالفتها لما قرَّروه من دليل الجواهر والأعراض.

11-السلف يفوضون معاني الصفات: هذا قولُ بعض المتكلمين ، وهو اعتقاد فاسد، والصحيح أن السلف يُفوِّضون الكيفية ولا يُفوِّضون المعنى.

12-السلف درجوا على ترك التعرض لمعاني الصفات: هذا من الأقوال المنسوبة للجويني(ت: 478هـ) رحمه الله تعالى في ” الرسالة النظامية ” .

والصواب وجوب الإيمان بصفات الله تعالى ،من غير تأويل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل .ويكون التعرض لمعانيها كما وردت في السُّنة،ومذهب السلف تفويض الكيفية وليس تفويض المعنى.

13-طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم. هذا قول بعض المتكلِّمين والمثقفين في هذا العصر ، وهو قول باطل. لأن السلف آمنوا وعلموا وعملوا، والخلف كثير منهم حرَّفوا وخاضوا وعطلوا.

14-كلام الله تعالى مخلوق،ومعنى واحد قائم بذات الله،وحروف وأصوات مجتمعة في الأزل،وأن الله تكلَّم بعد أن لم يكن متكلِّما،وأنه كلام يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته،وأنه يتضمن معنىً قائماً بذاته خلقه في غيره،وأنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات.

هذه أقوال بعض المتكلمين والمثفقين في هذا العصر ،وكلها باطلة ومرجوحة.

والصحيح: أن الله تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء،وهو يتكلم  بصوت يُسمع،وأن نوع الكلام قديم،وإن لم يكن الصوت المعين قديماً.

15-صفة النقص ممتنعة في ذات الله تعالى: هذا قول بعض المتكلِّمين ، وهو قول فاسد،والصواب قول:إن الله تعالى منزَّه عن النقائص لكماله وعلوه وقدرته.

16-رؤية الله في الدنيا جائزة: هذا قول بعض المتكلمين ، والصواب والراجح عدم إمكانية رؤية الله تعالى في الدنيا في اليقظة،للحديث المرفوع: ” واعلموا أنه لن يَرى أحدكم ربَّه حتى يموت” .أخرجه مسلم في صحيحه.

أما في المنام فهي جائزة ،وفي الحديث:” رأيتُ ربي في أحسن صورة”. أخرجه الترمذي بإسناد صحيح.

17-الإرادة والمشيئة والمحبة والرضا بمعنى واحد : هذا قول بعض المتكلِّمين ، والصواب عند السلف أن الإرادة قسمان: إرادة أمر وتشريع،وإرادة قضاء وتقدير،فالأولى تتعلق بالطاعة والمعصية،والثانية شاملة لجميع الكائنات.

18-من حصل له رزق بغير تعب فهو الرازق لنفسه: هذا قول المعتزلة ،والصواب أن الرزق ما يُنتفع به سواء كان حراماً أو حلالاً ،لاستناده إلى الله في الجملة.قال الله تعالى:” وما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقُها “( هود:6 ) .

19-العبد يَهدي نفسه ويُضلها: هذا قول المعتزلة،لأنه عندهم يخلق أفعال نفسه. والصواب أن الله بيده الهداية والإضلال ،والعبد مكلَّف بالعمل الذي يصلحه.

قال الله تعالى:” من يشأ الله يُضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم”( الأنعام:39).

20-التلفظ بالإيمان ليس شرطاً في صحته: هذا قول بعض المتكلمين ،وبعض المثقفين في هذا العصر ،والصحيح عند السلف : أن التلفظ بالإيمان أحد ركنيه.

فلا بد من النطق بالشهادتين ،ولا يكفي التصديق القلبي،إن كان صاحبه صحيحاً قادراً.قال الله تعالى:” قولوا آمنا”(البقرة: 136).وفي الحديث:” أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله” .أخرجه البخاري.

21-أنا مؤمن إن شاء الله:هذا قولُ بعض العلماء ، والعبارة لا تلزم المشيئة لكنها مستحبة ،وهي للتبرك،وقيل القصد من المشيئة في العبارة ،حتى لا يخل ببعض الإيمان.

والعبرة بالعمل والمداومة على الطاعة. قال الله تعالى:” لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللهُ آمنين”(الفتح:27) .

22-الفِسق يُزيل اسم الإيمان: هذا قول المعتزلة والخوارج ،وهو خِلاف الراجح. فالفاسق مؤمنٌ عاصٍ.وفي الحديث” من قال لا إله إلا الله نفعتهُ يوماً من دهره،يُصيبه قبل ذلك ما أصابه ” .أخرجه ابن حبان بإسناد صحيح.

