توقفنا في الدرس الفارِطِ عند مسألة أهمية الِّلسان العربي في صقل المَلكة الأُصولية، وفي هذا الدرس نستكمل بقية مسائل دروس تأسِّيس الملكة الأصولية .

رابعاً: عوائق المَلكة الأصولية :

المشهور عن عِلم أصول الفقه عند الراسخين فيه ) أن الجاهل به هو العاميُّ بين العلماء ) .

 فمن كان جاهلاً به فلا يُوثق بعلمه وﻻ بفقهه ولا بفتواه .

وهناك عوائق تحول بين المَلكة الُأصولية يجب توقِّيها والحذر من الوقوع فيها عند البحث والنظر في العلم : 

1-عدم معرفة مَأخذ الدليل:

يُقصد بعدم معرفة مأخذ الدليل: الجهلُ بموقع الشاهد الأُصولي في النصِّ المراد الاستدلال به.

مثال ذلك: الواجب الكفائي، هل يأثم المسلمون لو ضيَّعوه؟ الجواب نعم، لقول الله تعالى : ) إلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( [التوبة: ٣٩ ].

والمأخذ هنا هو: أن التخلُّف عن النفير لا يَسع الناس، فيجب على طائفة منهم، كما قال الإمام الشافعي(ت:204هـ ) رحمه الله تعالى.

فيجب على من أراد التقوِّي في عِلم الأصول والفقه معاً، معرفة مأخذ الدليل، ولا يكون ذلك إلا بالتدبُّر وكثرة المِران على التطبيقات الأُصولية .

 

2-التقليد:

يُقصد بالتقليد: المتابعةُ للفهم الخاطئ في الحُكم على الحوادث بلا مراجعة لأهل العلم، وبلا تثبُّت أو فحص لمصنفات العلماء الثِّقات قديمًا وحديثًا، وعرض ذلك على نصوصِ الوحيين.

مثال ذلك: متابعة بعض المفكِّرين المعاصرين في دعوتهم إلى اعتماد الفهم المقاصِدي بدل الفهم النصِّي عياذًا بالله تعالى، فالنُّصوص عندهم يجب أن تُفهم وتؤوَّل على ضوء المقاصد: العدل – التوحيد – الحرية الإنسانية، ونُصوص الحديث يُحكم على صِحَّتها أو ضعفها، لا بحسب منهج المحدِّثين في تحقيق الروايات، وإنما بحسب موافقتها أو مخالفتها للمقاصد.

ويمكن تأُّمل هذا الانحراف الفكريِّ الُأصولي في كتابات حَسن الترابي وراشد الغنُّوشي، وغيرهما من التنويريِّين المعاصرين .

فحسن الترابي (ت: 1437هـ) مفكِّر عقلاني، مجدِّد عند أتباعه، وله شطحات فكرية وشرعية خطيرة مثل: إنكاره حدِّ الردة، وزعمه أن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كان عابدًا للكواكب، وردِّه بعض أحاديث صحيح البخاري، وإنكاره نزول عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وإنكاره لعقيدة الولاء والبراء، وغيرها من الطامات. وله كتاب اسمه ” تجديد أُصول الفقه ” نَشر فيه بعض خُرافاته وشبهاته.

 وقد ردَّ عليه كثيرٌ من عُلماء السودان وعلماء المسلمين عمومًا، عامله الله بعدله.

ويكمن انحراف حسن التُّرابي في اعتماده على عقله وحَدسه، وتحقيره لمنهج السلف الصالح، ونبذه لأُصول العلوم الشرعية التي وصلت إلينا بالأسانيد الثابتة كالعقائد والأحاديث الصحيحة، وتعاليه على مُصنَّفات العلماء التي حفظها الله إلى يومنا هذا.

انظر: الصحوة الإسلامية، ورؤية نقدية من الداخل، منير شفيق و5 آخرون، (تحليل للعناصر المكوِّنة للظاهرة الإسلامية بتونس، الغنوشي)، بيروت للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1990م، ص66. وينظر في افتراءات حسن الترابي: حسن الترابي- آراؤه واجتهاداته في الفكر والسياسة، محمد الهاشمي الحامدي، دار المستقلة، لندن، 1996م. ولقاء صحيفة المحرِّر مع الترابي، العدد 263، آب، 1994م، مناقشة هادئة لبعض أفكار الدكتور الترابي، أمين الحاج أحمد، مركز الصفّ الإلكتروني للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، 1995م.

