توقفنا في الدرس الفارِطِ عند توضيح أساليب مراجعة المسائل الأُصولية ، وكان آخرها نصائح علمية لكيفية الإفادة من كتاب جمع الجوامع لابن السُّبكي(ت:771هـ ) رحمه الله تعالى.     

الحادي عشر: مئة خطأ تقع عند دراسة المسائل الأُصولية:

عند دراسة المسائل الأصولية تحصل جُملة من الأخطاء سواء كانت منهجية أو ذاتية أو علمية.    

 أما ما الفائدة من سرد هذه الأخطاء ؟، فالجواب أن الفائدة مهمة وموعبة ، لأن معرفة الخطأ تعين على معالجته والإفادة عند تصحيحه وبيانه للناس وحتى يُعبدَ اللهُ بما صح من شرعه ، وثمرة ذلك وضوح المنهج وصحة التلقِّي وسلامة مصدره واستقامة وصفاء القريحة.

وهذه الأخطاء يمكن التعرف عليها بالإستقراء أو بسؤال أهل التخصص ، أو بالرجوع إلى المصادر الأصيلة في المكتبة الأُصولية. وفي ختام سرد الأخطاء وصوابها ، سوف أُشير إلى أهم المصادر والمراجع التي تُعين على توثيق التصحيح لتلك الأخطاء ، والله ولي التوفيق :

1-البدء بقرآءة المطوَّلات في أصول الفقه قبل دراسة المختصرات. مثل قراءة البحر المحيط للزركشي والتمهيد في أصول الفقه للكلوذاني ، قبل فهم الورقات للجويني أو البلبل للطوفي.

 ومن أعرض عن المنهج الصحيح في التلقِّي فسيصاب بالحيرة والتشتت الذهني والوقوع في الأغلوطات العلمية.وهذا مجرب ورأيته رأي العين عند الطلبة وعند بعض المتعالمين في هذا الفن.

2-قرآءة المسائل الأصولية على الوجه النظري من غير تطبيقها تطبيقاً علمياً ،بتخريج الفروع على الأُصول. والصواب دراسة المسائل الأُصولية على معلِّم فطن ،ثم تطبيق الدراسة على الفروع حتى تستقر المسائل في الذِّهن، ليمكن الإفادة منها في الحُكم على الوقائع والنوازل.

3-دراسة متن أُصولي ثم هجر مسائله وأمثلته ومعانيه . والصواب تكراره على أقل تقدير أو الإنتقال إلى كتاب أعلى منه مرتبة ، حتى يمكن جمع المسائل الأصولية الواسعة مع قواعدها من عدة كتب أو مصنفات أصولية ، لأن هذه المتون والكتب مرتبة ترتيباً علمياً، فكل مرتبة لها ميزان علمي خاص ، فمن وقف على مرتبة متنٍ أو كتابٍ ولم يتجاوزه ،فقد وقف ميزانه عند قدر معين بقدر ما قرأ وفهم .

4-مطالعة المسائل العقدية الخاطئة في المتون أو الشروح الأُصولية دون تصحيح الخطأ فيها مثل : الكلام النفسي، القول بخلق القرآن ، اطلاق المتكلِّمين القول بتقسيم الدين إلى أصول وفروع بلا ضابط لهذا الإطلاق، قول الأشاعرة كلام الله تعالى معنى يقوم بالذات من غير لفظ ،مسائل الحكمة والتعليل والكسب وخلق الأفعال، وغيرها من المسائل التي دسَّها المتكلِّمون والمتأوِّلة وأهل الزيغ في مصنفات الأصول.

والصواب تعلم العقيدة الصحيحة ودراسة علم الأصول عند معلِّم ناصح ، يفهم مذهب السلف ،ويعرف مواطن الغلط في المباحث الأصولية.

5-الإغراق في دراسة المباحث الكلامية والمنطقية وتضيِّيع الشهور والأعوم في تكرارها وحلِّ عقدها .

