توقفنا في الدرس الفارِطِ عند توضيح منهج تصور المسائل الأُصولية المختلف فيها ، وقد مثَّلتُ في آخر الدرس بمسألة الإحتجاج بالمرسل ، وقلتُ إن المسألة لا يمكن تصورها إلا بالتحرير ومعرفة الوفاقِ والخِلاف ،ثم الرجوع إلى تقييِّد العلماء حول زبدة المسألة.

وفي الصفحات الآتية أمثلة وتطبيقات على أساليب فهم المسائل والنُّكت الأُصولية والفقهية ،من أجل تطبيقها التطبيق الصحيح عند العمل بمقتضاها.

تاسعاً : أساليب فهم ونقد النُّكت الأُصولية والفقهية :

بعد استيعاب الطالب والباحث للمَلكة الأُصولية ومعرفته لثمراتها وعوائقها وطرق استمدادها، وتطبيقه لأركان المَلكة الأصولية ، وتصوره الصحيح والتام للمسائل الأصولية بعد تكرار متن في الفقه ومتن في الأصول ، سيجد أنه يستطيع التمييِّز بين الخطأ والصواب في المسائل الأُصولية والفقهية.

وأساليب الفهم الرئيسة هي:

أ-سؤال المعلِّم الفطِن وتحرِّي الحق عنده.

ب-الحفظ والمراجعة.

ج-تقصِّي المسألة من مجموعة مصادر أصيلة موثوقة.

د-تحليل المسألة لفظياً للربط بين معانيها وأحكامها.

ه- اعادة مراجعة المسألة ثم تقييِّد خُلاصتها.

و- مذاكرة المسألة أو المسائل مع صاحب هِمَّة ،كي ترسخ الفوائد في الذِّهن.

ز- تقوى الله وخشيته ودوام التضرع إليه.

وهذه أمثلة وتدريبات مختصرة ، طبَّقتُ فيها أساليب الفهم المذكورة آنفاً ، انتخبتُها من مذاكرتي مع الطلبة حين مراجعة فهم المسائل الفقهية والأُصولية في كتابين مهمين ، هما : المغني لابن قدامة(ت: 620هـ) ،وتلخيص روضة الناضر للبعلي (ت:  709هـ)رحمهما الله تعالى، أقيِّدها هنا للإفادة منها في هذا الجانب :

1-مسألة غسل بشرة الرأس: أورد ابن قدامة فيها حديث عليِّ الذي أخرجه أبو داود وابن ماجة، وقد رفعه إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها، فُعل به كذا وكذا من النار”. قال عليُّ: فمن ثَمَّ عاديتُ شعر رأسي وكان يجزُّ شعره. قلت الصحيح وقفه على “عليِّ -رضي الله عنه- ” كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى.

2-مسألة مقدار ما يُجزئ في الغسل: قال ابن قدامة “وقيل لا يُجزئ دون الصاع في الغسل والمُدّ في الوضوء، والتقدير بهذا يدل على أنه لا يحصل الإجزاء بدونه”.

            وقد استدلَّ لها بحديث جابر -رضي الله عنه- مرفوعاً: “يُجزىء من الوضوء المـُدُّ ومن الجنابة الصاع”. والصواب أن يُقيَّد ذلك بما قال ابن خريمة -رحمه الله-: “فيه دلالة على أن توقيت المـُدّ من الماء للوضوء أن ذلك يُجزىء، لا أنه لا يجوز النقصان منه ولا الزيادة عليه”.

3-مسألة النية في الوضوء: قال -رحمه الله-: “النية من شرائط الطهارة للأحداث كلها، لا يصح وضوء ولا غسل ولا تيمم إلا بها”. الصواب أن يُقيَّد ذلك بأن النجاسة من أفعال التروك، فتصح بغير نية.

4-مسألة التسمية عند الوضوء: أورد فيها حديث: “لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه”،ولم يرفعه للرسول صلى الله عليه وسلم ،بل قال: رُوي أي بصيغة التمريض، وقال بعده قال أحمد: ليس يثبت في هذا حديث أو إسناد جيد. قلت: قد أورد الحافظ بن حجر وابن أبي شيبة في نصب الراية والتلخيص الحبير أن للتسمية أصلاً، ولا بُدَّ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد قالها. فلا يُشرع هجرها.

5-مسألة السِّواك في نهار رمضان للصائم: أورد ابن قدامة المسألة ولم يُرجِّح الجواز ولا الكراهة. والصواب: جواز استعمال السِّواك في النهار للصائم، وهو اختيار ابن تيميَّة رحمه الله تعالى.