أما راشد الغنُّوشي فهو مفكِّر وفيلسوف تونسي معاصر، درس الفلسفة في السوربون الفرنسية، يتبنَّى الفكر الناصري ويشيد به، ويثني على الثورة الخمينية ويمجِّد رموزها، له أطروحات غريبة عن المرأة والديمقراطية، ويرى ضرورة الجمع بين الإسلام السياسي والحرية العلمانية.

ويكمن انحراف الغنوشي في اعتماده على الأطروحات الفلسفية المضلِّلة التي دسَّها الغرب في الدراسات الاستشراقية، كالتصوف والعلمانية والحُكم والدولة الإسلامية، وغيرها  .

انظر: الحريات العامة للغنوشي، وهو أهم كتبه. وانظر: حرَكة النهضة الإسلامية في الميزان / بحث مؤصَّل في موقع الدُّرر السنية:

https: //dorar. net/article/1026.

 

3-ضعف الفهم:

يقصد بضعف الفهم قصور الإدراك عن الإحاطة بمقاصد النصِّ أو المعنى المقصود في دلالة المسألة أو الدليل نفسه. وأو هنا للتنويع لا للتردُّد.

مثال ذلك: قول الله تعالى: ) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ([الأعراف: 55].

 قد يَفهم منها بعضُ الناس وجوب أو جواز الاجتماع على ذِكر الله أو على وِردٍ معين بهيئة جماعية، كما يَفعلُ أهل الطُّرق الصوفية.

وهذا المعنى غيرُ مُرادٍ لأن العبادات توقيفية، فلا يُشرعُ منها إلا ما بينَّه كتابُ الله بيانًا جليًا، وبيَّنه صحيح السُّنة وعقله العلماءُ وعلَّموه للناس.

فالدعاء مأمورٌ به، لكن هيئته وصورته يُتبَّع فيها ولا يُبتدع، وهذا مبسوطٌ في كتب الحديث وفي كتب السُّنة، فلا يجوز إسناد معناهُ إلى هوى الوعاظ والقُصَّاص .

 

4-الاقتصار على النظر في المختصرات:

بعضُ طلبة العلم وبعض من يدَّعي الفقه يعمد إلى متنٍ مختصر في الأُصول، فيبني عليه أحكامًا ولوازم قد تكون غيرُ مستوفاة المعنى والمآل، فتقع من ذلك مفاسد لا حَصر لها على الفرد والناس، كتخريج الفتوى بناءً على المتن الأصولي لا على الدليل، وتأسِّيس ذلك الحكم على القريب والبعيد فيصبح من المسلَّمات اليقينيات.

ولهذا قال ابن القيِّم (ت: 751هـ) -رحمه الله-: “الألفاظ لم تُقصد لذاتها، وإنما هي أدلة يُستدلُّ بها على مراد المتكلِّم”  . إعلام الموقعين(/345) .

والمقصود أن الباحث يلتفت للمعاني والمقاصد المرادة للشارع الحكيم، ولا يجعل نظره وبصيرته منصرفة للفظ المجرَّد بعض النظر عن فحواه ومغزاه.

مثال ذلك: يَستنبطُ بعضُ طلبة العلم من مختصرٍ في الأصول أن مس المصحف يجوز من غير طهارة. وحُجتهم في ذلك بعض الأدلة الضعيفة، أو البناء على استنباطات ضعيفة، فيكون الحكم مغلوطًا لا يجوز الاحتجاج به.

وعلاقة المثال بالمختصرات أن الحفظ للمختصر لا يكفي، فلا بد من بناء الدليل والتعليل على الحكم ومعرفة مقصد الماتن بالرجوع إلى المعلِّم أو الشرح،  ليكون العلم عن بصيرة.

والصحيح في المسألة: أن مسَّ المصحف لا يجوز من غير طهارة كما حقَّقه العلماء .