 والصواب مطالعتها عند الحاجة لمن يقف بحثه عند إحدى مسائلها. والغزالي(ت: 505هـ) رحمه الله تعالى كان منكبَّاً على المسائل المنطقية والكلامية في أول حياته ، لكن قبل وفاته بأيام يسيرة صنَّف كتابه” إلجام العوام عن علم الكلام “.

6-فهم المباحث الأُصولية من غير الإلتفات والعناية بالبراهين والأدلة. والصواب تدبُّر أو حفظ الأدلة النقلية والعقلية للإحتجاج بها عند الحاجة.والبراهين قد تكون البراهين نقلية وقد تكون عقلية ، وكذلك أهم نصوص الكتاب والسنة الموضِّحة للمسائل الأصولية ، ثم قواعد المسائل العامة للمباحث الأصولية . ويعدُّ كتاب الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم(ت:456هـ) رحمه الله تعالى ،من أنفس الكتب في هذا الباب.

7-عدم العناية بالتخريج بأنواعه: تخريج الأصول على الفروع ، تخريج الفروع على الأصول ،تخريج الفروع على الفروع.وهذه التخريجات الثلاثة لها كتب مشهورة عند أهل الفن يعرفها المعتنون بها .

والتقصير في التخريج ملاحظ في الدورات العلمية في البلاد الإسلامية ،إلا ما ندر.

ومن أهم الكتب في التخريج عموماً : التحرير لابن الهمام ، وجمع الجوامع لابن السبكي وارشاد الفحول للشوكاني. وبسبب هذه الغفلة كثر المتعالمون في الفقه ، وظهرت الفتاوى المضلِّلة في أبواب الحلال والحرام ، ووقع الزلل والغلط في توضيح الأحكام الشرعية ، وقلت العناية بفقه النوازل ، والصواب بخلاف ما تقدَّم.

8- هجر المصنفات الأُصولية بحجة صعوبتها وغموض ألفاظها ووعورة مسالكها. والصواب التحول إلى الكتب الأُصولية الميسرة في عرض المسائل مثل: الورقات للجويني وبلغة الوصول للكناني وروضة الناضر لابن قدامة ،والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم،رحمهم الله تعالى، والأخير صاحبه شاعر وله ذوق أدبي ، فلا تجد عنده المعاني المستغلقة ولا الألفاظ الثقيلة المنفِّرة.

9- الإفادة من المتون والكتب الأصولية من غير تميِّيز لمنهج مصنِّفيها: هل هم على مذهب الجمهور أم على مذهب الفقهاء أم على مذهب المتأخِّرين ؟ والتمييز له فوائد: معرفة قواعد العلماء في كل مذهب، وفهم تعليل العلماء في المسائل المختلفة ، ومعرفة مفاتيح الإستنباط في كل مذهب. والصواب يكون بتميِّيز المذاهب في كل متن أصولي.فمذهب الجمهور يتميز بتحقيق وتقرير القواعد الأصولية تقريرا منطقياً نظرياً وتقعيدها وبنائها على الحجج والبراهين ، وتأييد العقل بعيداً عن الاستقاء من الفروع الفقهية. والمسائل الفقهية في هذا المنهج قليلة جداً ، لأن هذا المنهج في الغالب يفصل بين الفقه والأُصول فلا يخلط بينهما.

وأشهر كتابين في هذا المنهج هما: البرهان للجويني والمستصفى للغزالي رحمهما الله تعالى.

أما منهج الفقهاء ويُسمى منهج الحنفية فيتميز بكثرة الفروع الفقهية ، فيستخرجون قواعد الأصول من الفروع. وهم بهذا يربطون بين الفقه والأصول. والأصول عندهم مقرِّرة للفروع وليست حاكمة عليها.

وأشهر كتابين في هذا المنهج هما: تنقيح الفصول للقرافي والتمهيد للإسنوي رحمهما الله تعالى.

أما منهج المتأخِّرين ويسمى تخريج الفروع على الأصول ،فهو مزج بين المنهجين السابقين. ففيه استخدام للعقل والمنطق في تحليل القواعد الأُصولية مع تطبيقها على المسائل الفقهية.

وأشهر كتابين في هذا المنهج هما : تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، وجمع الجوامع لابن السُّبكي.رحمهما الله تعالى.