23-القاتل قَطع بقتلهِ إنساناً أجل المقتول، ولو لم يقتله لعاش أكثر من ذلك. هذا قول المعتزلة ،وهو يخالف ظاهر القرآن.” فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”(الأعراف:34).

24-الكرامات لا أصل لها: هذا قول المعتزلة، وقد أنكر أبو إسحاق الاسفراييني (ت: 418هـ )رحمه الله تعالى ، ما كان معجزةً لنبي،كإحياء الموتى وقلب العصا حية وفلق البحر.فلا يخلط بينهما . وقال إن الكرامات الصحيحة مثل: إجابة دعوة وموافاة ماء في فلاة، مما هو أقلُّ من خرق العادات. ولم يُنكر الاسفراييني الكرامات كلية ًكما يُشاع عنه.

واعتقاد السلف الصالح : أن الكرامات حق وصدق. قال الله تعالى:” فانقلبوا بنعمةٍ من الله”( ال عمران: 174 ). وفي الحديث القدسي :” من عادى لي ولياً فقد آذنتهُ بالحرب” أخرجه البخاري.

25- القول بتكفير المخالف: هذا تنظير غلاة التكفير،عياذاً بالله تعالى،من بعض الفرق المنتسبة للإسلام،ومن بعض المثقفين في هذا العصر .والأصل عند السلف أن المؤمن لا يُكفَّر إلا بناقض من نواقض الإسلام وقيام الحجة عليه،واستحلاله للمعصية ،ولذلك شروط وضوابط دقيقة جداً. وفي الحديث: ” لا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن” أخرجه أحمد في مسنده بإسناد صحيح.

26-يجوز الخروج على الحاكم: هذا قول المعتزلة ،وقول بعض المثقفين في هذا العصر .وهو قول فاسد وباطل،فلا يجوز الخروجُ على الحاكم إلا إذا فَعل أمراً فيه كفرٌ بواح .ويكون ذلك بفتوى من العلماء وليس من العامة . والخروج على الحاكم فيه من المفاسد وخراب الدِّيار والأموال ما لا ينُكره إلا ضعيف العقل والدِّين. نسأل الله العافية .

27-تنصيب الإمام : قالت المعتزلة إن تنصيب الإمام بين الناس للقيام بمصالحهم أمرٌ واجب بالعقل. وقالت الخوارج إنه لا يجب،وقالت الإمامية إنه واجب على الله تعالى. وقال بعض أهل السُّنة: يمتنع تنصيب المفضول مع وجود الفاضل. وكل هذه الأقوال مرجوحة.والراجح أن الوجوب بالشرع ،ويكون اختيار الإمام بالشورى ،أو بغلبته مع صلاحه وتقواه ونفعه للناس.

28-الاجسام لا تعود ولا تُحشر يوم القيامة: هذا قول الفلاسقة، وزعموا أن الحشر للأرواح فقط،ومذهبهم باطل. قال الله تعالى:” كم بدأكم تعودون”(الأعراف:29).

29-الميزان يوم القيامة هو العدل: هذا قول المعتزلة،وهو قول باطل .وقد أنكروا ظاهر القرآن العظيم :” ونضعُ الموازينَ القِسط ليوم القيامة”(الأنبياء:47).

30-الجنة والنار تُخلقان يوم الجزاء،ولا وجود لهما الآن: هذا قول المعتزلة ،وهو قول باطل.لحديث:” رأيتُ عمرو بن لحي يجر قصبه في النار” .متفق عليه .

31-الانتساب إلى أبي الحسن الأشعري(ت: 270ه)رحمه الله تعالى واجب:

هذا قولُ بعض الطوائف المعاصرة،وهو قول مجمل. فقد بقي عند أبي الحسن مع فضله وجلالة قدره ،بعضُ مسائل المعتزلة،كدليل الجواهر والأعراض،وقد خالفَ السلف وأهلَ الحديث في صفات الأفعال،وفي أفعال العباد،فقال بالكسب،ووهم في القول بأن التحسين والتقبيح شرعيان فقط،وقوله في الرؤية: أشبه شي بالعلم يُقذف في القلوب.

فلا يصح أن يوصف بالإمامة في السُّنة مطلقاً ،وقد كان معتزلياً ثم تاب وبقيت عنده شوائب.ثم إن السُّنة عند المتأخرين يُقصد بها من ردَّ على المعتزلة وناظرهم وأفحمهم.ويقال لأتباعه المعاصرين : إن الإنتساب إلى أحمد أو الشافعي في أمور السُّنة والعمل ،أجدر وأبرأ في الذِّمة من الانتساب إلى أبي الحسن الأشعري،رحمهم الله حميعاً .

