توقفنا في الدرس الفارِطِ عند توضيح مسألة العناية بالمقاصد ، وهي من المهارات المهمة التي يجب على الباحث أن يعتني بها حين النظر في الكتب الأُصولية .

ثامناً :منهج تصور المسائل الأصولية:

تصور المسائل الأُصولية لا يحصل إلا بفهم متن وشرحه وتكرار ذلك مع المذاكرة المستمرة ،حتى تقوى المَلكة.

فشروط التصور ثلاثة : فهم المتن والشرح، التكرار ، المذاكرة المستمرة.

ويُلحق بالمذاكرة: التخطيط بالقلم ورسم الفقرات الذِّهنية والتقيِّيد.

ولو جمع الراغب بين متن فقهي وأصولي ودراستهما معاً ،لكان في ذلك نفع عظيم وفائدة كبيرة جداً.

التصور يبدأ من خِلال التقسيم الذِّهني لأفكار الصفحة التي بين يدي القارىء، فكل صفحة تحتوي على فِكرة أو فكرتين يُناقشهما المؤلِّف.

 فمن خلال البحث عن المعاني المهمة في هذه الفكرة أو الأفكار، يُمكن تلخيص المعنى العام في ثلاثة أسطر ، ولو كان الطالب ذكياً يمكن اختصار السُّطور الثلاثة في سطر واحد .

وهذا لا يكون إلا بالفهم ومعرفة المقصد العام لفِكرة الفقرة ،حتى لو كان الكتابُ في مئةِ صفحة مثلاً.

لأنك لو جمعت الأفكار المهمة بعد الفراغ من الكتاب ، ستجدها يسيرة يُمكن تلخيصها في ورقتين في الغالب.

عند قراءة الصفحة ركِّز على المعاني والمقاصد، فكل صفحة لها معاني، وهذه المعاني قد يُلخِّصها المؤلِّف في فقرتين أو ثلاثة في كل صفحة من صفحات الكتاب.

وفي بداية الإقبال على علم الأصول من الخطأ الكبير القراءة السريعة لإنهاء الفصل أو الباب.

فالصواب تأمُّل الصفحة الواحدة ومعرفة الفكرة المهمة فيها ،ثم التعليق على هامش الصفحة ، لتقييِّد خُلاصة الفكرة الأصولية ،لتبقى عند المراجعة اللاحقة ، فيمكن استذكار ما تم تأمُّله وفهمه.

وحتى أؤكِّد لك أن المسألة الأصولية يُمكن تلخيصها في سطر واحد، انظر ما قيَّده يوسف بن عبد الهادي ابن المبرد(ت: 909هـ) رحمه الله تعالى من ضبط للمسائل الأُصولية المهمة في حوالي ثلاثين صفحة ، في كتابه ( مجمع الأصول)، فقد وضَّح كثيراً من المسائل في ثلاثة أو خمسة أسطر .

ومثله زكريا بن محمد الأنصاري(ت: 925هـ) رحمه الله تعلى في كتابه ( لُّب الأصول)، والجويني(ت:478هـ) رحمه الله تعالى في كتابه الورقات، وأحمد الكِناني (ت:876هـ )في بُلغة الوصول.

فهذه الكتب أصلاً رقمها مؤلِّفوها لتصور المسائل وتسهيل فهم الدلائل.

ومثل ذلك المنظومات ، كقول الناظم :

فِعل المكلَّف له أوصافُ.. لبعضه ببعضها اتصاف

فصحةٌ عزيمةٌ أداءُ .. واعكس: فسادٌ رخصةٌ قضاءُ

وقول الناظم:

والكافُ للتشبيه والتعليل.. أما مع التشديد للتفصيل

وقول الناظم:

وليس حُجةٌ على الصحابي.. رأيُ صحابي بلا ارتياب

ففي الأبيات السابقة تلخيص للمسائل الأصولية في سطرٍ أو سطرين.

