توقفنا في الدرس الفارط عِند سَرد جُزء من الأخطاء المِئة التي تقع عند دراسة المسائل الأُصولية ، وفي هذا الدرس نستكملُ تمام المِئة:

76-أهل البدع يتصرَّفون في الأسماء الشرعية فَيُغيِّرون معناها الذي ورد في النصوص والأدلة ،مثل تغييرهم لمعاني الإيمان والكفر والإحسان والملائكة بحسب ما يتفق مع أهوائهم .

وقد تصرَّفت المرجئة في اسم الإيمان فجعلوا المراد منه التصديق فقط ،مما أخرج العمل عندهم عن حقيقة الإيمان.

77-من الخطأ الاستدلال بأهل الُّلغة إذا كان للفظة الشرعية معنى مُعيَّن ومدلول محدَّد في نصوص الوحي.ومن أمثلة ذلك تحريف أهل البدع لمعاني الأسماء والصفات مثل النُّزول والقرب والكلام ،وصرفها عن حقيقتها الشرعية الواضحة ، بحجة أن أهل اللغة استعملوها في غير مراد أهل السُّنة والجماعة.

78-تحميلُ اللفظ المعيَّن ما لا يحتمل خطأٌ يقع فيه كثيرٌ من طلبة العلم وكثير من العوام ، مثل تسمية بعض الكحول بالمشروبات الغازية أو الروحية أو المقبِّلات الإنسانية ، ومثل التهاون في بعض أنواع القِمار والربا ،بحجة التسامح للمصلحة الدينية.

79-من الخطأ حَملُ المشرك اللفظي على معنىً واحدٍ وترك المعنى الآخر المحتمل ، مثل القُرء للحيض والطهر.

فالصوابُ أن يُحمل على المعنيين ليكون المعنى شاملاً  للمسائل المتشابهة بين الحيض والطُّهر ،كما فهم ذلك علماء الشريعة وحرَّروه في مصنفاتهم.

80-لا يجوز إنكار الترادف في اللغة، والترادف نوعان ترادف ذات وترادف تباين ،فهو موجود في الأسماء والأفعال والحروف.

لكن وجود الترادف في القرآن والسنة قليل. ويمكن الإفادة من الترادف في فهم الأسماء والصفات لله تعالى ،وفي فهم ألفاظ الأدعية.

81-حرف الواو لا يدلُّ على الترتيب فحسب ولا التعقيب ولا الجمع المطلق فحسب، بل هو لمطلق الجمع.وبناءاً عليه فهو يفيد المعاني السابقة كلها.مثال ذلك قول الله تعالى: “وادخلوا الباب سُجداً وقولوا حِطةٌ”( البقرة:58) وقوله:”وقولوا حِطةٌ وادخلوا الباب سجداًالأعراف:161).

82-دلالة الإقتران ليست على درجة واحدة من القوة عند الإستدلال بها، فتارة تكون ضعيفةً وتارة تكون قويةً وتارة يظهر التساوي.فمثال الضعف حديث أبي داود المرفوع : ” .. ولا يغتسل من الجنابة” ،عطفاً على ما قبلها . ومثال القوة حديث أحمد المرفوع : ” .. ويمسُّ من طِّيب إن وجد” عطفاً على ما قبلها.ومثال التساوي حديث ابن ماجة المرفوع: “كلوا واشربوا وتصدَّقوا”.

83-لا يجوز ترك الإستدلال بالدليل إن كان نصاً صريحاً في المسألة، مثل النص على وجوب الصلوات الخمس والنص على تحريم الخمر والنص على النهي عن أكل أموال اليتامى ،ونحوها من الأدلة الصريحة .

84-لا يجوز ترك القول الراجح أو المعنى الراجح في المسألة أو في نص الدليل ، بدعوى تأويله أو عدم العمل به إلا لدليل أقوى منه.

مثال ذلك ترجيح أنه لا عدد محدَّد لصحة صلاة الجمعة .

85-يجوز تأويلُ النص لكن بدليل قوي راجح ، لا بدليل بعيد مرجوح، مثال ذلك تأويل روايات عدم رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه ليلة الإسراء.فمن الصحابة من أثبتها ومنهم من نفاها ،لأن كلَّ فريقٍ منهم مُستمسك بتأويل سائغ.