32-طريقة ابن عربي الطائي معظَّمة في النفوس: هذا قول الصوفية وبعض الفلاسفة، وهو قول باطل،وقد انخدع به أهل الدروشة وبعضُ الزهاد . وبعض المثقفين في هذا العصر نافحوا عنه ،لأن قلوبهم تستروح لآرائه ،والتحقيق أن الرجل فاسد المعتقد ،عياذاً بالله تعالى ،لا يشك في ذلك من عنده علم بالقرآن والسُّنة واعتقاد السلف.وقد صدرت في حقه فتاوى من كبار العلماء والقضاة في زمنه.

33-أول واجب على المكلَّف النظر: هذا قول المتكلمين،ومنهم الاسفراييني(ت: 418هـ )وقيل: أول النظر،وهذا قول الباقلاني(ت: 402هـ )وقيل: القصد إلى النظر،وهذا قول ابن فورك(ت: 406هـ)والجويني(ت: 478هـ)،وقيل: الشك ،وهذا قول الفلاسفة ،وقيل غير ذلك.وكل الأقوال باطلة.

والصحيح عند الجمهور: أول واجب معرفة الله تعالى،والنطق والعمل بالشهادتين.وهي أدلة توحيد الله تعالى والأمر بعبادته والإخلاص إليه .

34-الصوفية هم أقرب الناس إلى الله: هذا قول مبهم ، ويترنَّم به من ينتسب إليهم أو ينتفع من ورائهم .فالصوفية فيهم المخلصون وفيهم المفسدون. والتحقيق أنهم ثلاثة أصناف: صوفية الحقائق وصوفية الأرزاق وصوفية الرسم. فصوفية الحقائق هم أهل التقوى والصبر والشكر.وصوفية الأرزاق هم أهل الزهد الضعفاء المقصرون في العمل والطاعة . وصوفية الرسم هم من زعموا أنهم صوفية رياءاً وسمعة مع بُعدٍ عن حقيقة التصوف.

35-العبد خالقٌ لفعله: هذا قول المعتزلة،وقالت الجبرية: لا فعل للعبد أصلاً،وهو كالسِّكين في يد القاطع.وهذان القولان باطلان وفاسدان.فكل ما في الوجود من خير وشر،فبقدرة الله تعالى وإرادته،والعبد يُثاب ويعاقب على كسبه واختياره. قال الله تعالى:” والله خلَقكم وما تعملون”(الصافات:96).وقال سبحانه:” جزاء بما كانوا يكسبون”(التوبة:95).ففعل العبد مخلوق لله،مكتسب للعبد بقدرة خلقها الله تعالى له،تصلح للكسب.

36-التوحيد يقوم على إنكار الصفات: هذا قول المعتزلة،وأضافوا إلى ذلك : القول بخلق القرآن وإنكار رؤية الله تعالى في الآخرة. ومذهب أهل السُّنة والجماعة أن التوحيد يقوم على إثبات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل. وكلام الله تعالى منزَّل غير مخلوق،ورؤية الله تعالى في الآخرة ثابتة للمؤمنين.

37-يجب على الله تعالى أن يفعل ما وعد به وما توعَّد عليه:هذا قول المعتزلة وهو باطل.واعتقاد السلف أن الله تعالى يفي وعده صدقاً وكرماً منه،وأنه قد لا يُعاقب العاصي تكرماً وإحساناً منه.

38-صاحب الكبيرة ليس بمؤمن ولا بمسلم،وليس بكافر ولا بمنافق،فهو فاسق: هذا قولُ المعتزلة وبعض المتكلمين. واعتقاد السلف أن مرتكب الكبيرة فاسق،وهذا الفسق لا يُخرجه من الإسلام ولا يخلَّد في النار،وحُكمه إلى الله تعالى،إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له .

39-العقل يُدرك الحسن والقبح ،ويترتب على ذلك الثواب والعقاب في الشرع: هذا قولُ المعتزلة وبعض المتكلمين وبعض المثقفين المعاصرين. واعتقاد السلف أن العقل يُدرك الحسن والقبح،أما الثواب والعقاب فهما موقوفان على ورود الشرع.

40-المباح مأمور به شرعاً: هذا قولُ بعض المتكلمين وبعض المثقفين المعاصرين. واعتقاد السلف أن المباح ليس بواجب شرعاً لكونه مأذونا ًفيه ومخيراً بين فعله وتركه من غير إشعار بثواب على الفعل أو عقاب على الترك،ولو كان واجباً لعوقب على تركه.

41-الإجماع ليس بحجة : هذا قولُ بعض المتكلمين والمثقفين المعاصرين.وحجتهم جواز وقوع الخطأ من الأمة، فيمتنع صحة الإجماع حينئذ . والذي عليه اعتقاد سلف الأمة أن الإجماع حجة شرعية،وهذه الأمة معصومة من الضلال،فتكون كلمتهم حجة قاطعة .

