توقفنا في الدرس الفارط ِعند تمام الأخطاء المِئة ، التي يُحتمل وقوعها عند البحث والدِّراسة والمناقشة للمسائل الأُصولية.

الثاني عشر:كيف نستثمر المَلَكة الأُصولية ؟ :

المقصود باستثمار المَلكة الُأصولية: ترقيتُها وتنميتُها والإفادة من رصيدها العلمي والعملي في شؤون الدِّين والحياة.

وقد طبَّق العلَّامة القرافي(ت:684هـ ) رحمه الله تعالى ،هذا الإستثمار وعلَّمه للناس تعليماً عملياً في مصنفاته النافعة المحرَّرة. فقد صنَّف عشرين كتاباً في الأصول والفقه ،استثمر فيها هذا العِلم بمسائله وفوائده وتخريجاته، وهو عالِم متمكِّن في الفِقه والأُصول والعربية.

ومن أراد أن يتثبَّت من هذا الإستثمار فليطالع كتابين من كتبه هما : تنقيح الفصول في علم الأصول، وأنوار البروق في أنواء الفروق. والكتاب الثاني مشهور جداً باسم كتاب الفروق.

فمن تأمل هذين الكتابين سيجد من العلم والتأصيل والإستثمار لعلم الأصول ما يُدهشه من إمامة القرافي في العلم والتحرير والتقعيد وطول الباع في إتقانه للمسائل والدلائل.

واستثمار المَلَكة الأُصولية يكون بثلاث وسائل:

الأولى: عن طريق اكتساب الخِبرة والدُّربة من مناهج الأُصوليين.

الثانية: عن طريق الإفادة من الأدلة العقلية في الدرس الأصولي.

الثالثة: عن طريق توظيف الأدلة والنصوص لفهم مناسباتها.

ومن أعرض عن هذه الوسائل فستضعف مَلكته وتبقى جامدة ، وهذا مُلاحظ عند بعض أهل الفتوى وطلاب العلم ،ممن لم يستثمروا المَلَكة الأُصولية، والواقع يشهد بهذا ويُصدِّقه.

أ : اكتساب الخِبرة والدُّربة من مناهج الأصوليين:

إذا أكمل الباحثُ أو الطالبُ دراسة الأُصول دراسة متأنية وفَهم مقاصدها وعقل معانيها وعمل بما تقتضيه ،تعبُّدا وسلوكاً وتزكية ، فإنه ينُدب له أن يكتسب الخِبرة والدُّربة من مناهج الأصوليين ،ويكون ذلك بخمسة أسباب:

1-ينظر إلى أحبِّ الأصوليين إلى قلبه من أهل السنة والجماعة،  ولنضرب على ذلك مثالاً بالطوفي (ت: 716هـ )رحمه الله تعالى، وهذا  الأُصولي حنبليُّ ،وعليه مآخذ يسيرة ،لكنه ضليع في الأصول والعلوم العقلية.

ويجب التنبيه هنا أن مَن عليه مآخذ علمية أو منهجية أو زلات عقدية، لا يجوز نبذ الإفادة من علومه ومصنَّفاته، بل يُؤخذُ أحسن ما عنده ويُنبَّه على ما تضمَّنته مصنفاته أو منهجه من زلل.

فيبدأ الباحث أو الطالب بالتأمل كيف درس ذلك الأصوليُّ ؟وكيف بحث العلوم ؟وكيف صنَّف ؟وما هي موضوعات مصَّنفاته؟ وما هي منهجيته في طرح المسائل وكيف يتناولها ،من أول المسألة إلى آخرها ؟.

ومما يُعين على ذلك مطالعة كتابين أو ثلاثة عن منهج الطوفي في الأُصول ،ومنهجه في المناقشة ،ومنهجه في الردِّ على المخالفين.

