خامساً : طلبُ المِثال لكل مسألة لها شأن:

هذا تنبيه مهم جداً شدَّد في الحرص عليه العلامة القنوجي رحمه الله تعالى،كما في مؤلفاته :” عون الباري في حلِّ أدلة البخاري”(1/13- وما بعدها) ،و”هداية السائل إلى أدلة المسائِل”(ص/60-وما بعدها)و” حصول المأمول” في مواضع كثيرة منه .

فالمثال هو الصورة الذي بُنيت على دليلها المسألة ،أو تم استنباط الحُكم من هيئتها.  

فكل مسألة ضرورية ولها شأن عند العمل بها ،فيُطلب مثال لتقريبها وفهمها.

وقد كتب عُمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما كتاباً ،عندما تولى القضاء وفيه:”ثم الفهم الفهم فيما أُولي إليك مما ورد إليك..ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال”وهو أثرٌ صحيح خرَّجه أصحاب السُّنن.

فَيُستفاد من نصيحة عمر رضي الله عنه، أن الفهم ضروري للمسائل الشرعية.والمسألة التي لا تُفهم فإن تصورها في الذهن يكون مغلوطاً لا يستقيم في الُّلب ولا في النظر الصحيح.

والمثال إنما هو لتقريب أصل المسألة،وأهم ما في المبحث خمسة:

 معنى المسألة ،دليلها، قاعدتها، مثالها، ثمرتها.فاحفظ هذا فإنه نفيس جداً.

والتمثيل عند الأصوليِّين أحد أنواع الحُجج العقلية ،وهي ثلاثة أنواع:

القياس والاستقراء والتمثيل.وقد فصل الكلام حول الحُجج العقلية ابن جزي(ت:741هـ ) رحمه الله تعالى،كما في “تقريب الوصول “،فلتراجع.

فالحُجج العقلية يمكن الإفادة منها في معرفة كيفية مراجعة المسائل وفهم الدلائل وتلخيص المباحث.

والمثال لا يُعترض عليه على وجه العموم،لأن تقدير صحته على سبيل الفرض والإحتمال ،كما قال العلوي (ت: 1233هـ )رحمه الله تعالى :

والشأن لا يُعترض المثالُ… إذ قد كفى الفرض والإحتمال

لكن إن كان المثالُ دليلاً من الكتاب أو السُّنة ،فإنما يصح اعتراضه إذا كان الدليلُ منسوخاً أو في سنده مقال.

لكن المثال الذي لا يكون نصاً،فإنه لا يُعترض إلا في القليل النادر للسبب المذكور آنفاً.

أما طريقة استخراج المثال فتكون بست طرق:

الأول:القياس ،ويكون بإلحاق أمر بآخر لعلة جامعة بينهما ،وغايته استنباط حكم أغلبي من دليله.كقول الله تعالى: “إن مثل عيسى عند الله كمثلِ آدم خَلقه من تُرابٍ”( آل عمران: 59).

فيكون المثال :عيسى مِثلُ آدم في أصل خِلقته.

الثاني: البِناء على قاعدة المسألة.فمن القواعد الأصولية: (وقوع المجاز في السُّنة).فيبنى عليها أمثلة كثيرة ،لبيان ما ورد في النُّصوص الصحيحة مثل : ” إن وجدناه بحراً” وهو في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه.

ففي الحديث ما يدلُّ على المشي الحَسن والشجاعة والهِمة العالية.

فيبنى على هذه القاعدة جواز وقوع المجاز في السُّنة ،ما عدا نصوص الصفات لله تعالى ،فإنه لا يجوز أن تكون مجازاً،كما قررَّه المحققون من أهل العلم.

ولهذا البناء أدلة محكمة من الوحيين وأقوال السلف،وليس هذا محلُّ بسطها.