42-لا يحسن نسخ الشرائع شرعاً : هذا قولُ بعض المتكلمين ،لأن ذلك عندهم يُفضي إلى البداء وهو الجهل.والذي عليه اعتقاد السلف جواز النسخ وصحته شرعا ًوعقلاً. وقد حصل الإجماع بذلك.

43-لا يجوز نسخ العبادة قبل التمكن: هذا قول بعض المتكلِّمين،وعلة ذلك عندهم أنه أمر بما لا فائدة منه وهو عبث،وهذا القول مرجوح، والحق جواز نسخ العبادة قبل التمكن من فعلها،إذ لا يلزم منه العبث ،لكون المصلحة متحقِّقة وهي الإبتلاء والاختبار.

44-لا يجوز أن يأمر الله تعالى المكلَّف بما يَعلم أنه لا يمكن فعله والقيام به، لاستحالة وقوع العمل. هذا قولُ بعض المتكلِّمين والفلاسفة. والذي عليه اعتقاد السلف جواز ذلك،لأنه تكليف تظهر منه حقيقة المكلَّف على الامتثال أو عدمه،كما قال الله تعالى:” وهديناهُ النَّجدين”( البلد:10 ).

45-الأمر بالشي ليس نهياً عن ضده: هذا قول المعتزلة وبعض المثقفين المعاصرين،وقصدهم من هذا أنه يُفضي إلى أن يسمى الأمر نهياً على الحقيقة. والراجح أن الأمر بالشي نهي عن ضده، بطريق المعنى لا بطريق الصيغة.

46-النهي لا يقتضي الفساد: هذا قولُ بعض المتكلمين وبعض المثقفين المعاصرين. وقد عمَّموا هذا القول في العبادات والمعاملات. والراجح عند الجمهور أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات والمعاملات،لأن كل ما نهى الله عنه وحرَّمه في بعض الأحوال وأباحه في حال أخرى، إنما كان لمصلحة فيما أباحه أولًا ولمفسدةٍ فيما حرَّمه ثانياً.وإلا فإن الحرام لا يكون صحيحاً نافذاً كالحلال،بحيث يترتب عليه الحكم كما يترتب على الحلال ويحصل به المقصود كما يحصل به.

47-الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبَّداً بالاجتهاد في شي من الشرعيات: هذا قول بعض المتكلمين وبعض المثقفين المعاصرين.

وحجتهم أن الله تعالى نفى عن رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينطق عن الهوى. والراجح عند الجمهور جواز تعبد النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد في الحوادث التي لم يرد بها نص،لأنه إن كان المانعون من ذلك قد منعوه خشية أن يجتهد النبي صلى الله عليه وسلم فيخطىء،فليس الخطأ في الاجتهاد من الخطأ الذي يتنزَّه عنه منصب النبوة ،حتى يقال بعدم جواز تعبده بذلك. وإن كان منعهم من ذلك حرصاً على حماية مصالح المكلَّف وصوناً له من الوقوع في المفسدة،فإن ذلك مردود بأن اجتهاده صلى الله عليه وسلم، محروس بعناية الله تعالى عن الخطأ والزلل.

48-المخطىءُ في اجتهاده آثم: هذا قولُ بعض المتكلمين وقول بعض المثقفين في هذا العصر،وهو قول مرجوح. والذي عليه اعتقاد السلف: أن الإثم مرفوع عن المجتهد المخطىء إذا اجتهد في أحكام الفروع الني ليس عليها دليل قاطع من نص أو إجماع،وأنه مأجورٌ على اجتهاده ،لما بذله من جهد واستفراغ وسع.

49-يجوز للمجتهد الاكتفاء بترجيح مذهبٍ على مذهب من غير تمسُّك بما يستقل دليلاً: هذا قول المعتزلة ، وقول بعض المثقفين في هذا العصر . وحجتهم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكتفون في تفاوضهم بمسالك الترجيحات دون أن يمهِّدوا أدلة مستقلة،وقد أمرنا الله باتباعهم.

والذي عليه اعتقاد السلف: عدم جواز الترجيح بلا دليل،حتى لا يكون البحث في المسائل على سبيل التشهِّي والهوى.

50-لا يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشريعة،بل يجب عليه النظر وطلب الدليل: هذا قولُ بعض المتكلِّمين وبعض المثقفين في هذا العصر.

وحجتهم أن العامي لا يأمن أن يكون من قلَّده لم ينصح في الاجتهاد ،فيكون فاعلاً لمفسدة.

والراجح عند الجمهور أنه يجب على العامي تقليد المجتهد في فروع الشريعة،وذلك لعجزه وعدم تمكنه من معرفة الحكم بدليله،إذ أنه فاقد لأهلية الاجتهاد.

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

1442/5/4