والمسائل الأُصولية إما أن تكون من المتفق عليه أو المتنازع فيه .

 فإن كانت من المتفق عليه فيكون تصورها بمعرفة حُدودها وقيودها.

والحدود هي التعريفات والمصطلحات والضوابط .

 والقيود هي الشروط والموانع ،إن كان لها ذلك عند أهل العلم.

 وإن كانت من المتنازع عليه فيتمُّ معرفة موضع الإتفاق والإختلاف بينهما ،ثم حصر مسألة أو مسائل النزاع وتفنيدها على جزئيات أو مراحل ذهنية، بالدليل النقلي والعقلي، مع الإستعانة بالمفاتيح الآتية:

أ-تفسير القرآن بالقرآن أو بالسُّنة المتواترة.

ب-فهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم بفهم السلف.

ج- الإطلاع على قول أهل اللغة العربية في المسألة.

د-هل للمسألة تعلُّق بالعقيدة أم لا ؟

هـ-مراجعة التخريج الأصولي على أُصول الأئمة الأربعة إن كان ذلك ممكناً ، أو على ترجيحات أهل العلم الثقات.

و-ربط المسألة بنظائرها الأُصولية.

ز-مراجعة المسألة على الحدود والقيود والضوابط الشرعية.

وسأُقيِّد أدناه ثلاثة أمثلة للمسائل الأصولية المتفق عليها وثلاثة أمثلة للمسائل الأصولية المختلف فيها. وبالله التوفيق .

  • تصور المسائل الأُصولية المتفق عليها:

المقصود بالمسائل الأصولية المتفق عليها : المسائل التي لا نزاع ولا جدال في أحكامها وحدودها اللفظية والشرعية ، ولو وجد فيها خِلاف فيكون الخلاف فيها غير ظاهر وغير منضبط في الجملة.

 وقد يكون الخلاف فيها خلافاً لفظياً، لأنهما يجتمعان في أول المعنى وآخره ، لكن تقديم الفكرة وتوريدها عند المختلفين فيه لبس وغموض ، وهذا يسير جداً .

ومن اضاعة الوقت الإشتغال بهذه المسائل اشتغالا مبالغاً فيه، ومعرفة سبب الخلاف فيها وتحليل ذلك وتكرارها إلا لمصلحة راجحة .

  • المثال الأول: قول الجويني(ت: 478هـ) رحمه الله تعالى في ورقاته :” الأمرُ بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به كالأمر بالصلاة فإنه أمر بالطهارة المؤدِّية إليها”.

قول الجويني هذا هو قاعدة أراد استعمالها للتنبيه على أنواع الأمر الواجب . فالواجب أقسام: قسم ليس تحت قدرة المكلَّف مثل زوال الشمس. وقسم تحت قدرة المكلف لكن لم يُؤمر بتحصيله مثل بلوغ النِّصاب لوجوب الزكاة.

وهذان القسمان لا يجبان بإجماع العلماء. القسم الثالث: تحت قدرة المكلف وهو مأمور بتحصيله للقيام بالواجب كالسعي للجمعة ونحوها من الواجبات .

وهذا القسم هو مُراد الجويني لكنه نبَّه بالمثال خشية العموم فيما قبله من القسمين.

يستفاد من المثال : وجوب فعل الأوامر والواجبات على حسب استطاعة المسلم، وما لا قدرة له عليه فلا مؤاخذة عليه.

  • المثال الثاني: قال الجويني رحمه الله تعالى: ” المُجمل ما افتقر الى البيان”.

لاحظ هنا أن الجويني لم يورد التعريف اللغوي لأن معناه مقارب للمعنى الإصطلاحي فاستغني عنه.

والجويني هنا أيضاً يريد أن يُنبِّه الطالب والراغب إلى أن المعنى الشرعي أو الإصطلاحي هو الأصل الذي يجب حمل المعنى عليه وليس اللغوي. وهذه فائدة مهمة لا يُلاحظها كثير من الباحثين.