6-مسألة الاستياك عند الوضوء: أورد فيها مسألة الاستياك بالأصبع ولم يستدل لها. ودليلها: ما جاء في مسند أحمد بسند صحيح أن علياً رضي الله عنه، دعا بماء فتوضأ، فأدخل أصبعه في فيه. ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

7-مسألة سؤر الهرة: أورد فيها قول أبي حنيفة رحمه الله، أنه كره الوضوء بسؤر الهرة ولم يتعقبه.

والصواب أنه طاهر، وقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ضعيف ،بدليل حديث: “إنها ليست بنجس”. ولم يذكر الشيخُ دليلَ أبي حنيفة على نجاسة الهرَّة. ودليله القياس لأن لُعابها مُتولِّد من لحمها وهو نجس. وحجته أيضاً حديث: “الهرة سبع” وإسناده ضعيف فلا يصح التعويل عليه .

8-كثير من الأحاديث الضعيفة يستدلُّ بها ابن قدامة رحمه الله تعالى، لتقوية قول بعض الحنابلة بها، وقد يرويها بصيغة التمريض، وقد يرويها صراحة ولا يُبيِّن ضعفها، كحديث الحِياض المشهور. وهو حديث أبي سعيد الخدري: “أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئل عن الحِياض التي بين مكة والمدينة ترِدها السِّباع والكلاب والحُمر” قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى :”أجمعوا على ضعفه” .

     ولذلك أسباب منها: أن ابن قدامة يتورَّع عن الحُكم على بعض الأحاديث، أو أن لها أصلًا عنده، أو أنه يستدل بها بنية الرجوع للبحث عن أسانيدها، فلا يُسعفه الوقت لذلك.

9-مسألة رفع اليدين عند الركوع: روى فيها ما أخرجه الترمذي في مسنده عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: “ألا أصلي لكم صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فصلَّى فلم يرفع يديه إلا مرةً واحدة”. وقد تعقَّبها ابن قدامة بالردِّ والتضعيف، لكن يزُاد على تقريره بأن ابن مسعود كان يحكي فِعلًا من الصلوات المنسوخة كالتطبيق في الركوع، فليُحرَّر.

10-مسألة نصاب الذهب: أورد فيها حديث ابن عمر وعائشة -رضي الله عنهما-: “أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعدًا نصف دينار، ومن الأربعين دينار ديناراً”. أخرجه ابن ماجة ولم يُعقِّب على إسناده على غير عادته في الحكم على الأحاديث. والحديث في إسناده مقال ،لكن له شواهد بعضها ضعيف وبعضها حسن.

11-مسألة تجاوز الميقات بغير إحرام: أورد فيها حديث ابن عباس مرفوعاً: “من نسي من نُسكه شيئاً أو تركه، فليهرق دماً”. الحديث في إسناده مقال كما حقَّقه ابن حجر وابن حزم رحمهما الله تعالى.

12-مسألة إفراد يوم السبت بالصيام: اختار رحمه الله القول بالكراهة لحديث عبد الله بن بسر مرفوعاً. والمسألة خِلافية بين المحقِّقين، ومن أهل العلم من يرى أن الحديث منسوخٌ. والذي رجَّحه ابن تيمية رحمه الله الجواز.

13-مسألة تنفيل وتقسيم الغنائم: أورد فيها حديث أبي قتادة رضي الله عنه مرفوعاً: “من قَتل قتيلًا فله سلبه”.

     تعليقي: في العصر الحاضر ما يغنمه المجاهد من أسلحة أو سيارات أو مُتعلَّقات شخصية من العدو، فهذه حقٌ لمن غنمها من المجاهدين ،يقسمها الإمام بينهم بالخُمس، أو بحسب ما يرى المصلحة فيه، وله أن يعطي من لم يجاهد شيئاً من ذلك لتطيِّيب نفسه، لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من غزواته.

     أما ما يغنمه المجاهدون من الأموال العامة للكفار أو الأعداء، مثل الدبابات والطائرات والسيارات الثقيلة، فلا يجوز التصرف فيها ولا الاستيلاء والتملُّك لها إلا برضى الإمام أو نائبه، وتقسيمها يكون على حسب المصلحة العامة للمسلمين، كما رجَّحه الماوردي وابن تيمية والشوكاني رحمهم الله تعالى.

14-مسألة أكل الضبِّ: أوردَ فيها قول أبي حنيفة رحمه الله: “الضبُّ حرام”. لكنه لم يُفصِّل سبب تحريمه. وسبب تحريمه أن أبا حنيفة يميل إلى التحريم كما في سنن أبي داود، لأنه تمسَّك بأحاديث النهي التي يُفهم منها أن النهي مطلق، بينما الحُفَّاظ من المحدِّثين جمعوا بين الأحاديث المحرِّمة والمُبيحة والمقرِّرة، فقالوا بالجواز. وهذا ما قرَّره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح.