86-لا يجوز الخوض في معنى المجمل إلا بقرينه قوية تُبيِّن معناه، فإن لم تكن قرينة فالتوقف أسلم وأحكم. مثال ذلك معنى حديث مسلم:” إذا قال الرجلُ هلكَ الناسُ فهو أهلكهم”. فالمعنى مُجمل لأن ضبط حركة الكاف إما أن تكون بالضمِّ أو بالفتح ،ولا بد من دليل آخر لزيادة البيان.

87-لا يحصل البيان بقوله صلى الله عليه وسلم فقط ، بل يكون البيانُ بالقول النبويِّ وبالفعل وبالكتابة وبالإشارة والإقرار والسُّكوت والترك النبويِّ.

88-لا يُشترط في البيان أن يفهمه جميع المكلَّفين في العهد النبوي. مثال ذلك تعجُّب الصحابة رضي الله عنهم من بعض الأحكام التي لم يعرفوها قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

كقصة عمر وأبي بكر رضي الله عنهما في قتال مانعي الزكاة ، وقصة فاطمة رضي الله عنها في طلبها لإرث والدها صلى الله عليه وسلم.

89-لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن ثمرة ذلك هي تكليف ما لا يُطاق.مثل تأخير بيان قتل الصبيان وكبار السِّن بعد بداية الأشهر الحرم إلى وقت لاحق.

90-أهل البدع يقولون لا صيغة للأمر ،لأن الكلام عندهم معنى قائم بالنفس مجرد عن الألفاظ والحروف.وأهل السُّنة والجماعة بخلاف ذلك. والدليل على بطلان زعم مذهب أهل البدع: أن مَن حلف لا يتكلَّم فحدَّث نفسه بشي دون أن ينطق بلسانه لا يحنث. والناس يُسمُّون الناطق متكلِّماً والمتوقِّفُ عن الكلام يُسمُّونه ساكتاً .

91-القول بأن النهي لا يقتضي الفساد قول ضعيف لا يُحتجُّ به. فالنهي يقتضي الفساد عند جماهير علماء الأمة، مثال ذلك النكاح بلا وليِّ ونكاح المشركة، فهذا منهيُّ عنه ويقتضي فساد العقد.

92-يجب العملُ بالنص الدالِّ على العموم ، وإذا وجد مُخصِّص ينُظر إلى صحته ، فإن صح وجب العمل به فوراً حتى ،ولو كان آحاداً.مثال ذلك قول الله تعالى:”وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله”(البقرة:197).

93-لا يجوز حمل المطلق على المقيَّد في حالتين : الأولى إذا ورد قيدان عكس بعضهما ،ولا وجود لمرجِّح بينهما، مثال ذلك تقيِّيد صوم الظِّهار بالتتابع وتقيِّيد صوم التمتع بالتفريق ،مع إطلاق صوم قضاء رمضان ، والحالة الثانية عند وجود قرينة مانعة مثل تأخير البيان عن وقت الحاجة.

94-بعض الباحثين في المسائل الأصولية يُفرِّقون بين مفهوم الموافقة وفحوى الخطاب ولحن الخطاب والقياس الجلي والتنبيه ،والصحيح أنها مترادفات لمعنىً واحد ،وهو ما وافق المسكوتُ عند المنطوق في الحُكم.مثال ذلك: تحريم ضرب الوالدين وتحريم حرق أموال اليتامى.

95-بعض الباحثين في الدراسات الأصولية يُفرِّقون بين مفهوم المخالفة ودليل الخطاب ، والصحيح أنهما مترادفان لمعنى واحد وهو ما خالف المسكوتُ عنه المنطوق في الحُكم،مثل عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة.

96-من الخطأ تقليد إمام أو شيخ بعينه في كل المسائل من غير بيِّنة، مثل من يقلِّد من يتتبَّع رخص مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى. بل الواجب تحرِّي الحق والصواب ولو من إمامٍ لا يَنتسب إليه.

97-لا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب مُعيَّن مشهور، لكن يلزمه معرفة الحق من الوحيين إن كان يقدر على ذلك ويستوعبه.وله أن يكثر من السُّؤال عن ما يُشكل عليه فهمه حتى يطمئن قلبه.

98-فهم المسائل الأصولية لا يتمُّ على منهج العلماء الراسخين إلا بطريقتين : الأولى : الاستيعاب في جرد مفردات المسألة العلمية، والثانية : نقد الأقوال الواردة في عموم المسألة. ويتفرَّع من ذلك الوقوف على دلائل المسائل القطعية والظنية ،ومعرفة موارد الخلاف، وتوقِّي سوء الفهم للنص القرآني أو النبوي، والنظر في تخلُّف الحُكم المانع أو ثبوته ومعرفة القرآئن وموجب العموم والتخصيص والمعارض ،وتأمل موجب القياس والاستصحاب. وهي تنتظم في المقدِّمات اليقينية التي أثبتها الوحي ، والحواس الخمس الصحيحة التي عليها مناط الفهم عند العقلاء .