10-البدء بدراسة الفقه قبل دراسة الأصول. والصواب الجمع بينهما أو البدء بدراسة الُأصول. وسبب ذلك أن تعريف الفقه لمن تأمل : العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. وتعريف الأصول: معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الإستفادة منها وحال المستفيد.

 وهذا يؤكد أن فهم الأصول قبل دراسة الأصول لازم جداً.

 وكثير من علماء الفقه قديما ًكانوا يُقدِّمون كتب الفقه بمقدِّمات أصولية قبل الشروع في تبسيط المسائل الفقهية ، منهم ابن عبد الهادي (ت:909هـ) رحمه الله تعالى في كتابه ” مُغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام”، و” المقدِّمة الأصولية” لابن هبيرة (ت:560هـ )رحمه الله تعالى.

11-تقديم الإجماع الذي لا يستند على نص أو تقديم القياس أو تقديم الأدلة المختلف فيها ، على نصوص الكتاب والسنة خطأ منهجي وضلال في الفكر ،وقد نبَّه على هذه الملاحظة الآمدي رحمه الله تعالى في الإحكام ( 1/263 )، وابن تيمية رحمه الله تعالى في فتاويه( 19/195 ) وابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه فتح الباري(9/22)، وأورد أمثلة عليها، وكذلك فلتراجع .

فالعلم الصحيح هو علم الكتاب والسنة أولا ،ثم تأتي بعده الأدلة بحسب المتاح والمقبول منها.

12-الإستدلال في بعض المسائل الأصولية بإحدى القرآءات القرآنية المنقولة ،التي لم تُوافق العربية ولم توافق رسم أحد المصاحف ولم يصح سندها ، فهي قرآءة مردودة لا يحتج بها ولا قيمة لها.

فصحة السند وموافقة الرسم العثماني وموافقة اللغة العربية أمر لازم لتكون القرآءة صحيحة مقبولة.

13-الإستدلال بالقرآءة القرآنية من غير عزوٍ يُضعف قوة الإحتجاج بها ، والصواب ضبطها بالشكل وعزوها إلى مصدرها بأنها لفلان من القراء ،وتُروى عن فلان في البلد الفلاني.

14-القرآءة التي صح سندها ولم تُوافق رسم المصحف فإنها قراءة شاذَّة مردودة كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إني أنا الرزاق ذو القوة المتين” ). وقرآءة رسم المصحف المتواترة هي : ” إن الله هو الرزاقُ ذو القوة المتين” ( الذاريات: 58).

15-الجزم بصحة القراءة القرآنية لأنها منسوبة إلى قارىءٍ من القراء السبعة لا يكفي في تحقيق صحتها والعمل بها ، بل يجب التحقق من توفر شروط الصحة المذكورة آنفاً ، فقد تكون القرآءة منسوبة إليهم ،وهي قرآءة شاذة مردودة.

16-عند دراسة أحكام البسملة- في المسائل الفقهية والأصولية – يرُجِّح بعض الدارسين أن البسملة آية من الفاتحة فقط ، وليست آية من القرآن نزلت للفصل بين السُّور. والصحيح هو العكس.

فالبسملة آية في كل سورة في أولها سوى براءة.وهذه المسألة مهمة ويتنازع فيها دائماً القراء والمحدِّثون والأصوليون والفقهاء.

17-القول بأن في القرآن شيٌ من التراكيب الأعجمية مثل : مشكاة وسجيل وإستبرق وناشئة الليل ،والقسطاس وغيرها ،خطأ ظاهر ، فالقرآن كله عربي، وما ورد فيه من ألفاظ أعجمية فهو من توافق اللغات، بين العربية وألفاظ الأعاجم والأمم الأخرى.

وهذا لا يدل على أن القرآن غير عربي كله.والقرآن معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فكيف يتحدَّاهم بشي فيه غمز للنبوة أو الرسالة؟!.

18-يختلف معنى السُّنة عند الأُصوليين والمحدِّثين عن معناه عند الفقهاء والُّلغويين، فالحجية تكون بالمعنى الأُصولي الحديثي،لأن الحكم الشرعي يتعلَّق بهما، وهي : كل ما أُثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير سوى القرآن.