الثالث:التعويل على الترجيح العام.كمن يُمثِّل بمثال الناقل عن حكم الأصل ،ولا يمثل بمثال المبقي على حكم الأصل.ودليلا المسألة الحديث المرفوع: ” من مسَّ ذكره فليتوضأ” أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، مع حديث : ” إنما هو بُضعة منك “أخرجه أبو داود بإسناد صحيح .ويسمى هذا عند الأصوليين بالترجيح بأمر خارجي.

فيكون التمثيل بالدليل الراجح عند أهل العلم أو أكثرهم ،وهم الجمهور.

وهذه المسألة الفقهية جوابها في كتب الفِقه ،لكن بالضوابط الأصولية المعتبرة.

الرابع:التمثيل بالدليل نفسه. وهذا من أقوى الأنواع إن كان الدليل حجة بمتنه وسنده،وليس هناك ما يردُّه أو يضعفه.مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ” .فيكون المثال: النهي يقتضي الفساد وحديثه ونصه كذا.

الخامس: التأسِّيس على القاعدة:وهذا يكون بفهم القاعدة وأثرها ودلالتها.مثل قاعدة: (دلالة النَّهي أقوى من دلالة الأمر).فيكون مثالها هو عبارتها: دلالة النهي أقوى من دلالة الأمر ،وهي قاعدة ومثال مؤسَّسان على قول الرسول صلى الله عليه وسلم:”إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم،وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه” أخرجه البخاري في صحيحه.

السادس :التقليد نقلاً عن اجماع الأصوليين :ويكون بنقل المثال الذي سطَّره العلماء وتم نشره في الكتب وراج في الدروس والمعاهد.ولا بأس في ذلك إذا كان محرِّره من أهل العلم المعروفين بالتأصيل والفهم،وتم التوثق من النقل والعزو إليهم.

والمقصود مما تقدَّم أن يكون الباحث أو الطالب مُلاصقاً لهذا العلم ومتشبثاً بأكمامه وأدلته ومسائله،وقد قال العلامة أحمد بن قاسم العبادي(ت: 992هـ ) رحمه الله تعالى : “التمثيل كثيراً ما يتُسامح فيه،لأن المقصود به الإيضاح” .انظر: “الآيات البينات”(4/253 ).

وهناك فرق بين المثال والشاهد .فالمثال يذكرونه لإيضاح القاعدة ، والشاهد يُذكر لإثبات القاعدة وتقريرها ، وقد قال العلامة أحمد بن عبد اللطيف الجاوي(ت:1306هـ ) رحمه الله تعالى، تعليقاً على قول المحلي في “شرح الورقات “عن الأدلة التفصيلية : ” فليست من أصول الفقه وإن ذُكر بعضها في كتبه تمثيلاً ”  : ” قوله : ” تمثيلاً ” أي : لأجل تمثيل القواعد بها ، ولأجل إيضاحها ، لا لكونها منها ، والمثال جزئي يذكر لإيضاح القواعد ، بخلاف الشاهد فإنه جزئي يذكر لإثبات القواعد “.انظر:” حاشية النفحات على الورقات”(ص/34).

والتمثيل للمسائل أو ايراد الشواهد لها أو الإستنباط من الأدلة يجب أن يكون بضابط الفهم الصحيح بالرجوع إلى أهل العلم الراسخين ،بدون اعجاب بالنفس أو تعالي على الحق. عن الشعبي قال،قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : “إني قد رأيت في الكلالة رأياً،فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له،وإن يكن خطأ فمني والشيطان،والله منه بريء،إن الكلالة ما خلا الولد والوالد”.أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار.

ومن أراد تقوية ملَكة معرفة الأمثلة الأصولية فليكثر من النظر في كتب السُّنن والمرويات ،وهي كثيرة وموعبة.ويقرأ قبلها شرحا أصولياً مختصراً على مذهب أهل السُّنة والجماعة مثل شرح الطوفي على مختصر الروضة ،فإنه نفيس جدا ً،ولا يخلو من بعض الملاحظات الأصولية اليسيرة في بعض مباحثه.