2-يتلمَّس الجوانب الإيجابية عند هذا الأصولي ،سواء كانت في عَرض الشُّبه وتفنيدها ،أو في تقرير مسائل الشرع الموافقة لمنهج السلف الصالح ،أو في منهجية الإستدلال بالأدلة المتفق عليها والمختلف فيها عند الأصوليين.

3-يتأمل مسألة من المسائل الأصولية والعقدية التي ناقشها هذا الأصولي في أحد مصَّنفاته ، فيقوم بمراجعتها في مظانها من المصادر ، ليستفيد من الوقوف على مواطن القوة والضعف في عرض هذه المسألة عند أهل العلم ،وترجيح الجمهور لها ووجه الترجيح فيها.

4-يتدبر أسلوب المصنِّف الأصولي وتناوله للفقرات وحشده للجمل والعبارات، وما مستوى لغته ومفرداته ؟ ،وما طريقته في افتتاح المسألة وكيف ينهيها ؟،وهذه الجزئية – على أهمِّيتها -لم أر من نبَّه عليها من الأصوليين المعاصرين ،على كثرة مراجعتي ومطالعتي للمصنفات الأصولية، فليت باحثاً فطناً يتولَّى بحثها وكشف فوائد أساليب الأصوليين في الكتابة والمناقشة الأصولية، وما يتصل بذلك من عناية بالألفاظ والمعاني.

5-يلاحظ الترتيب المنطقي للمسائل والأدلة والأفكار العلمية ، سواء كانت في الإنشاء أو في الخبر أو في التعليل ،أو في التفنيد والردود والتعقُّب على المخالِف.

وفائدة هذا هو الترتيب العقلي الجدلي القائم على الإقناع وقوة التأثير في ذهن الدارس والباحث. وقد لاحظتُ هذا المسلك عند ابن دقيق العيد وابن القيم وابن بَرهان ومحمد الأمين الشنقيطي ،رحمهم الله تعالى ،وغيرهم من العلماء القدامى والمعاصرين.

ب: الإفادة من الأدلة العقلية في الدرس الأصولي:

عند الفراغ من دراسة شرح أو تعليق أصولي على متن، يمرُّ على الباحث والطالب عشرات الأمثلة والأدلة والأساليب العقلية التي تتقرَّر بها المسائل ، ويمكن استثمار ذلك بخمسة أسباب :

1-معرفة الأدلة العقلية الجائزة والممنوعة في البحث الأصولي، والإفادة منها في المناقشة والمذاكرة والمناظرة من أجل الوصول إلى الحق.

وقد استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم المسلك العقلي ،كما في المسند بسند صحيح ،أن هرقل كتب الى النبي صلى الله عليه وسلم: إنك تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين ،فأين النار؟فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” سبحان الله! أين الليل إذا جاء النهار؟”

ومما يُعين على ذلك مراجعة كتب الجدل والمناظرة وهي كثيرة جداً من أجودها عندي: الجدل على طريقة الفقهاء لابن عقيل البغدادي، والكافية في الجدل للجويني، وعلم الجَذل في علم الجدل للطوفي،وآداب البحث والمناظرة للشنقيطي. رحمهم الله تعالى.

2-فهم وتطبيق الأمثلة العقلية ومناط الأحكام فيها مثل:القياس والدلالات والإستصحاب.وهذا تنظير كثير من الأصوليين لحدِّ الأدلة العقلية.

فأما القياس فمعروف عند كثير من الطلبة في الغالب، وأما الدلالات فهي أن يعلم أن هذا الشي له حالة يلزم من العلم بها شيٌ آخر، فالأول هو الدال والثاني هو المدلول.والدلالات وضعية وعقلية وطبيعية ، وكل واحدة منها إما لفظية أو غير لفظية.

والدلالات المشهورة ثلاث: مطابقة وتضمُّن والتزام.

ومن الدلالات عند بعض الأصوليين: دلالة العبارة ودلالة الإشارة ودلالة النص.