وهذه النتيجة لا تحصل من المختصرات المجردة من الأدلة والتعليل، إنما من تحقيق العلماء في شروح الأحاديث ودراسة المسائل في الكتب المبسوطة.

 

5-الخطأ في فهم التعابير الأصولية:

ويُقصد بذلك عدم الدِّقة في استخراج التعبير المراد في المسألة أو الدليل. مثال ذلك: النسخ عند المتقدِّمين: يُقصد به البيان، والاستثناء والشرط والصِّفة. وعند المتأخِّرين: رفعُ الحكم بخطابٍ متقدِّمٍ بخطاب متراخٍ عنه.

فيجبُ فهم المصطلحات والتعابير الأصولية ليكون الإدراك مطابقًا لمعناها الصحيح.

وكذلك من الضروريِّ فهمُ عبارات الأصولييِّن في كتبهم سواء في سِياق الاحتجاج، أو في سياق التقرير لمعاني الأدلة، فلا بد من تأمل المراد كما وضعوه هم، لا بفهم غيرهم ، ليصلَ الباحثُ للمعنى بلا لبَس أو زلَل.

 

6- الحَيدة عن المرجِّحات:

المرجِّحات هي النتائج التي اتفق الأصوليون على معناها، لأنها هي الفيصل في هضم المادة العلمية الفقهية والأصولية، فبدون معرفة المرجِّحات تبقى النتائج المستنبطة كلامًا لا قيمة له.

فإذا حاد الباحثُ عن المرجِّحات عمدًا أو سهوًا فقد فاته الظَّفر بمطلبٍ عزيز سيندم عليه عاجلًا أو آجلًا.

مثال ذلك: مِن الناس من يُرجِّحُ قبل الجمع بين الأدلة لحاجة في نفسه، أو للانتصار لطائفةٍ أو عالمٍ أو بلدٍ ما، ونحو ذلك من الأغراض النفسانية.

فالصحيح أن الجمع مُقدَّمٌ على الترجيح، ولا يجوز الترجيح بلا دليل صحيح، بل هو باطل. ثم إن العمل بالظن الذي لا يُعلمُ رُجحانُه ممنوعٌ شرعًا وعقلًا، كما هو مُقرَّر عند الأصوليِّين، كما في الرسالة للشافعي.

ومن الأدلة على ذلك المسألة الفقهية التي طال الجدل حولها

 وهي مسألة ضع وتعجَّل، وهي مشهورة عند أهل العلم، ويروى أن النبي قال لبني النضير وأراد أن يُجلِهم واشتكوا أن لهم ديوناً عند الناس ، قال: ” ضعوا وتعجَّلوا ” رواه الحاكم في مستدركه ، وصحَّحه ابن القيم في إغاثة اللهفان ، فليراجع . 

فالصواب أنه يجوز إذا قال المدين أنا أعطيك حقَّك دفعة واحدة ولكن قلِّل لي من الدَّين ، والدَّين مثلاً أربعة آلاف على أربعة أعوام، فقال: أنا أنجزه لك إذا وضعتَ عنِّي ألفاً، فقال صاحب الدَّين: نعم أنا أضع عنك ألفا وأعطني ثلاثة آلاف ، وأُنهي ديني معك .

الراجح أنه جائز، لأن هذا فيه مصالح تعجيل الحق وبرآءة الذمة ، وفي المسألة خلاف بين العلماء .

 

7-ترك المذاكرة وربط المسائل:

المقصود بالمذاكرة دوام مراجعة المسائل، لأن الانقطاعَ عن النظر في الكتب الأصولية والفقهية يُضعف الذِّهن ويُورِث البلادة. وربط المسائل بعضها ببعض مهم جدًا لتحقيق حفظ المسائل وفهمها فهمًا متكاملًا مترابطًا.

والمذاكرة قد تكون لمتنٍ كامل مشروح شرحاً متوسطاً ، أو تكون لأبوابٍ معينة كل باب على انفراد .

مثال ذلك: إذا ترك النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- السؤال عن تفاصيل واقعة معينة، ففي هذا دلالة لعدم السؤالِ عن عُموم حُكمها. كتركه -صلى الله عليه وسلم- سؤال من أسلم على عشرة نسوة: هل عَقد عليهن معًا أم لا؟ . أخرجه الترمذي بإسناد صحيح .