15-مسألة أكل لحم الثعلب: أورد للإمام أحمد رحمه الله تعالى فيه روايتين، ولم يرُجِّح. فالرواية المشهورة التحريم، والرواية الأُخرى الجواز، وبها قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى،وبعض التابعين، لأن النهي خاص بذوات الناب والسِّباع، والثعلب ليس من السِّباع، فيصير حكم أكله دائراً بين الجواز والكراهة. وهذا القول هو الراجح.

16-مـسـألة بـيـع الـعِيـنــة: أورد فـيــهـا الـرواية المــــشهـــورة وهــي

في سُّـــنـن الدارقطنــي والبيــهقــي ومصنف عبد الرزاق عن عائشة رضي الله عنها: “بئس ما شريتَ وبئس ما اشتريتَ”. قلت: عزاه ابن قدامة رحمه الله تعالى لأحمد، وهو وهمٌ، فليست هذه الرواية في المسند، إلا إذا كانت النسخة المطبوعة فيها سقط، فَيُحتمل، أما إن كان العزو لغير المسند من المسائل والروايات، فلا غضاضة.

17-مسألة شركة الأبدان: أورد الخلاف فيها، وذكر أن الشافعية قالوا ببطلانها وفسادها، لحصول الغرر والضرر فيها. قلتُ: في العصر الحاضر تُسمَّى شركة العمل أو التقبُّل، وتقع بين أصحاب الحرف ،مثل المهندسين والأطباء ونحوهم. ودليل جوازها إقرار الرسول -صلى الله عليه وسلم- على صحة فِعل سعد بن أبي وقاص في شراكته مع عمَّار وابن مسعود رضي الله عنهم.

18-مسألة تضمين الصُّناع: أورد فيها أثراً عن عليِّ -رضي الله عنه-: “أنه كان يُضمِّن الصبَّاغ والصانع، ويقول: لا يُصلح الناس إلا ذلك”. قلت: الأثر ضعيف لأنه مرسل.

19-العنعنة في الآثار: من خلال تتبعي لآثار ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني كُّله، لاحظتُ روايته لآثار مُعلَّة بالعنعنة، مما يكون سببًا لتدليسها وردِّها.

منها رواية: “عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى يبلغ الثلث من دِيَّتها” وهي في سُّنن النسائي، ومثلها رواية عن عمر في أن العاجز عن الوطء يُؤجَّل سنة. وهو في مصنف ابن أبي شيبة، ومثلها رواية: “لا نذر في غضبٍ، وكفارته كفارته يمين” وهو في مسند أحمد، ومثلها رواية: “إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رِجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله”.

والذي تبيَّن لي من خِلال الإستقراء أن ابن قدامة اعتنى بالتخريج والنظر في الأحاديث في أول ووسط الكتاب، لكن في آخره ربما لم يُساعده الوقت والجهد على مزيد من التحقيق، وهذا ظاهر في أحاديث الدِّيات والكفَّارات في آخر الكتاب، فليُحرَّر.

20-مسألة الغِناء: يستدل بعض المعاصرين ببعض كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني على جواز الغناء، بينما يتركون موضع الشاهد الذي يُفيد التحريم والزجر. فقد قال في في كتاب الشهادات في المسألة رقم(8366) “واختلف أصحابنا في الِغناء، فذهب أبو بكرٍ الخلَّال وصاحبه أبو بكر عبد العزيز إلى إباحته”.

والصواب أن تحرير كلامه يكون بنقل ما قبله وهو قوله: “فصلٌ في الملاهي: وهي على ثلاثة أضرب: مُحرَّم وهو ضرب الأوتاد والنايات والمزامير كلها، والعود والطنبور والمعزفة والرباب ونحوها، فمن أدام استماعها رُدَّت شهادته”.

فمن ينقل الجزء الأول من كلامه ولا ينقل الجزء الثاني، فقد وقع في التدليس والكذب وخِيانة أمانة العلم والفقه.

21-مسائل المغني مليئة بالدلالات والأحكام والمقاصد والقواعد والضوابط الأُصولية: كقوله: “يقُدَّم النص على الظاهر المحتمل”، و”يُقدم الخاص على العام” و”التخصيص بغير دليل تحكُّم لا يُصار إليه” و”النهي يقتضي الفساد وعدم الإجزاء” و”ما لم يذكر القرآن له بدلاً فلا بدل له” و”السبب يتعقبه حكمه” و”الحِيل لا تُحيل الحقوق” وغيرها كثير تنيفُ على المئِتين، وقد دوَّنتها في مواضعها من نسختي ولله الحمد. ويُمكن الإفادة منها بالنظر في أمثلتها في ثنايا الكتاب في أوله وآخره.