 لكن نحن هنا نقرر المعنى اللغوي لزيادة فهم المراد ،وليس لأنه هو الأصل في العمل ، فتنبَّه لهذا فإنه مهم جداً.

فالمجمل لغة : المجموع.

 مثال المجمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ” وينطق فيها الرويبضة”.

 فهذا مجمل لكن بيَّنه المعصوم صلى الله عليه وسلم بقوله : ” الرجل التافه يتكلَّم في أمر العامة” .

والإجمال له ثلاثة أسباب : غرابة اللفظ ،واللفظ المشترك الذي ازدحمت فيه المعاني، ونقل اللفظ عن معناه الظاهر لغة إلى معنى شرعي.

 فيجب على الطالب والراغب البحث عن ما يُبين المجمل إما من نص مشابه أو دليل آخر. فقول الله تعالى : ” وأحلَّ الله البيع وحرَّم الربا”(البقرة: 275) مبيَّن معناه في الحديث المرفوع: ” الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاً بمثل سواءُ بسواء يداً بيد ،فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد” أخرجه مسلم.

فيستفاد من هذا التوقف عن العمل بالمجمل على سبيل الأولية ،حتى نجد ما يُبيَّنه من الأدلة فنعمل به فوراً على حسب الدليل القائم .

  • المثال الثالث: قول الله تعالى : ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة” (الأحزاب:21).

تدل هذه الآية عند الأصوليين على أن أفعال المعصوم صلى الله عليه وسلم إما أن تكون تشريعاً على جهة الوجوب ،وإما أن تكون مندوبة ،وإما أن تكون جِبلة ،وإما أن تكون على وجه القربة ،وهذا قسمان: إما خاص به صلى الله عليه وسلم وإما لا خصوصية فيه ، وهذا هو الأصل في الأفعال النبوية ، وهو منطوق الآية الكريمة ومدلولها.

فيستفاد من هذا وجوب التأسِّي بالرسول صلى الله عليه وسلم ،فيما دلَّت الأدلة على ذلك أو ندبت إليه .

  • تصور المسائل الأُصولية المختلف فيها:

المقصود بالمسائل الأُصولية المختلف فيها: كل مسألة أصولية كثر الجدل حولها، إما بسبب غموضها أو بسبب الإتجاه العقدي في المذهب المخالف لغيره ،أو لسبب علمي يحتاج إلى زيادة بحث وتحرير.

  • المثال الأول: قول الله تعالى : ” واسأل القرية التي كُنَّا فيها”(يوسف: 82) فقد وقع فيها خلاف عند بعض الأصوليين :هل في الآية مجاز أم المراد به حقيقة السؤال؟!، فقال بعض أهل العلم: التقدير واسأل أهل القرية ، فهي من مجاز الحذف.

 وقد ردَّ عليهم ابن تيمية (ت:728هـ) رحمه الله تعالى أنه لا يجوز القول بالمجاز هنا ،حتى لا يكون سبباً لتعطيل الصفات كما فعلت الجهمية ،في قول الله تعالى : ” وجاء ربُّك”( الفجر: 22) يعني جاء أمر ربك، على حدِّ زعمهم.

وهذا تأويل فاسد ، لأنه تعطيل لصفة المجي لله تعالى، كما يليق به سبحانه.

وقد استدلَّ ابن تيمية على صحة أن المراد بسؤال القرية هو على الحقيقة وليس على المجاز ، بقول الله تعالى: ” وكأيِّن من قرية هي أشدُّ قوةً من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم” ( محمد: 13).

فيكون لفظ القرية في القرآن يُستعمل تارة في السكان وتارة في المساكن ، فلا يكون في الآية حينئذٍ مجاز كما يزعم البعض.

ويستفاد من هذا للعمل :توقِّي القول بالمجاز في القرآن إلا بدليل قويِّ من الأصلين ، وعدم الإحتجاج بالآراء الشاذة في هذه المسألة .

