رابعاً: ملاحظات على نشر البنود :
صنَّف العلامة العلوي رحمه الله تعالى شرحاً أُصولياً ماتعا ًعلى منظومته وسمَّاه : ” نشر البنود على مراقي السُّعود ” ، وهو شرح نفيس مملوء بالفوائد الأصولية والُّلغوية.
والكتاب عليه ملاحظات منهجية وعلمية كحال غيره من كتب الناس ، والغاية من الملاحظات تعزيز الانتفاع به ، ونقد مسائله من باب المذاكرة ومدارسة العلم.

وهذه الملاحظات في تقديري لم يتعمَّدها المصنف ، إنما وقعت له سهواً أو من عدم المراجعة .
وقد قال في فاتحة شرحه نشر البنود : ” ..حتى لا يعدلهٌ كتاب في الإيضاح وتحرِّي الصواب ” ، فالمصنِّف قصد الحق والصواب لكنه لم يُوفَّق لتمامه .

( أ ): الملاحظات المنهجية :
يُقصد بالملاحظات المنهجية ما يتعلَّق بالتبويب والترتيب وطريقة العَرض والبناء ، وكيفية تناول المسائل في مباحث الكتاب .

1-لم يُبيِّن المصِّنف العلوي رحمه الله تعالى في مقدِّمة كتابه هل الكتاب في أصول الفقه المقارن أم في أصول الفقه المالكي لا غير ؟ .
قد يُفهم المنهج العام من الطالب النبيه ، لكن تجلية المنهج من المصِّنف مهمة للدارس ، حتى يتصور المعنى العام للكتاب وفوائده على أكمل وجه.
وقد أشار في المقدِّمة إلى مصادره ، لكنه لم يوضِّح كيفية بسط معاني المنظومة وعلى أيِّ الأُسس الأصولية ؟!.

ويلاحظ أنه ينتصر للمذهب المالكي في أغلب الأحيان ، وذكر في آخر شرحه للمنظومة أن الخلاف بين مالك وأبي حنيفة في (32) مسألة ، فهذه الفوائد قد تُساعد في معرفة منهجه العام في مقارنته بين المذاهب ونقدها، وإن كان عرضه بشكل عام يغلب عليه الإنصاف .
وهناك مسائل اختلف النقل فيها عن الإمام مالك وهي محلُّ اجتهاد من المحقِّقين ، وعددها خمس وعشرون مسألة ، فليته نبَّه عليها في أول الكتاب أو في آخِره .

2-لم يُنبِّه المصنِّف في نشر البنود على الآراء الشاذَّة في المسائل الأصولية وهي كثيرة ، والظاهر أن بعضها يُوردها لفتق الذِّهن أو لشحذ الهمة ، وحكاية الخلاف أحياناً لا تكفي لبيان الشذوذ من عدمه .فليته نبَّه على ذلك !.
والمقصود بالشاذ : ما كان خالياً من دليل صحيح ، وليس عليه الإجماع ، وليس عليه العمل والفتوى .
والعلوي رحمه الله تعالى يُلاحظ في كتابه أنه مُتردِّد في رواية الشاذ ، فتارة يقول به وتارة يتوقف عنده بحذر ، كما في شرح قوله:
وقدِّم الضعيف إن جرى عمل .. به لأجل سبب قد اتصل
وعند شرحه لقوله :
ومن لم يكن بالعلم والعدل اشتهر..أو حصل القطع ..الخ

ومن أمثلته عند المصنِّف مما أورده ولم ينبِّه على شذوذه : استحسان المجتهد بعقله ، وينظر في تأصيل المسألة( المنخول للغزالي/ص477- وما بعدها)، افادة الجمع المنكر للعموم .

وينظر في تأصيل المسألة(تلقيح الفهوم للعلائي/ص349- وما بعدها) ، منع استثناء الأكثر، وينظر في تأصيل المسألة (قواطع الأدلة للسمعاني1/442)، أقل الجمع اثنان ، وينظر في تأصيل المسألة (البرهان للجويني 1/349) .

منع الترادف في اللغة، وينظر في تأصيل المسألة (شرح العضد على مختصر ابن الحاجب1/134) .
هذه أمثلة يسيرة ، ونظائرها في الكتاب كثير.