99-لا يجوز حصر التخريج الأصولي في معنى التعليل أو الإستنباط ، بل الصحيح أنه يشمل الفروع الفقهية في المذهب وأصول الأئمة وفهم القواعد الأصولية إضافة إلى التعليل والإستنباط. وهذا لا يكون إلا بالإستقراء ومطالعة الفتاوى والتدبر لكتب المذاهب وأقوال المحققين وتفريعاتهم وتحقيقاتهم.

100- الإقتصار على المتون النثرية الأُصولية مع عدم النظر والمراجعة للمنظومات الأصولية خطأ فادح.

وعندي أن المَلكة الأُصولية تقوى وتتسع بالمنظومات أسرع من اتساعها بالمتون والمصنفات (بشرط فهم شرحها)، ومن جرَّب عرف.

وأهم المنظومات الُأصولية: نظم ابن حزم في أصول الظاهرية ،والنُّبذة الألفية للبِرماوي ،ومهيع الأصول لابن عاصم ،والكوكب الساطع للسُّيوطي ،وسُلَّم الأصول لابن مطير ،وتسهيل الطرقات للعمريطي ،ومنظومة الكواكبي ،وبغية الآمل للصنعاني ،ودرر الأصول لابن بونة ،ومراقي السُّعود للعلوي ،ونظم الورقات للكُنتي ،ونظم أصول مالك لابن أبي كف ،ونظم مختصار المنار للكوراني ،والبدر اللامع للأشموني ،وهداية الأصول للعبادي ،وسّلَّم الوصول للجزائري ،ورشف الشمول لابن بدران ،ووسيلة الوصول للحكمي ،والتحفة المرضية للأثيوبي ،ونظم مفتاح الوصول لابن الإمام ،ونظم الأُصول لابن مود الجكني ،والقلائد الجلية للفضفري. رحمهم الله تعالى أجمعين.

والكتب الأُصولية المهمة كثيرة جداً، ومع البحث والمدارسة تظهر أسماء المصنَّفات الأصولية الجيدة والنافعة ،ومنها:

الإبهاج في شرح المنهاج للسُّبكي ، الإشارة في معرفة الأصول للباجي ، الآيات البينَّات للعبَّادي ، البحر المحيط للزركشي، بدائع الفوائد لابن القيِّم ، البرهان في علوم القرآن للزركشي ، تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد للعلائي ، تدريب الراوي للسيوطي ، التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية للبرزنجي ، تقريب الوصول لابن جُزَي ، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للتلمساني ، توضيح الأفكار للصنعاني ، جمع الجوامع للسُّبكي ، الرسالة للشافعي ، روضة الناضر لابن قدامة ، الردُّ على الجهمية للإمام أحمد ، زاد المعاد لابن القيم ، شرح الطحاوية لابن أبي العز  ، شرح نخبة الفِكر لابن حجر ، شفاء العليل لابن القيم ، الصواعق المرسلة لابن القيم ، القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام ، اللُّمع للشيرازي ، قواعد الأحكام للعز ابن عبد السلام ، مجموع فتاوى ابن تيمية، المدخل لمذهب الإمام أحمد لابن بدران، مذكِّرة الشنقيطي (وأوصي كثيراً بمراجعتها وفهمها)، المسائل المشتركة للعروسي ، المسوَّدة لآل تيمية ، نشر البنود شرح مراقي السعود للعلوي ( ولي عليه تعليقات واستدراكات مطبوعة ولله الحمد )، نزهة الخاطر لابن بدران ، اتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناضر للنملة ، استدلال الأصوليين للسُّلمي،أصول الفقه للخضري ، الجامع لمسائل الفقه على القول الراجح للنملة ، المهذَّب في علم أصول الفقه للنملة ،وأدلة القواعد الأصولية من السنة للمحسي ، ومعالم أصول الفقه للجيزاني ، كشف الساتر شرح غوامض روضة الناضر للبورنو ، أثر الاختِلاف في القواعد الأصولية لمصطفى الخِن.وغيرها كثير، لكن هذا ما سنح به الخاطر.وللحديث بقية.

هذا ما تيسر تحريره ،والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

1441/3/27