والدلالة اللفظية إما منطوق وإما مفهوم.والمنطوق إما أن يكون صريحاً أو غير صريح، وغير الصريح ثلاثة: اقتضاء وإيماء وإشارة.

والمفهوم إما موافقة أو مخالفة.

وهذه الدلالات جميعا لها ضوابط وقواعد يجب التنبُّه لها ، ومن لم يستوعبها بقدرها الصحيح فلن تستقيم له فتوى في الغالب.

وقد وقع لابن حزم رحمه الله تعالى بسبب ذلك وقائع وأخبار كثيرة مع عُلماء عصره ومع مَن بعده ،مما جعل جمهور الفقهاء يخالفونه ويضعِّفون آرائه .

وفحوى الخِلاف هو عدم ضبطه لتلك القواعد ، فشذَّ في مسائل وتوسَّع في أخرى وبالغ في البعض.

ومن أراد ضبط هذه المسائل العقلية فليراجع روضة الناضر لابن قدامة ،وشرح البلبل للطوفي ،وقواطع الأدلة للسمعاني ،ودلالة الألفاظ على الأحكام عند الحنفية لشيخي عبد الكريم النملة ،فقد ضبطوها وحرَّروها تحريراً لا مزيد عليه ،رحمهم الله تعالى.

وقد استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم القياس في إثبات قدرة الرب تعالى كما في البخاري عن أنس : أن رجلا قال يا نبي الله، كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا ،قادرا على أن يُمشيه على وجهه يوم القيامة؟” قال قتادة:” بلى وعزة ربنا”.

3- مذاكرة البراهين المنطقية: فالبرهان عند المناطقة يُستخدم للدلالة على كل استدلال استعملت فيه أدوات المنطق ومسالكه ،للبرهنة على النتائج المتحصَّل عليها من مقدِّمات المنطق وقضاياه.  

ومن البرهان المنطقي النظر في الألفاظ سواء كانت مفردة أم مركبة جزئية أم كلية،لأن معرفة حقائق الأشياء يتوقف على اللفظ.

ومن البرهان استنتاج ما هو متضمَّن من المقدمات سواء أكان هذا الإستنتاج قياساً أو لزوماً أو أحكاماً لمبادى العقل ومبادىء التفكير الأساسية.

والقضايا العقلية إما صادقة أو كاذبة ،وكل قضية إما حملية وإما شرطية.

وكل قضية تتألف من محمول وموضوع أو من خبرٍ ومُخبر عنه ، والكلام لا يسمى قضية حتى يتم.

وهناك تقسيمات أخرى وتفريعات جميلة ،لمن أراد أن يفهم أنواع القضايا ويدقِّق في مسائلها.

والقضايا أربع : القضية المدرجة والقضية المترادفة والقضية المنطوية والقضايا العكسية.

واعلم أن الإسراف والإغراق في العناية بالأدلة العقلية ليس بمحمود،لأن الأدلة العقلية كالدواء إن بالغت في تعاطيه زادك عِلةً واضطراباً.

4-الإفادة من التجربة النقدية التطبيقية للأدلة العقلية عند العلامة ابن رشد (ت: 595هـ )رحمه الله تعالى في كتابه بداية المجتهد ، فقد أفاد وأجاد في هذا الباب إفادة وإجادة تامة، في تأصيل المسائل تأصيلاً أصولياً وفقهياً ونقد الأمثلة نقدا عقلياً ونقلياً.

ولا غرابة في ذلك فهو فقيهٌ منطقيٌّ.وعليه تعقبات كغيره من الفقهاء المنطقييِّن،ليس هذا محلُّ التنبيه عليها.

5-تتبع المصطلحات والحدود الأُصولية ودلالات الألفاظ التي يُمكن أن يستفاد منها دليل عقلي مثل : السبر والتقسيم وقياس الأولى والبراءة الأصلية وانفكاك الجهة والإستدلال. ويوجد توضيح وشرح مستفيض لها في المصنفات العقدية والأصولية.