22-من المسائل التي تُقوِّي الملَكة العلمية لطالب العلم استدلال ابن قدامة رحمه الله تعالى عند حديثه عن القِبلة في الصلاة، حيث قعَّد أنه لا يجوز أن يُكتب أمام المـُصلِّي ما يُشغله.

     كما في حديث: “أميطي عنا قِرامك”. فقد قال: “تركه صلى الله عليه وسلم، لدرء المفسدة الواقعة أو المتوقَّعة ،أو لما سيشغله عن الواجب” ،هذا مع خشوعه وعصمته صلى الله عليه وسلم.

23-يمكن الإفادة من كتاب المغني في تقوية المَلكة العلمية بقراءة المختصرات، ثم قراءة تحرير ابن قدامة في المغني وتحليل كلامه إلى مسائل بالرسم البياني، للتقريب وربط الجزئيات، والوقوف على كيفية الاستدلال والتعليل.

24–التعليل للمسائل في كتاب المغني ظاهر لا يكاد يخفى، فلا تخلو مسألة من تعليل واستقراء لِحِكمة الشارع وربطها بالنص والقياس ومصالح الشريعة. وفي كتاب الصلاة تطبيقات كثيرة لهذا التقعيد كما في قوله: “تُكره الصلاة إلى المتحدِّثين لئلا يشتغل بحديثهم، واختلف في الصلاة إلى النائم” .وهذا مهم فليُحفظ.

25–كتاب المغني مشحون بأقوال المذاهب المتبوعة وغير المتبوعة، وفي كثيرٍ من المسائل يردُّ ابن قدامة ويناقش ويُفنِّد حُجج المذاهب، وفي بعضها ينتصر لها، وهو أمين في النقل والتحقيق.

 26-ابن قدامة ضليع في حَلِّ المعضلات الاجتماعية والشرعية فقد قال في طهارة البئر: “فإن مات في بئرٍ ذات نفس، فأمكن معالجة البئر بالأكسية المبلولة تُدار في البئر حتى تجتذب بخاره ثم ينزل من يطلعه، أو أمكن إخراجه بالكلاليب من غير مُثلة لزم، لأنه أمكن غسله من غير ضرر فلزم، كما لو كان على ظهر الأرض، وإذا شك في زوال بخاره أنزل إليه سراج أو نحوه، فإن انطفأ فالبخار باقٍ ،وإن لم ينطفئ فقد زال، فإنه يُقال: لا تبقى النار إلا فيما يعيش فيه الحيوان”.

27-قال العلامة البعلي في تلخيص روضة الناضر: مدارِكُ العقول منحصرةٌ في الحدِّ والبرهان.التعليق: ذَكر مدارك العقول ولم يذكر مدارك العلوم، وهي ثلاثة: الحِس والخبر والنظر. وفي حاشية الدرة المضية للسفاريني شرح للقسمين ،كما قال الناظم:

مدارك العلوم في العِيان.. محصورةٌ في الحدِّ والبرهان. وقال قوم عند أصحاب النظر.. حس وإخبار صحيح النظر .وشرحها كلها مستوفى عند الغزالي في المستصفى، والشيرازي في اللُّمع، والرازي في المحصول، وفي كتب المنطق والجدل القديمة والحديثة.

وبعض طلبة العلم يُزهِّد في المقدِّمة المنطقية، وهذا خطأ ظاهر وغلط جائر. وأذكر أنني حضرتُ مرة من المرات مجلساً من مجالس العلم فقال أحد الطلبة: إن علم المنطق شوَّه جمال أصول الفقه !، فقلتُ عندي سؤال، فقال تفضل، قلت: محمد رسول الله، هل هذا من العلم الضروري أم من النظري؟، فلم يعرف الإجابة!

فقلت: العلم قِسمان ضروري مثل: الكعبة قبلة المسلمين، ومحمد رسول الله، ونظري مثل: الدم طاهر، وعرق الآدمي طاهر.

فمثل هذه الأدوات تُساعد على فهم الكلام ومعانيه.

ومن أراد تسهيل المقدِّمة المنطقية فليقرأها من تلخيص روضة الناظر، ثم ليطبِّقها على مفردات قصة موسى عليه السلام مع فرعون، وكذلك أحكام النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقضيته التي قضى بها بين الناس ،فسيجد انشراحاً لمعانيها ومفرداتها.

فمثلاً مدارك اليقين خمسة عند المناطقة والأصوليين : الأوليات والمشاهدات والمحسوسات والتجريبيات والمتواترات. وهي موجودة في قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز ومع إخوته. وقِس على هذا بقية المسائل المنطقية الأخرى.

لكن يجب التنبيه إلى أن الفِرق المنحرفة عن منهج السلف كالأشاعرة والمعتزلة، كيَّفوا بعض هذه المصطلحات المنطقية عن حقيقتها الأصلية لنصرة مذهبهم.