وهذا المثال يمكن أن يُستخرج منه: حُكم ترك الاستفصال في حِكاية الحال، وحُكم دخول العبد في الخِطاب العام، وحُكم دخول النِّساء في الخطاب العام، ونحوها من المسائل.

وكذلك يستطيعُ الباحثُ ربط النص والظاهر والمؤوَّل والمجمل والمبين بحكم تأخير البيان عن وقت الحاجة أو عن وقت الخطاب، وكذلك ربط العام والخاص بالتخصيص، وربط المنطوق والمفهوم بالدلالات وشروط العمل بمفهوم المخالفة.

 

8- الإعراض عن مقاصد الشرع:

مقاصد الشرع يُقصد بها ما نَبَّهت النصوصُ الشرعية إلى أهميِّته وشدَّدت في العناية به. مثل: حفظ الدَّين والنفس والعقل والنسل والمال. مثال ذلك: عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال للصحابة في شأن صلاة التراويح: “… ولم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أنني خشيتُ أن تُفرض عليكم” .

 قال ابن حجر: “… خَشي من مواظبتهم عليها أن يَضعفوا عنها، فَيعصي من تركها بترك اتِّباعه” ، وأمثال هذا كثير في السُّنة النبوية. (فتح الباري3/13) . 

فمن أعرض عن المقاصد في فتاويه أو أقضيته فقد زلَّ وظَلم نفسه وجَنى على غيره.

 

9- عدم إتقان آلة الاستنباط:

المقصود بآلة الاستنباط: أن يكون الباحثُ حاذقاً لمعاني الأحكام ومآلاتها، ومحيطًا بقدرٍ لا بأس به بالمفاهيم العامة لعلم الأصول، وقَّافاً عند مقاصد الشريعة، عارفاً بالعربية وبلاغتها ومعانيها، عنده صبرٌ وجَلدٌ لمراجعة المباحث والمسائل في مظانهّا .

مثال ذلك: قول الله تعالى: )وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا([الأحقاف: ١٥]، هي من المنطوق غير الصريح، وفيها دلالة الإشارة، لأن اللفظ يدلُّ على معنى ليس مقصودًا في الأصل، ولكنه لازم للمقصود، فَيستفاد أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لقول الله تعالى: ) وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ([لقمان: ١٤].

ومن الأمثلة أيضًا: أن لفظ الفقير إذا أُطلق دخل فيه المسكين لقول الله -تعالى-: )وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ([ البقرة: ٢٧١]، ولفظ المسكين إذا أطلق دخل فيه الفقير لقول الله تعالى: ) فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ([المائدة: ٨٩].

ومن الأمثلة أيضًا قول الله تعالى: ) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ([الأنبياء: ٧٩].

 فيها دلالة أن داود وسليمان -عليهما السلام- اختلفا في حُكم واجتهدا، فلم يكن خِلافهما في نصِّ أو وحي، بل في حادثة يسعُ فيها الاجتهاد والنظر.

 

10-القراءة الصُّورية المجرَّدة:

المقصود بالقراءة الصُّورية المجردة: القرآءة بلا ضبط أو ربط أو تحرير، أو إتقانٍ للمعاني والحدود الواردة في المبحث أو المسألة الأصولية أو الفقهية.

فلا يكفي في أصول الفقه: النظر المجرد أو القراءة السريعة أو مطالعة فهارس الكتاب، بل لا بُدَّ من التدبُّر وكشف الغامض وتحرير معناه ودليله إن كان له دليل.

مثال ذلك: من يستدلُّ بعدم وقوع الغرامات والقضاء على الناسي والمخطىء والنائم، تخريجًا على أن الإثم مرفوع عنهما للأحاديث الدالَّة على ذلك.

والصحيح وجوب الغرامات والقضاء كما حرَّره ابن قدامة(ت: 620هـ)رحمه الله في روضة الناضر(3/90)  .

وهناك مسائِل أُصولية يقع الخلطُ فيها لالتباسها بغيرها ولدقِّتها مثل: العِلَّة والمناط، المناسبة وقياس الشبه، النصُّ والإيماء والتنبيه، الدوران والسبر والتقسيم، والسبب والشرط والمانع.