3- عدم التوسُّع في ثمرة المسائل :
المصنِّف في نشر البنود أورد بعض ثمرات المسائل لكنها قليلة جداً ، في نحو عشر مسائل ، فليته أتم ذلك في جميع مباحث الكتاب ، حتى يكمل الانتفاع به انتفاعاً مستوعباً ، ومن أمثلة ذلك عنده ما ذكره عند قوله:
وهي في فرض الكفاية فهل.. يسقط الإثم بشروع …

ولم يبيِّن العلوي في النشر المسائل الأصيلة والدخيلة في علم الأصول ، فهذه من مهمات المعلِّم في الدرس الأصولي ، فهناك مسائل ليست من علم أصول الفقه ، فهي إلى علم الكلام أقرب.
وقد أشار إلى هذا التنبيه العلامة طاهر الجزائري (ت: 1338هـ) ,والشوكاني (ت:1255هـ )رحمهما الله تعالى في توجيه النظر (ص/237) ومنتهى الأرب(ص/174) فليراجع.

4- الاطالة في بسط معاني أبيات المنظومة :
وهذه تُلاحظ في وسط الكتاب وربعه الأخير .
وسببها يعود في نظري إما إلى إملاء المصِّنف الكتاب ، وعليه فلا يُمكن الضبط لعدم مشاهدة المكتوب، وإما بسبب كثرة النُّقول عن أهل العلم لتوضيح المسائل الأصولية.

وهذه الإطالة وإن كانت مستحسنة أحياناً ، لكنها غير منهجية في كتب الأصول ، لأنها تحول بين المعنى والفهم عند كثير من الطلبة ، وهذا سبب اختصار الكتاب وتنقيحه من كثير من علماء موريتانيا .

5- قَصر عِلم الأُصول على الأحكام:
من الخطأ أن نقول إن اصول الفقه يبحث في الفقه فحسب ، بل يبحث في الأدلة اجمالاً ، سواء كانت في الفِقه أو في المعتقد أو في السِّيرة أو السلوك .
والعلوي رحمه الله تعالى غلَّب الجانب البحثي العقلي والنقلي على الجانب الأُصولي التربوي ، وهذه المعضلة ليست عند العلوي فحسب ، بل عند كثير من المشتغلين بعلم الأصول قديماً وحديثاً.

ومن فوائد شمول أصول الفقه للأدلة والأحكام والمعتقد والسُّلوك: توجيه القارىء إلى معاني العبودية الصحيحة ، وضرورة التسليم لله تعالى ، بالأقوال والأفعال والجوارح ، وعدم تقديم الدليل العقلي على الدليل النقلي إلا بما أمر الله ، أو أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتهذيب النفس من الرياء والغرور والغش ، ونحوها من الأخلاق المرذولة.

وهناك أمارات في نشر البنود لرقم هذه الشمولية ، لكن النزعة الصوفية عكَّرت صفوها ، كما في استشهاد المصِّنف بلفظ الشاذلي (ت: 656هـ)عند قوله :
بجائز بل ذاك للتشريع.. أو نية الزلفى من الرفيع
وقد قال الذهبي رحمه الله تعالى : ” له عبارات في التصوف مُشكلة تُوهم ، يُتكلَّف له في الاعتذار عنها ” !.
(العِبر في خبر من غبر3/282) .

( ب ) : الملاحظات العِلمية :
يُقصد بالملاحظات العلمية ما غفل عنه المصنف رحمه الله تعالى ،أو زلَّ فيه قلمه ، أو رقمه على خِلاف المراد الصحيح ، أو وهم فيه .

1-التعميم في نسبة الأقوال :
الشرح مقتبس ومنتخب بتصرف من سبعة مصنفات أصولية أصيلة ، أورد هو أسماء مؤلِّفيها الأعلام وهم :
أ-ابن أبي شريف (ت: 906هـ)
ب-زكريا الأنصاري (ت: 926هـ)
ج-ناصر الدين اللقاني (ت: 908هـ)
د-محمد بن أحمد المحلي ( ت: 864هـ) .
هـ-ابن حلولو (ت: 898هـ)
و-أحمد بن إدريس القرافي(ت: 684هـ)
ز-أحمد بن قاسم العبادي(ت: 994هـ) .
رحمهم الله تعالى .

فكتاب نشر البنود انتخب المؤلِّف فيه نفائس كتاب جمع الجوامع وحواشيه ،وهناك كتب أُخرى أفاد منها العلوي ولم يصرِّح بها ، إما لعدم شهرتها أو لأنها عزيزة لا تُعرف.