فمصدر التلقِّي عندهم هو العقل، كما صرَّح أئمتهم: الجويني والرازي والبغدادي والغزالي والآمدي والإيجي وابن فورك والسنوسي وشراح الجوهرة وغيرهم من المعاصرين، بتقديم العقل على النقل عند التعارض، ومن أولئك القدامى من حقَّق بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة أصل من أصول الجهل.

وقد صرَّح أئمتهم أن نصوص الكتاب والسنة ظنية الدلالة، ولا تُفيد اليقين إلا إذا سَلمت من عشرة عوارض.

منها: الإضمار والتخصيص والنقل والاشتراك والمجاز. إلخ، وسلمت بعد هذا من المعارض العقلي.

والأشاعرة يُنكرون الربط العادي بإطلاق، وأن يكون شيءٌ يؤثِّر في شيء، وأنكروا كل باء سببية في القرآن، وكفَّروا وضلَّلوا من خالفهم.

وحجتهم فيها هو مأخذهم في القَدر، فمثلًا عندهم من قال: إن النار تحرق بطبعها أو هي علة الإحراق، فهو كافر مشرك؛ لأنه لا فاعل عندهم إلا الله مطلقًا، بدليل أن أحد علماء النحو في الأندلس من دولة الموحِّدين الأشاعرة ،سفَّه نظرية العامل عند النحاة، زاعماً أن الفاعل هو الله.

والأشاعرة ينكرون أن يكون لشيء من أفعال الله تعالى علة مشتملة على حكمة تقضي إيجاد ذلك الفعل أو عدمه، وهو معارضة لقول المعتزلة بالوجوب على الله؛ حتى أنكر الأشاعرة كل لام تعليل في القرآن، وقالوا: إن كونه يفعل شيئاً لعلة، ينافي كونه مختارًا مريدًا.

وجوَّزوا بذلك أن يُدخل الملائكة والنبيِّين النار، وأن يُدخل إبليس والمجرمين الجنة، وهذا لازم قولهم، إلا النادر منهم.

28- ذكر الإمام البعلي أن من أقسام البرهان السبر والتقسيم ومثَّل لها بقوله العالم إما حادث وإما قديم” ولم يُدلِّل على حدوث العالم ولم يحتج له. ودليله قول الله تعالى: ”  أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (الطور: 35) .

وقوله تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(النمل: 88).

29- قال الإمام البعلي وإذا استدللتَ بالعِلة على المعلول فهو برهان علة، وإن استدللت بالمعلول على العلة فهو برهان دلالة”. المقصود من هذا تقسيم أنواع البرهان لمعرفة طريقة الردِّ به على الفرق والجماعات المنحرفة. وفي أغلب كتب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، استعمال ملاحظ لهذه المصطلحات المنطقية لتفنيد شُبه الفلاسفة وأهل الضلال.

ومن الواجب هنا التنبيه على المقولات العشر وهي المصطلحات التي يستدل بها الفلاسفة وبعض الفِرق، للردِّ على إثبات الصفات وغيرها، وهي: الجوهر والعرض واللون والنسبة والمكان والزمان والحال والملكية والفعل والانفعال. وهي مجموعة في بيتين:

زَيْدٌ الطوِيلُ الأَزْرَقُ ابْنُ مَالِكِ .. فِي بَيْتِهِ بِالأَمْسِ كَانَ مُتَّكِي

بِيَدِهِ غُصنٌ لَوَاهُ فَالْتَوَى .. فَهَذِهِ عَشرُ مَقُولاَتٍ سُوَى

30- قال الإمام البعلي في الفرق بين الواجب والفرض: وعن أحمد أن الفرض آكد من الواجب. قلت: الصحيح عند الجمهور أنه لا يصح التفريق بينهما. فمعناهما واحد. والدليل حديث أبي محيريز أن رجلًا من بني كنانة يُدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يُدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب، قال المخدجي: فرحتُ إلى عبادة ابن الصامت فأخبرته فقال عبادة: كذب. يعني أخطأ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “خمس صلوات كتبهن الله على العباد.. أخرجه أحمد في مسنده بإسناد صحيح. وكان الإمام أحمد يفرق بين الفرض والواجب تورعًا ،كما نقل عنه الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى.

31- قال الإمام البعلي: “أنكر الحنفية التوسيع”. المقصود أنهم أنكروا الواجب الموسَّع، وهذا غير دقيق، فالأحناف يوافقون الجمهور في أن الواجب يُؤدَّى في جميع الوقت. ولعله يقصد بعض المتأخِّرين من الأحناف. ولم يردّ الشيخ عليهم. ويُردُّ عليهم بالحديث المرفوع: “الوقت فيما بين هذين الوقتينأخرجه أبو داود بإسنادٍ صحيح .