هذه مُجمل أهم العوائق الصادَّة عن الملَكة الأُصولية، ويُمكن أن يُلحق بها حِسَّاً: المذاكرة عند تغيُّر المزاج، البحث في مكان لا يُساعد على المذاكرة، الحِفظ في مكان يُشغِلُ القلب، إهمال النظر في مراتب العلم ، ومحاولة الصُّعود قبل النُّضج، ونحوها من المؤثِّرات. والله أعلم.

 

خامساً : هل نبدأ بالمتون الأٌصولية ، أم بالمتن مع الشرح ؟

البدهي أن المتن يسبق الشرح في الفهم والإستظهار .

 لكن لو جمع بين متن في الفقه ومتن في الُأصول  لكان أولى وأسلم،  حتى لا يقع في الدور الشرطي المعروف عند الأصولييِّن والمناطقة .

والاستعداد النفسي والذِّهني لتحصيل المَلكة الأصولية ، يختلف من إنسان إلى آخر. فيجب على كل إنسان أن يعرف قدراته ومهاراته .

 فبعضُ الناس لا يستطيع أن يفهم سطراً من كتب الأُصول إلا بالعودة إلى الشُّروح. والبعض الآخر يفهم شطراً من المسائل ولا يفهم الشطر التالي.

 فالواضحات والمقفلات من المسائل متساوية أو متقاربة في ذهنه .

 والحل لهذه المعضلة هو ملازمة مُعلِّم أو طالب فطن يساعد على اختيار الأنسب من المناهج والأساليب ، بحسب المكان والزمان.

وملازمة المعلِّم يجب أن تكون مصاحبة لجرد المتن وفهمه من أوله إلى آخره.

والذي أُرشِّحه لنفسي ولمن يقرأ هذه السطور – ولا أُلزم به أحداً – أن البداية تكون بفهم المتون فهماً مُتوسطاً،  ثم مراجعة الشروح رويداً رويداً .

 والأهم من المتون : بلغة الوصول للكناني ، ثم الورقات للجويني ثم مختصر روضة الناضر للبعلي ثم المختصر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد لابن اللحام ، ثم مختصر منتهى السُّول لابن الحاجب،  ثم البلبل للطوفي ، ثم القواطع للسمعاني ، ثم مذكرة الشنقيطي ،ثم شرح الكوكب المنير لابن النجار ،  ثم البحر المحيط للزركشي .

فهذه الكتب العشرة من فهمها وراجعها وأدمن النظر في مباحثها، فهو من الراسخين في عِلم الأصول ، ولن تصعب عليه شاردة ولا واردة في هذا العِلم المبارك ، إن شاء الله تعالى.

ويمكن استبدال هذه الكتب بمنظومات أصولية أو مقررات مناسبة على منهج أهل السنة والجماعة ، يختارها المشرف على الدرس أو المتأهِّل في المجلس الأصولي .

بعد أن تَتم قراءة المتن ، أو المتن والشرح معاً ، يقوم الطالب أو الباحث بإحضار دفتر أو كراس خاص يسميه ( المذكرة العلمية )، ويقسم الصفحة بالقلم عمودياً إلى قسمين : يَكتبُ في أعلى العمود الأول على اليمين ( الفائدة النظرية ) ، ويكتب على يسارها في العمود الثاني ( تطبيق الفائدة النظرية ) .

الفائدة النظرية هي ما يفهمه من الدرس أو ما يتخيَّل أنه المراد .

والتطبيق هو الترجيح عند العلماء أو الجمهور في المسألة ، ومعها محلُّ العمل وثمرة البحث . والفائدة النظرية قد تؤخذ من كتاب أو أكثر وكذلك التطبيق يؤخذ من كتاب أو أكثر بحسب المتيسر للباحث .

هذه المنهجية تجمعُ بين العِلم والعمل وبين الدليل والتعليل وبين الخِلاف وثمرته . ولا يُمكن نِسيان العلم بهذه المنهجية ولو عاش الإنسان مئة عام إن شاء الله تعالى .

وسوف أسرد هنا عشر فوائد نظرية وتطبيقية على هذه المنهجية للتقريب ، لمن أراد أن ينسج على منوالها ويستفيد منها  :

أ-المانع:

الفائدة النظرية : المانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته .

 التطبيق : الدَّين ، يلزم من وجوده عدم وجود الحكم وهو وجوب الزكاة ، ولا يلزم من عدم الدَّين الزكاة أو عدمها .كالغني والفقير وحالهما في وجوب الزكاة وعدمها .

ب-لا تصح الصلاة بالقرآءة الشاذَّة :

الفائدة النظرية : كل قرآءة لم يوجد فيها صحة النقل وليست فصيحة ولم يقرأ بها القراء السبعة المشهورون .

التطبيق : القرآءة الشاذة ليست بقرآن ، ولا تصح الصلاة إلا بقرآن .

ج-الاضطجاع بعد أذان الفجر :

الفائدة النظرية : ورد فِعلُ الإضطجاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم.متفق عليه .

التطبيق : يندبُ فعلها ولا يجب ، لكن لم نقف على دليل أنه صلى الله عليه وسلم فعلها قُربةً .

د-البيان بالإشارة :

الفائدة النظرية : يحصل البيان بالإشارة وبغيرها من الوسائل الشرعية .

التطبيق : إشارة الأبكم للدلالة على فِعل معين .

ه- الأمر لا يكون للوجوب دائما ً :

الفائدة النظرية :الأصل في الأمر أنه للوجوب إلا لقرينة .

التطبيق : القرينة القوية : النص ، الإجماع ، القياس ، المفهوم،  المصلحة ، الضرورة .

فهذه القرائن تصرف الأمر لغير الوجوب . وهذا لا يقول به إلا المجتهد وليس المقلِّد .

و- إرادة العموم بالاستفهام :

الفائدة النظرية : العموم له صِّيغ كثيرة منها الإستفهام .

التطبيق : مَن عِندك ؟ ، فأنت هنا أردتَ العموم بلفظ الإستفهام.

ز-النافي للحُكم يلزمه الدليل :

الفائدة النظرية : من نفى حُكماً لزمه دليل النفي أو اثبات الحجة .

التطبيق : نفي الحكم دعوى ، والدعوى لا تثبت إلا بدليل.

 

ح-التحسينيات تُعد ُّمن المصالح المرسلة :

الفائدة النظرية : لا تتوقف الحياة على معرفة هذا القسم من المصالح.

التطبيق : المنع من الإسراف في كل شي .

ط- الإجماع في الأمور الدُّنيوية :

الفائدة النظرية : الإجماع على مصلحة دنيوية .

التطبيق : لا يُعمل بالإجماع في الأمور الدنيوية ، لأن المصالح تختلف بحسب الأحوال .

ي –التزام مذهب معيَّن من المذاهب الفقهية :

الفائدة النظرية :يجوز ، لكن أحيانا لا يلزم ، وقد يُكره .

التطبيق : الأصل اتباع الدليل الصحيح في أيِّ مذهبٍ من المذاهب الفقهية ، وما كان سبباً للفرقة والتعصُّب لإمام ، فلا يجوز .

ويجب التفطُّن أنه ما من مسألةٍ أصولية في الغالب إلا وفيها خلاف ، أو هي محلُّ بحث من القدامى والمتأخِّرين .

 فلا يصح للطالب العجلة في اقرار مسألة إلا بعد نظرٍ وتأمُّل طويل . والمسائل السابقة في بعضها خِلاف وترجيح ، فليتنبَّه الباحث لهذا ويقيس عليه عند مذاكرة المسائل.

ويستطيع الباحث أو الطالب خلال التأسِّيس أن يستوعب ويفهم من خلال التركيز : على تحرير الأدلة والمصطلحات والآراء والقواعد .

 ثم بعد ذلك : يُحلِّل ويطبِّق ويُقوِّم ما حفظه أو فهمه .

وهذا ما يُسمِّى باستراتيجية التعلُّم الحديثة .

وفي الدروس القادمة سوف أُفردُ مبحثاً عن كيفية التعامل مع الكتب الأُصولية ومهارات البحث فيها . نسأل الله الإعانة والسداد .

انتهى الدرس الثاني ويليه الدرس الثالث إن شاء الله تعالى .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

 

1441/1/13