وانتخاب الفوائد ليس عيباً أو نقصا ، بل هو من الاتجاهات العلمية النافعة .
والمصِّنف العلوي رحمه الله تعالى يُؤخذ عليه أنه يكثر النقل ويورد المسائل الأصولية في كثير من المسائل بالواسطة ولا ينقلها بالمباشرة من الكتاب الأصلي .

والذي فهمته أن نشر البنود كان مرجعاً خاصا للناظم نفسه ، فكان يوردُ النُّقول لمراجعتها والإفادة منها في تدريس طلبة المحاظر الموريتانية .
ومن أمثلة ذلك قوله:
خطاب واحد لغير الحنبلي .. من غير رعي النص والقيس الجلي
قال في النشر :
” وذهبت الحنابلة إلى أن خطاب الواحد ومـا في معناه يعم الأمة عادة، لجريان العادة بخطاب الواحد وإرادة الجميع فيما يتشاركون فيه “.
فهذا القول منقول بمعناه عن العلامة المحلِّي ، من غير عزو من المصنِّف لكتاب من كتب الحنابلة .

ومثل ذلك قوله في المنظومة :
وعلَّلوا بما خلت من تعدية.. ليُعلم امتناعه والتقوية
فقد قال في النشر : ” المالكية والشافعية والحنابلة جوَّزوا التعليل بالعلة التي لا تتعدَّى محلَّ النص وهي العلة القاصرة ” .
ومثل ذلك قوله في المنظومة:
والعبد والموجود والذي كفر.. مشمولة له لدى ذوي النظر
فقد قال في النشر : ” وقال الحنابلة بتناولهم بالصِّيغة…”.

والمقصود من هذا أن ذلك عزو للحنابلة من غير تسمية إمام بعينه ، أو كتاب معروف عند الحنابلة يصدرون منه آرائهم ، والحنابلة لهم انفرادات وأقوال متباينة ، فمن غير المناسب أن يُنسب القولُ إليهم جملةً .

والعلوي رحمه الله تعالى وإن لم تكن من عادته العزو للكتب في شرحه ، فإن الأولى والأكمل أن ينسب الأقوال لقائليها في المصادر ، لأن أقوال الحنابلة تختلف فيما بينهم في الجملة في النظر إلى المسائل الأصولية .

ومما يقوِّي هذه الملاحظة أن العلوي في آخر منظومته قال :
ثم التزام مذهبٍ قد ذُكرا.. صحة فرضه على من قصرا
فيستفاد من المعنى العام للبيت أن العزو للمذهب يستلزم معرفة أقواله بأعيانها .
وأئمة الحنابلة كثيرون ولهم اختيارات أصولية متعددة.

فعند العزو إليهم لا يُصرِّح بأسمائهم ، ولم يُذكر اسم الإمام أحمد في الكتاب سوى ثلاث مرات ! ، بينما ورد ذكر مصطلح الحنابلة أربع عشرة مرة .
والأمثلة على هذا كثيرة جداً منها عند شرحه لقوله :
يُبنى عليه القلبُ والطلاق..بكا سقني الشرابَ والعتاقُ
فقد أورد في النشر قولا للمازري ثم للأبياري ثم للماوردي ثم للعبادي رحم الله الجميع ، وهم مالكيان وشافعيان.
ومن الأمثلة أيضاً قوله :

وبتضمن الوجوب فرقا.. بعض وقيل لا يدل مطلقا
فقد أورد في شرح المسألة قول الإبياري وإمام الحرمين والغزالي ، رحم الله الجميع ، من غير اشارة لمذهب الحنابلة.
ومن الأمثلة أيضا ما أورده عند قوله :
أضعفها اللقب وهو ما أبى.. من دونه نظم الكلام العربي
فقد أشار إلى تقرير ابن خويز منداد وابن عبد البر والسبكي والقرافي والإمام مالك ، رحم الله الجميع .
ومن الأمثلة أيضا ما أورده عند قوله :
في غيره ثالثها إن انتشر.. وما مخالف له قط ظهر
فقد أشار إلى تقرير الشافعي في القديم والجديد وقول مالك والباجي رحم الله الجميع .
وأورد عند قوله :

والعبد والموجود والذي كفر.. مشمولة له لدى ذوي النظر
فقد قال في النشر : ” وقال الحنابلة يتناولهم بالصيغة…”.
هكذا من غير عزو لإمام بعينة .

ولعل السبب في ذلك قلة المصِّنفات الأصولية في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الديار الموريتانية ، وانتشار مصنَّفات الأصول في فقه الإمام مالك رحمه الله تعالى ، كما أشار هو إلى ذلك عند شرحه لقوله :
والمجمع اليوم عليه الأربعة.. وقفو غيره الجميع منعه
فقد صرَّح بأن الغلبة في القطر الموريتاني للمذهب المالكي وعدم معرفة غيره .