32- قول الإمام البعلي: “لو ذهل عن العزم لم يكن عاصيا. يقصد من عزم على فعل واجبٍ موسعٍ ثم نسي أو مات، فليس بعاصٍ، لأن نيته الأداء. ولم يستدل على هذا التقرير، والراجح أنه يأثم إن فرَّط في تأخير الأداء أو تشاغل بما لا يجوز. لقول الله  تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (البقرة: 148) .

33- قول الإمام البعلي: “الغافل لا يُكلَّف المقصود بالغفلة النوم والنِّسيان والجنون والإغماء. فيمتنع التكليف لارتفاع الأهلية الشرعية.

34- يُستدرك على الإمام البعلي في مسألة الواجب ما يلي:

بعض الواجبات قد تكون عقوبة كقول الله تعالى:ويضعُ عنهم إصرهم والأغلالَ التي كانت عليهم (الأعراف: 157).  وإذا تزاحم واجبان قُدِّم آكدهما. والزيادة على الواجب من جنسه مندوبة، ولها تفصيل ذكره ابن بدران في كتابه المدخل.

35- مسألة الاشتباه بين واجب وغيره أشار إليها الإمام البعلي لكن لم يُحرِّرها في نظري. فاشتباه الميتة بمذكَّاة الصحيح أنه يجب ترك الجميع، لأن الأصل في الذبائح التحريم. واختلاط الأُخت بالأجنبية، يجب ترك الاثنتين لأن الأصل في الأبضاع التحريم. واشتباه الماء الطهور بنجس يُحرِّم استعمالهما. هذا هو الراجح في مسألة الاشتباه.

36- قول الإمام البعلي: “المباح ما أذن الله في فعله”. يستدل بعض الناس على إباحة التعدد بآيات الإباحة المطلقة. لكن علماء الأصول قيَّدوا جواز الإنتفاع بعدم الضرر، فإن تحقَّق وقوع الضرر وجب الكفُّ عن الاسترسال في المباح حتى لا ينقلب محرماً. ومن القواعد هنا أن المسكوت عنه في الشرع لسنا مأمورين بفعله، ولا اجتنابه إلا إذا ترجَّحت المفسدة.

37- قول الإمام البعلي: “أنكر المعتزلة المباح “. لم يُحرِّر الرد عليهم. فيُقال: ثبوت دليل الشرع حجة عليكم. فإن كان عندكم نص ناقل للحكم فبيِّنوه. واعتقاد إباحته عبادة يجب العمل بها، فهذا تكليف تعبدي لا يجوز ردُّه. وبعض أهل العلم يقولون إن الكعبي المعتزلي أراد المباح الذي يتوصل به إلى واجب، فيكون الخلاف لفظياً.

38- الإجماع: يستدرك على تلخيص البعلي لمسائله جملة مسائل: الإجماع لا يكون بالعقل، بل بالنص أو بالمشافهة والمشاهدة. وقول العامي لا يُعتدُّ به في الإجماع، لأنه لا يعرف الأدلة ولا طرقها.

39- مراسيل الصحابة: يُستدرك على تلخيص البعلي هنا ما يلي: صفة مراسيل الصحابة أنهم يروون روايات لم يسمعوها شِفاهاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل من صحابي آخر. وهي عديدة عند ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما.

40- رواية الحديث بالمعنى: يُستدرك على تلخيص البعلي لهذه المسألة أن لفظ الأذان لا تجوز روايته بالمعنى ،لأن الله تعبَّدنا به. ومثله التكبير والتشهد.

41- مسألة الرواية: يُستدرك على البعلي في تلخيصه، مسألة إذا عمل الراوي بخلاف الحديث الذي رواه.

فحينئذٍ يجب عليه العمل بالحديث الذي رواه ويترك عمل الراوي مطلقاً، لأن الراوي قد توفرت فيه شروط الرواية. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم، حجة وقول الراوي وعمله ليس بحجة.

42- القياس: يُستدرك على البعلي هنا أن تحقيق المناط وتنقيح المناط تُقرُّ به الظاهرية النافين للقياس. أما تخريج المناط فتنكره الظاهرية ويُقرُّ به جماهير العلماء.

43- قياس الشبه: يُستدرك على البعلي أنه الوصف المـُتردِّد بين المناسبة وعدمها، وهو من أصعب مسالك العلة وأدقها فهماً. مثاله: العبد إذا قُتل هل تلزم فيه القيمة أم الدِّية؟.

44- العِلة: يُستدرك على البعلي أن قوادح العِلة أنواع:

أ- عدم الإصابة في تحديد عِلَّة الحكم.

ب- إضافة أوصاف للعِلَّة لا علاقة لها بالعِّلة

ج- حذف أوصاف للعِلة.