وقد روى ابن بطة(ت: 387هـ ) رحمه الله تعالى في كتابه:” الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية” : أن عبد الله بن الزبير قال : لقيني ناس من أهل العراق فخاصموني في القرآن ،فوالله ما استطعت بعض الرد عليهم ،وهبت المراجعة في القرآن،فشكوت ذلك إلى أبي الزبير،فقال الزبير: “إن القرآن قد قرأه كل قوم فتأولوه على أهوائهم ،وأخطأوا مواضعه ،فإن رجعوا إليك فخاصِمهم بُّسنن أبي بكر وعمر رحمهما الله تعالى ،فإنهم لا يجحدون أنهما أعلم بالقرآن منهم، فلما رجعوا،فخاصمتهم بسنن أبي بكر وعمر فوالله ما قاموا معي ولا قعدوا”.

أما متى يكون المثال باطلاً أو مردوداً،فمحل ُّذلك إذا اختلت شروط الصحة فيه ووضعت قاعدته على مسائل لا تتعلق به،فيكون البناء معكوسا وبعيدا ،فلا تقبله العقول ولا تستلذه الأنفس.

وهذه بعض الصور التي قُلبت أمثلتها إلى غير مكانها الصحيح ،وبيان الصواب فيها مع توضيح أسباب ذلك :

1-وضع اليدين قبل الركبتين ،مثال على نسخ السُّنة بالسُّنة. والصواب أنه مثال على تعارض القول والفعل.كما في حديث وائل بن حُجر وحديث أبي هريرة رضي الله عنهما.

2-استحباب الذهاب إلى العيد من طريق والعودة من طريق آخر.مثال على إقرار النبي صلى الله عليه وسلم ،والصواب أنه مثال على تغليب جانب العبادة على العادة،من فعله صلى الله عليه وسلم.

3-النهي عن الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة،مثال على مجيء النفي في معنى النهي.والصواب أن النهي هنا يقصد به التحريم بقصد الزجر.

4-العبد إذا تلف فإنه يلحق بالبهيمة لأنه أقرب شبهاً بها من حيث إنه يبُاع ويورث ويوقف.مثال على قياس العِلة. والصواب أنه مثال على قِياس الشبه.

(مثال العبد :تأصيل من العلماء لطلابهم،لأن العبيد كان لهم سوق وحراج يعرفه القاصي والداني،فهذا غير مُستنكر،والقصد منه تقريب المعنى).

5-التشهد في الصلاة سنة مؤكدة،لحديث: ” قولوا التحيات لله”،مثال على أن الأمر للندب في هذا الحديث .والصواب أن الأمر هنا للوجوب،لأن التشهد من الواجبات وليس من المندوبات.

وأسباب الخطأ في وضع المثال موضعه الصحيح خمسة :

1-عدم فهم المراد بحدِّ المسألة. كالخلط بين الدليل نفسه وهو ما يُمكن التوصل بصحيح النظر فيه الى مطلوب خبري،وبين دليل الخِطاب وهو مفهوم المخالفة ،ويقال عنه: المفهوم ،ويعرف بأنه اثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه.فالأول وهو الدليل يكون قطعياً أو ظنياً،ودليل الخِطاب نوع من أنواع المفهوم.والمراد أنه ليس كل ما يسمى دليلا فإنه يستدل به،بل يلزم التوثق من دلالته وحجيته وقطعيته في امضاء الحكم.

2-الغفلة عن معنى القاعدة وتنزيل معاني لا تليق بها.كالخلط بين قاعدة لا اجتهاد مع النص ،وقاعدة يُعذر المجتهد في الفروع والأصول.فالصحيح أن الأولى لضبط الإجتهاد،والثانية لبيان عذر المجتهد إذا استفرغ وسعه في اجتهاده.