ج: توظيف الأدلة والنصوص لفهم مناسباتها.

عند مطالعة أو مذاكرة متن أو شرح أصولي ،يمكن استثمار المَلكة الأصولية من خلال توظيف الأدلة والنصوص لفهم مناسباتها بما يلي:

1-معرفة الدليل ووجه الإستدلال ونوع الدلالة ومناسبة الدليل.

وقد ورد في الأثر :” صلَّى بنا رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يُجهر فيها بالقرآءة ،قال فالتبست عليه القرآءة فلما انصرف أقبل علينا بوجهه وقال: ” هل تقرءون إذا جهرتُ بالقراءة؟” ، فقال بعضنا إنا نصنع ذلك ،قال: ” فلا، وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن ؟،فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرتُ، إلا بأمِّ القرآن”.

أخرجه أبو داود بإسناد صحيح.

فهذا النص دليل ،ووجه الإستدلال به وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، إلا إذا كان إمامه يقرأ في صلاة جهرية. ومناسبة الدليل: الإستدلال به على مسألة صفة قرآءة المأموم مع إمامه.

والدلالة هنا دلالة صريحة وقطعية على الحكم.

والدلالات أنواع : فقد تكون دلالة قطعية أو دلالة ظنية ،وقد تكون دلالة صريحة أو غير صريحة.

وقد تكون دلالة مطابقة أو تضمن إو إلتزام.

وقد تكون الدلالة حقيقية أم مجازاً،وقد تكون عامة أو خاصة، مطلقة أو مقيدة.

وقد تكون الدلالة عبارة أو إشارة أو اقتضاءا . وقد تكون الدلالة من المنطوق أو من المفهوم؟.

2- مراجعة المصنفات التي اعتنت بهذا الجانب مثل:”أعلام الموقعين لابن القيم، و ” الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية” للطوفي، و”شرح الكوكب المنير”لابن النجار،و”تقويم الأدلة “للدبوسي ،و”شرح مختصر الروضة”للطوفي،وغاية الوصول شرح لُّبِّ الأصول” للأنصاري

،و”مذكرة الشنقيطي”.

فهذه المصنَّفات السبعة هي أنفع الكتب في ضبط الأدلة الأُصولية.

3-التدرُّب على أساليب الأصوليين المتمكِّنيين:وهذه تكون بالقراءة وتمرين الذِّهن على فهم القواعد والفروع في كتب التخريج الأصولي،وكذلك الإختبار الذاتي لمعرفة الرصيد المعرفي الأصولي وإمكانية تطبيقه على المسائل.

4-فهم الفتاوى المحرَّرة من الراسخين في العلم في قديم الزمان وحديثه، ففيها من فوائد الإستدلال والتطبيق ما لا يوجد في الكتب.

ومن عادة أهل الفتوى الراسخين أنهم يجمعون أدوات الإستنباط ويحرِّرونها في أجوبتهم في سطورٍ يسيرة، تدل على مهارة ودقه في الفهم وتقريب الأحكام.

5-تدريس أبواب الُأصول:وهذا لا يكون إلا بعد النضج التام لفهم المسائل وتأصيلها تأصيلاً صحيحاً ،مع سلامة المعتقد وفهم الأدلة، لأن هذه الوسيلة تُستخرج بها ما حصلته المَلكة وفهمه الذِّهن وارتاضت له القريحة.

 ومن طالع تراجم العلماء في القديم والحديث تبيَّن له سبب اقبالهم على التدريس حتى بعد الكِبَر وتقدُّم السِّن.

تمَّت هذه السِّلسلة المباركة بعون الله وفضله وتوفيقه، نسأل الله تعالى أن ينفع بها طلبة العلم والباحثين، والمطالعين والمتأمِّلين، ومحبِّي علم الأصول، في أنحاء المعمورة، وأن يجعلها حجةً لنا لا علينا، وبالله التوفيق.

هذا ما تيسر تحريره ،والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

1441/4/4