45- ويُستدرك على البعلي أيضاً، أنه يُقدَح في الحكم بعدة اعتبارات شرعية: أن يثبت الحكم بالقياس وليس بالنص. أن يتخلَّف الحكم مع وجود العلة. أن يكون الحكم شاملًا حكم الفرع. وأن يكون الحكم منسوخاً.

46- يُستدرك على البعلي في مسألة التفريق بين الفاسد والباطل. أن الفاسد هو الباطل عند جمهور العلماء خِلافًا للأحناف. فالأحناف قالوا الباطل ما كان النهي عنه لذاته مثل بيع الخنزير،والفاسد ما كان النهي عنه لوصف كبيع الريال بالريالين. وتعريفهم هذا مثل تعريف الفرض والنافلة، يعني على قاعدته. فلا يُسلَّم لهم هذا. كما قال ابن تيمية رحمه الله، في ردِّه عليهم.

47- يُستدرك على البعلي في مسألة السبر والتقسيم: أن من الشروط التي يجب أن تتوفر في السبر والتقسيم: أن يكون الأصلُ مُعلَّلاً، وأن يمكن حصر جميع ما يُعلَّل به الأصل، وإثبات أن الأوصاف المـُلغاة لا تصلح للتعليل، وأن يستثنى الوصف الطردي الذي لا قيمة له.

48- يُستدرك على البعلي في مسألة الطرد والعكس. أن الطرد والعكس والدوران هي مرادفات للدوران الوجودي وهو تعلُّق الحكم وجوداً وعدماً بالوصف.

49- يُستدرك على البعلي في مسألة العلة، أن العلة هل هي الوصف الظاهر في الحكم؟. هذه المسألة ردَّ فيها ابن تيمية على الأحناف في قولهم: إن العلة هي الوصف المشتمل على الحكمة.

50- يُستدرك على البعلي في القياس، أن سبع مسائل اختلف في جريان القياس فيها: الحدود والكفارات والتقادير والرخص والأسباب والشروط والموانع.

51- يُستدرك على البعلي أيضًا أن القياس في الأعلام والصفات لا يجوز بإتفاق أهل العلم.

52- يُستدرك على البعلي في مسألة الشرط، أن الشرط لا يقتضي الحكم، ولكن هو لبيان زمن تنفيذ الحكم. والعلة مناط الحكم فيوجد الحكم بوجودها وينعدم بعدمها. فيكون إثبات الحكم متوقفًا على وجود العِلة.

53- يستدرك على البعلي في مسألة الجمع، أن أقل الجمع الصحيح فيه أنه ثلاثة. ومن استدل بقول الله تعالى:(هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) (الحج: 19)، فمردود لأن هذه الآية نزلت في ستة نفر ،كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى وغيره من العلماء.

54-يُستدرك على البعلي في مسألة العموم، أن الأحناف يعتقدون أن عموم القرآن وخبر الآحاد قطعي الدلالة، خلافًا لمالك.
وأحمد والشافعي رحمهم الله تعالى .والأحناف قالوا: إن عام القرآن تُخصِّصه السنة الآحادية، والمالكية قالوا: إن عام القرآن لا يُخصَّص بأخبار الآحاد إلا إذا جاء معه عمل أهل المدينة. وبهذا تسبَّبوا في ردِّ الأحاديث الصحيحة، لأن السنة عندهم تُخصِّص أخبار الآحاد.

 55- يُستدرك على البعلي في مسألة المنطوق، أن مفهوم الموافقة هو الحكم المسكوت عنه، وهو نوعان إما أن يكون موافقا ًلحكم المنطوق، وإما أن يكون أولى من المنطوق، فالأول يُسمَّى لحن الخطاب والثاني يسمى فحوى الخطاب.

56- يُستدرك على البعلي في مسألة العموم، أن العام والمطلق يُوجدان في الأذهان واللِّسان والبنان، أما في الأعيان فلا يوجد إلا الخاص والمقيد.

 57- يُستدرك على البعلي في مسألة المصطلحات، أن هناك ألفاظاً أصولية تَرِدُ عند الأصوليين وغيرهم يجب التنبُّه لمعناها والقصد من إيرادها مثل القياس والتحسين والتقبيح، فمنه المشروع ومنه الممنوع، ومسألة حُكم الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع، ومن المصطلحات أيضاً تكليف ما لا يطاق والأسباب، والحكمة وإثباتها. وتعليل أفعال الله، والنسخ إلى بدل.وكلها محررة تحريرا جيداً في فتاوى ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فلتراجع.

وهناك ملاحظة مهمة على عزو بعض آراء المتكلمين لغير أصحابها، فقد وهم في عزوها صاحب الروضة، وقد أحسن الملخِّص البعلي فلم يُكرِّر وهم ابن قدامة، وهي يسيرة جدًا.