3-الإستنباط من النص من غير قول راجح.كمن يستدل بحديث:” ألا سألوا إذ لم يعلموا،فإنما شفاء العِيِّ السؤال ؟” .أخرجه أبو داود بإسناد صحيح،على أن قول العوام معتبر في مسائل الفقه،وهو قول للباقلاني (ت: 402هـ ) عفى الله تعالى عنه ،ولبعض المتكلمين ،والصحيح العكس.فالمعتبر قول المجتهدين فحسب.

4-نقل أمثلة أهل الشُّبه وأهل البدع،أو نقل أمثلة المتعالمين غير الراسخين، وهذا ظاهر ومحسوس في وقتنا المعاصر وفي الأزمان المتقدِّمة ،مثل الفرق الضالة والمضلة والمنحرفة،وكذلك الدجالين والمتاجرين بالدِّين، وهي كثيرة جداً،كالتمثيل بالجائز العقلي أن يد الرفاعي صافحت يد الرسول صلى الله عليه وسلم في اليقظة!.وقصة الرفاعي هذه مكذوبة أبطلها عبد الله الغماري الحسني(ت: 1413هـ) ،وفنَّدها بتفنيدٍ جيد،في كتابه ” النقد المُبرم “،والغماري من مشاهير صوفية عصره.

5-اهمال المراجعة وعدم استذكار المسائِل وربط بعضها ببعض.وثمرة هذا وقوع الخلط وحصول الإلتباس بين المعاني والمصطلحات ،فتكون الأمثلة غير صحيحة وغير دقيقة.

والمقصود أن المصنفات الغنية بالأمثلة الأصولية هي: الشروح الفقهية والشروح الحديثية وكتب الأصول الأصيلة،أي المؤلفات العتيقة ،لأنها تربِّي المَلكة الأصولية وتقوِّيها.

وفي مؤلفات ابن تيمية وابن القيم وابن دقيق العيد رحمهم الله تعالى، ثروة وافرة من هذه الأمثلة .

وقد أفضت الكلامَ حول هذه الجزئية في كتابين من مؤلَّفاتي وهما : ” الخريطة الأصولية “و” المدخل إلى المَلكة الأصولية” ،وهما منشوران ولله الحمد.

سادساً: العمل بعلم الأصول حتى لا يكون متحفِّزا للأُفول:

والعمل يكون بفهم مسائل الفقه وأحكام الأدلة ومعرفة ثمرات مباحث الأصول وفوائدها.ومنهج ذلك أن يكون العلم والعمل من خلال قاعدة الأحاديث النبوية الصحيحة عند عُلماء الفن.

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”لقد تركتم على البيضاء” أخرجه ابن ماجة بإسناد صحيح،يُستفاد منه وجوب الإخلاص والحذر من الإبتداع في دين الله تعالى،ووجوب التمسُّك بالسُّنة والجهاد النفسي المعنوي من أجلها،وفي الحديث دلالة على قاعدة (ترك العمل مع قيام المقتضي وانتفاء الموانع: تشريع بالمنع)ومثال هذه القاعدة: الأذان والإقامة للعيدين ،وزكاة الخيل .

وعلى هذه الجادة يمكن مُطالعة ثلثي الأحاديث الصحيحة واكتساب ملَكة الأُصول والعمل بالأدلة مع تزكية النفس وتهذيبها.

وإنني أُوصي من عنده هِمة عالية للعمل بالأصول ،أن يلُازم مُعلماً حاذقاً في علم الأصول ،ليكتسب هذه المنهجية على يديه من خِلال كتاب فقهي أو حديثي،بشرط أن يكون قد فرغ من فهم شرح متوسِّط من كتب الأصول.

نسأل الله أن ينفع بهذا الصفحات المباركات ،وأن يجعلها خالصة لوجه الكريم،وأن يجعلها سبباً للعتق من النيران والفوز بأعلى فراديس الجنان،آمين.

انتهى الدرس الثالث ،وهو خاتمة هذه السِّلسلة عن القنوجي رحمه الله تعالى.

هذا ما تيسر تحريره، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

1441/7/22