فعند الإستدلال والإستنباط يجب تتبُّع قوله وفعله وتقريره وكتابته وإشارته وهمُّه وتركه صلى الله عليه وسلم ،بحسب قواعد الأصول.

19-لا يجوز الإنتصار لقول أحدٍ من الناس لمجرد إنفراده بتقرير حُكم من الأحكام ،مثل من ينتصر لفتوى شيخه أو إمامه أو معلِّمه.

 فلا حجة إلا فيما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكل أحدٍ يُؤخذ من قوله ويُردُّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

20-الإستدلال بحديث تأبير النخل على عدم جواز الإستدلال بالسُّنة في كل شؤون الحياة استدلال مغلوط ،لأن حديث تأبير النخل قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما أظن ذلك يُغني شيئاً “،وقال :” فلا تؤاخذوني بالظن ”  أخرجه مسلم في صحيحه. ولأنه أيضاً علَّق صلاح النخل بعلمهم لا بعلمه كما في قوله ” إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه “. وهذا يدلُّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم إلا ما علَّمه الله تعالى ، وما قاله في النخل كان من تلقاء نفسه ، فهو معصوم في أمور الشرع والنبوة وغير معصوم في الأمور الدنيوية التي لا تعلُّق لها بالشرع.

21-اطلاق القول بأن خبر الواحد يفيد العلم غير صحيح ، بل المسألة فيها تفصيل عند أئمة التحقيق.وفي كتاب الرسالة للشافعي رحمه الله تعالى ،أمثلة كثيرة ومهمة عن خبر الواحد.

 فخبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به القرائن، وقد يفيد الظن إذا تجرَّد عن القرائن.وخبر الواحد إذا تلقَّته الأمة بالقبول ووقع الإجماع على العمل بمقتضاه ،فإنه يفيد العلم.

وهذا الميزان مهم جداً لمعرفة حال خبر الواحد.

22-الخلط بين أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم التي على سبيل التشريع ،وبين تصرف الإمام والحاكم لا يصح.ودليل ذلك تصرفه صلى الله عليه وسلم في لحوم الأضاحي وادخارها بعد ثلاث ، وهي مسألة فقهية مشهورة في أحكام أقضيته، والخلاف حولها معروف. وهذه مسألة مهمة أشار إليها الشافعي والقرافي رحمهما الله تعالى في كتابيهما الرسالة والفروق.

23-من الغلط القول إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وحدَه يدل على الوجوب، فالصحيح عكسه.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضأُ لكل صلاة طاهراً وغير طاهر، ووجوب الوضوء أو نقضه لا يثبتُ بالفعل فقط، لأن الفعل لا يدل على الوجوب إلا أن يفعله ويأمر الناس بفعله أو ينص عليه.

24-القول باستحباب التأسِّي به صلى الله عليه وسلم في الأفعال الخَلقية الجبلية قول فيه نظر ،ولا دليل صريح من صحيح السُّنة المتواترة على هذا الإستحباب ، وانفراد بعض الصحابة كابن عمر وغيره رضي الله عنهم لإستحباب ذلك ، لا يكفي لتقوية دليل الإستحباب ،وتشريعه في الأُمور الجبلية.

25-استخراج حُكم من أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم من غير بيان نوع الفعل النبوي لا يصح. فأفعاله صلى الله عليه وسلم قد تكون خواطر نفسية أو جِبلية أو تشريعاً أو أمراً خاصاً به، أوما يقصد للقربة فيه ،أو ما لا يُقصد للقربة فيه، أو ما يفعله عقوبة أو إعطاءاً أو انتظاراً للوحي ، أو فعلاً مجردا يظهر حكمه فيه.فهذه تسعة أنواع يجب التنبُّه لها عند استخراج الحُكم الشرعي منها.

وللحديث بقية.

انتهى الدرس الثامن ويليه الدرس التاسع إن شاء الله تعالى.

 هذا ما تيسر تحريره ،والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

1441/2/26