مثل نسبة القول إلى الأحناف بأن الأمر يقتضي الفور، وهو لبعضهم وليس للمذهب عامة، وكذلك مسألة عزوه للقاضي أبي يعلى أنه قال: إن الزيادة على الواجب واجبة، وهذا لم يثبت عن القاضي. والله أعلم. ويبدو أن هذا الوهم سببه الإملاء من الشيخ، أو من النُّساخ.

58- يستدرك على البعلي في مسألة النسخ، أن نسخ الأمر قبل التمكُّن من الفعل جواز الوقوع. وهذا مذهب السلف وهو رأي للأشاعرة. والمعتزلة منعوا ذلك.

59- أورد البعلي ما نقله عن ابن قدامة أن الإمام مالك رحمه الله تعالى قال: “يجوز قتل الثلث لاستصلاح الثلثين!”، وهذا القول لا يصح سنداً عن الإمام مالك ،كما حقَّقه العلامة محمد بن الحسن البنَّاني (ت: 1194هـ) رحمه الله، كما في حاشيته على شرح الزرقاني على مختصر خليل.

60- من دِّقة الإمام البعلي رحمه الله تعالى في علم الأصول، تفطُّنه لوهم ابن قدامة لمَّا نَسب للإمام الشافعي رحمه الله تعالى، أنه منع من نسخ القرآن بالسنة المتواترة، والصحيح خِلاف ذلك. فقد حذف عبارة المنع من التلخيص وهي موجودة في الأصل.

61- في مسائل النسخ اضطرب رأي ابن قدامة والبعلي رحمهما الله تعالى، في مسألة الذبيح هل هو إسماعيل أم إسحاق؟!، فلم يُرجِّحا، والمسألة خلافية وفيها قولان مشهوران، ويجب على طالب العلم الإشتغال بالأنفع والأصلح لقلبه وعمله .وقد صح عن معاوية رضي الله عنه أنه حَكى خبراً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال “الذبيح إسماعيل”.وهو مخرَّج عند المفسِّرين،وقد نصَّ عليه ابن كثير في تفسيره. والمسألة لا يترتب عليها كبير فائدة ، فنقول فيها : إنما تعبَّدنا الله بإخفاء ذلك كي نشتغل بكلامه وفقه أحكامه.

62- وهم ابن قدامة والبعلي رحمهما الله تعالى في رفع حديث موضوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو: القرآنُ ينسخُ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن ،وقد نبَّه الإمام الذهبي رحمه الله على وضعه.

63- في الكتاب بعض الفوائد الطبية المتعلِّقة بالشرع، مثل هل العقل في القلب أم في الرأس؟! فقد نقل قول الإمام أحمد رحمه الله: أن العقل في الرأس، بينما ابن قدامة وجمهور العلماء يرون أن العقل في القلب.

64- كثير من الدارسين يقولون: إن ابن قُدامة في كتابه روضة الناضر ينقل ويختصر من كتاب المستصفى للغزالي، وهذا ليس على إطلاقه جُملة. لكن الذي تبيَّن لي أن ابن قدامة تأثر كثيراً بنقولات وتحقيقات القاضي أبي يعلى (ت: 458هـ) وأبي الخطاب الكلوذاني (ت: 510هـ) وابن عقيل الحنبلي (ت: 513هـ) رحم الله الجميع. وهم من أعيان الأصوليِّين الحنابلة.

65- قيمة تلخيص البعلي العلمية ،أنه حذف المكرَّر من كتاب ابن قدامة” الروضة”، واكتفى بالمهم وما له ثمرة وقيمة في الأحكام والمناظرة ومعرفة مناط الأدلة.

66- هذا التلخيص مهم لمن أراد تربية الملَكة الُأصولية، ففيه ظهرت محاولة نقد وربط رأي المذهب الحنبلي بالمذاهب المتبوعة الأخرى، وترجيح الصواب على حسب الدليل من الكتاب أو السُّنة أو الإجماع أو القياس ،أو قول الصحابي أو
حتى من أشعار العرب .وقد رأيتُ في هذا التلخيص وفي كتاب الروضة نَفَساً أُصولياً حديثياً في الردِّ على الرازي وأضرابه ،الذين يقولون: إنَّ الدليل الشرعي لا يُفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة: عصمة الرواة، وإعرابها، وتصريفها، وعدم الاشتراك، والمجاز، والنقل، والتخصيص بالأشخاص والأزمنة، وعدم الإضمار، والتقديم والتأخير، والنسخ، وعدم المعارض العقلي .وهذا قول خطير قاله بعض المتكلِّمين تفاخراً بعلومهم وفهمهم ، وكثير منهم تاب من ذلك وندم.

انتهى الدرس السادس ويليه الدرس السابع ،إن شاء الله تعالى.

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

1441/2/7