2-مزج العقيدة الأشعرية بعلم الأُصول :
يظهر الاتجاه العقدي غالباً في التصنيف ، ولا يمكن اخفاء ذلك في مباحث الشريعة .
والمذهب العقدي للعلوي في نشر البنود واضح وظاهر ، منها توضيحه أبيات منظومته بأبيات لغيره ، من منظومات الأشاعرة ، كاستشهاده بقصيدة يوسف الضرير(ت: 520هـ ) عند قوله:
وعلِّل المانع بالتعذر.. وهو مشكل لدى المحرِّر
وهذه المنظومة طويلة جداً تنيف أبياتها على الألف ، والاستشهاد المشار إليه هو قول الضرير :
وهو لا يطيقه في الحال.. لأجل الاشتغال بالضلال.

ومن الأدلة أيضاً ما أشار إليه المصنِّف عند قوله :
والجهل جا في المذهب المحمود.. هو انتفاء العلم بالمقصود
فقد أورد أبياتاً من القصيدة الصلاحية وقال : ” وهي من أحسن تصانيف الأشعرية ” .

قلت : وهذا تقرير منه لعقيدة الأشاعرة ، وقد ألمح عفى الله تعالى عنه إلى تقرير مذهب الأشاعرة في كتابه في خمسة مواضع ، منها عند شرحه لقوله:
وذو فترة بالفرع لا يراع.. وفي الأصول بينهم نزاع.
أما قول العلوي : ” وكان صلاح الدين يأمر بتلقينها للصِّبيان ” ، فهو دعوى منه أنها عقيدة صحيحة لا تعقب عليها ! .

والرد عليه من وجوه:
الأول : لم يكن صلاح الدِّين الأيوبي(ت: 589هـ ) رحمه الله تعالى عالماً ولا مفتياً ، بل كان دِّينا مجاهداً ، مقلِّداً لأهل بلده في المعتقد ، والتقليد ليس بعلم ولا فتوى مُلزمة.
وقد كانت العقيدة الأشعرية سائدة في زمنه وقبله بسبب قوة السُّلطان .

أما اجتهاده في نشر عقيدة الأشاعرة فهو دائر بين الخطأ والصواب ،وليس دليلاً على صحة المعتقد الأشعري ووجوب العمل به.

وقد أشار العلوي نفسه إلى عدم جواز التقليد في العقائد القاطعة عند شرحه لقوله :
يلزمُ غيرَ ذي اجتهاد مطلق.. وإن مقيَّدا إذا لم يطقِ

وهذا مأخذ على المصنِّف كيف ينقل حكاية ولا يعقِّب عليها بالحكم الأصولي ؟!، وفي آخر الكتاب ينسفها !

الثاني : قد يقول قائل أنتم تتهمون الأشاعرة وتنتقدونهم وهم أهل هذه الصنعة ، وجُّل مصنَّفات أصول الفقه كتبت بأيديهم ، ولهم فضل عليكم في نشر هذا العلم وتقريبه ، فنقول صدقتم لكن الرد من وجوه :

أ-: الجواب بالنقض، وهو أن عندنا مصنفات متينة ونافعة ، نستفيد منها وهي ليست للأشاعرة، كالرسالة للشافعي وروضة الناضر لابن قدامة ، والعدة لأبي يعلى ، وقواطع الأدلة للسمعاني ، واعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ، وشرح الكوكب المنير، ومختصر التحرير وغيرها .

ب-: الجواب بالقلب ، وهو أن العقلانيين والمتكلمين يراجعون ويتحاكمون إلى بعض مصنفات أهل السنة كرجوعهم لاستدلالات السمعاني وآل تيمية وابن قدامة وغيرهم . وهؤلاء ليسوا على طريقة المتكلمين لا في الاعتقاد ولا في التأليف في علم الأصول .

ج- : الجواب بالقول الموجب ، وهو أن أهل الحديث يستفيدون من كتب الأشاعرة وينبِّهون على الخطأ الوارد فيها بأدب من غير تجريح ، فمطالعتهم لكتبهم مطالعة نقد ، لا مطالعة موافقة .
الثالث : الخِلاف بين أهل الحديث وبين الأشاعرة هو خِلاف في المنهج ، وهم اخواننا ونحبُّهم ، ولكن الحق أحبُّ إلينا منهم .