  • المثال الثاني :قول الله تعالى : ” يا ايها الذين أمنوا لا تقولوا راعِنا وقولوا انظرنا واسمعوا”(البقرة:104).

وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يسُم المسلم على سوم أخيه) أخرجه مسلم .

هذا النصان يستدلُّ بهما العلماء على اعتبار سدِّ الذرائع ، وهو من الأدلة الأصولية المختلف فيها.

وسدُّ الذريعة عند امعان النظر : منع الفعل المباح الموصل الى الحرام.وهذا المنع هو الحكم ، والحكم غير الدليل.

وسد الذرائع من أدلة الأحكام المختلف فيها .

 وبعض الذرائع مصلحتها قطعية وبعضها مصلحتها ظنية وكذلك المَفسدة فيها.

وأكثر المذاهب توسُّعاً في سدِّ الذرائع مذهب الإمام مالك ثم مذهب الإمام أحمد رحمهما الله تعالى.

وهناك ما اجمعت الامة على سدِّه وعلى عدم سدِّه ،وهناك ما اختلف فيه العلماء هل يُسدُّ او يُمنع؟.

ويُستفاد من هذا جواز العمل بسدِّ الذرائع وفتحها بحسب ترجيح العلماء على ضوء الأدلة القوية في المسائل ، لكن لا يجوز جعلها دليلاً مزاحماً للأدلة المتفق عليها.

  • المثال الثالث :قول العلماء: المرسل لا يحتج به.

المرسل عند الفقهاء والأصوليين: قول غير الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وغير الصحابي عندهم يشمل التابعي وتابع التابعي ومَن بعده، والمحدثون يخصونه بالتابعين ،وبعضهم بكبار التابعين. فتفسير الأصوليين أعم من تفسير المحدثين.

والعلماء في العمل بالمرسل على ستة مذاهب:

 1-حجة مطلقاً. وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد ،في أشهر الروايتين.

 2-ليس بحجة مطلقاً: وهو قول جماهير المحدِّثين بعد المائتين وكثير من الفقهاء والأصوليين، وقال به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. لكن هذالقول فيه نظر، كما سيأتي في القول الثالث.

 3-لا يُقبل إلا بأحد خمسة أمور: وهذا قول الشافعي رحمه الله تعالى،وهو مقيَّد في كتاب الرسالة (ص/461) وانظر تفصيلها في تدريب الراوي للسيوطي(1/198- وما بعدها) .

 4-يُقبل مرسل من هو من أئمة النقل دون غيره: وقال بهذا ابن الحاجب وابن الهمام وابن الساعاتي.

 5-التفصيل :فإن كان المرسل من أهل القرون الثلاثة قبل مطلقاً، سواء كان من أئمة النقل أم من غيرهم: وقال به جماعة من العلماء مستدليل بحديث : ” خيرُ الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجي أقوام تسبق شهادتهم أحدهم يمينه ويمينه شهادته”متفق عليه.

 6-تُقبل مراسيل سعيد بن المسيب دون غيرها:

وهذا قول الجويني كما في البرهان(1/408) .

فالواجب هنا لتحرير هذه المسائل ومثيلاتها :

معرفة مواضع الإتفاق والإختلاف بينها ،ثم حصر مسألة أو مسائل النزاع وتفنيدها على جزئيات أو مراحل ذهنية بالدليل النقلي والعقلي ، مع الرجوع لكلام العلماء الثقات في مصنفاتهم في أبواب الشريعة.

وبلا شك أن هذا يتطلَّب التدريب والصبر على الدِّراسة حتى تقوى المَلكة وتتسع وتُثمر، وقبل ذلك كُّله الإعانة من الله تعالى.

انتهى الدرس الخامس ويليه الدرس السادس إن شاء الله تعالى .

هذا ما تيسر تحريره والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

1441/2/2