فمنهج أهل الحديث تقديم النقل على الأدلة العقلية في مسائل الاعتقاد ، وعدم التأويل للنصوص الصريحة في العقائد أو الأحكام إلا لدليل شرعي ثابت لا يحتمل الظاهر.
والكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان للاستدلال عندهم ، ولا يقولون بالتعطيل للنصوص ولا بالتحريف ولا بالتأويل ولا بالتجهيل المسمى بالتفويض .

أما منهج الأشاعرة فإنهم يقدِّمون العقل على الأدلة النقلية في مسائل الاعتقاد ، وهو جادة سبقهم بها المعتزلة عن الجهمية ، وهي سلسلة غير محمودة ، كما لا يخفى على كل مُنصف .
وعليه فقد قدَّس الأشاعرة العقل وأخبروا أنه يَبعث في النفس انشراحاً له ، كما في العقيدة النظامية (ص/ 57) وأساس التقديس ( ص/220) .

ومن المؤسف أن العلوي في نشر البنود لا يَستدرك على الأشاعرة في نشر البنود ، بل يستشهد بالرازي صاحب محصِّل أفكار المتقدمين والمتأخِّرين (ت: 606هـ ) ويصفه في عشرين موضعاً بالإمام ، وهو القائل : ” إن النص الشرعي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن عشرة أمور : عصمة رواة الألفاظ وإعرابها وتصريفها ، وعدم الاشتراك، والمجاز، والنقل، والتخصيص بالأشخاص، والأزمنة ، وعدم الإضمار ، والتقديم والتأخير، والنسخ ، وعدم المعارض العقلي”.

( محصِّل أفكار المتقدمين والمتأخرين /ص51).

وقد أبطل ابن قيِّم الجوزية رحمه الله تعالى هذه الشبهة للرازي من ثلاثة وسبعين وجهاً ، كما أبطل شبهة تعارض العقل مع النقل بنيِّف وثلاثين ومائتي وجه .( الصواعق المرسلة 2/633- وما بعدها) .

وقال العلوي عند شرحه لقوله :
ذو فترة بالفرع لا يراع.. وفي الأصول بينهم نزاع
قال : ” والذي عليه الأشاعرة من أهل الأصول والكلام أنهم..الخ” . فهذا اقرار منه بصحة منهج الأشاعرة .

وعند شرحه لقوله :
إلا في قبوله تردد..غلبة الأشياء هو الأجود
قال : ” قياس العلة إذا لم يوجد فقد تردد القاضي أبو بكر الباقلاني منا ، في قبول قياس الشبه” .
فقد نسب نفسه لجماعة الباقلاني(ت: 402هـ ) .

والباقلاني صاحب كتاب التقريب والإرشاد ينضح بفكر الأشاعرة ويؤصِّل لهم المسائل .
ولجلالة هذا الكتاب عند الأشاعرة ، فقد نقل عنه الجويني في نحو خمسين ومائة موضع.

وكل شائبةٍ في عِلم الأصول ، فإن موردها على عَلمين اثنين من أعلام الأصول : الباقلاني (ت: 402هـ )وعبد الجبار المعتزلي (ت: 415هـ) عفى الله تعالى عنهما.
والمتأخِّرون من الأشاعرة توسَّعوا في ادخال القواعد الكلامية والتصوف في المذهب الأشعري الأصيل ، ( أشعرية المتقدِّمين الصحيحة) ، فخالفوا أبا الحسن الأشعري رحمه الله تعالى ، الذي رجع عن الاعتزال بعد أن بقي فيه أربعين عاماً ، ولزم عقيدة الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وصنَّف كتاب الإبانة ورسالة إلى أهل الثغر ومقالات الإسلاميين.

وعليه فيلزم الأشاعرة العودة للمنبع العذب الصافي حتى لا يقعوا في مزالق عقدية لا تحمد عقباها. ولن يجتمع أهل الحديث مع الأشاعرة على قلب رجل واحد حتى تكون مصادر التلقِّي واحدة لا شائبة فيها ولا كدر.

3- مبالغته في المباحث العقلية :
لم يُرتِّب العلوي المباحث العقلية المشروعة والممنوعة في ثنايا كتابه، ولم ينبِّه على المشروع منها والممنوع ، وهذا قد يُحدث عند المطالع والمتأمِّل نوعاً من التشويش الذِّهني .
والمصنِّف مُولع بالمباحث العقلية وكثرة التنقير فيها ، وسبب ذلك اشتغاله بالمنطق والعلوم الكلامية ، وهي جادة مسلوكة في القطر الموريتاني .
وهذا الاغراق يُحدُث التباساً في ذهن المتعلِّم ، لأنه في بعض المواطن يُثني على الدليل العقلي وفي بعض المواطن يزجر عنه .

وقد قال العلامة الشاطبي(ت: 790هـ ) رحمه الله تعالى : ” العقل لا يستقل بالدلالة ” . (الموافقات1 /27) .
فعندما يردُّ العلوي على المعتزلة تجده يحذِّر من تقديس العقل كما في شرحه لقوله :
والحكم ما يجي به الشرع.. وأصل كل ما يضر المنع

وعند تعرضه لمورد العقل تجده يستخرج منه حكماً أصوليا ً، مثل تعرُّضه لمسألة الاجتهاد في العقليات كما في قوله :
ووحِّد المصيب في العقلي.. ومالك رآه في الفرعي
ويقصد بالعقليات ما يصح بالسمع فقط .
وقد وضَّح في بعض المباحث أن المراد بالعقل هو البرآءة الأصلية كما في قوله :
وقد عرف التكليف بالدليل.. ذي العقل قبل صارف النقول
ويُفهم من كلامه تقديمه العقل أحياناً على النقل .
فقد أورد المصنِّف عند قوله :
والعلم والوسع على المعروف.. شرط يعم كل ذي تكليف

قال في النشر : ” اعلم أن الشأن عند أهل الأُصول أن يتكلَّموا أولاً في المسألة على الجواز العقلي ، فإن امتنع الشي عقلاً ، عُلم ضرورة امتناع وقوعه، وإن جاز عقلاً نظروا بعد ذلك هل وقع في الشرع أم لا ؟ ” .
وله رأيٌ تَبع فيه العلامة الفهري (ت: 644هـ )حول ادراك العقل للوصف المناسب بدون اعتبار الشرع كقوله :
صلاحه لم يدر دون الشرع.. ولم ينُط مناسب بالسمع

4- وصفه الأشاعرة بأنهم أهل الحق :
وقد كرَّر هذه العبارة بالمعنى والمفهوم خمس مرات ، وأحيانا يُثنِّي بها عند الردِّ على المعتزلة ليبيِّن أن الحق مع الأشاعرة ، ويكثر من الأمثلة للدلالة على ذلك ، كما عند قوله :
والأنبياء عُصموا مما نهوا.. عنه ولم يكن لهم تفكُّه
وعند قوله :
وهو معدود من الأصول.. وشِّرعة الإله والرسول

والصحيح أن الحق ما كان مطابقاً لمراد الله ومراد رسوله ، صلى الله عليه وسلم بلا زيادة ولا نقصان .
والأشاعرة ينتسبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري (ت: 324هـ )رحمه الله، وقد مرَّ الأشعري بثلاث مراحل – كما ذكر ذلك ابن كثير والزبيدي وغيرهما :
مرحلة الاعتزال، ثم متابعة ابن كُلاَّب، ثم موافقة أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل.
وقد صرَّح الأشعري بهذا الموقف الأخير في كتبه الثلاثة: رسالة إلى أهل الثغر، ومقالات الإسلامين، والإبانة.

فمن تابع الأشعري على هذه المرحلة، فهو موافق لأهل السُّنة والجماعة في أكثر المقالات، ومن لزم طريقته في المرحلة الثانية، فقد خالف الأشعري نفسه، وخالف أهل السنة في العديد من مقالاتهم .
انظر : (عقيدة أبي الحسن الأشعري للأشقر/ص50-وما بعدها )، و (منهج أهل السُّنة ومنهج الأشاعرة، لخالد بن عبد اللطيف نور)..

5-استعمال لفظ الحشوية ، ولم يبيِّن المراد بهم :

استعمل المصنف لفظ الحشوية في خمسة مواضع في نشر البنود . الأربعة الأولى عند مسألة تواتر قرآءة القُراء السبعة ، ومن قال إن في الوحي شيٌ لا معنى له فهم الحشوية ، وهذا ما أشار اليه بقوله :
تواتر السبع عليه أجمعوا. .ولم يكن في الوحي حشو يقع
والموضع الخامس عند قوله :
والأنبياء عصموا مما نهوا.. عنه ولم يكن لهم تفكُّه

ومقصوده أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها ومن الكذب ، عمداً وسهواً ، ومعصومون من الكبائر عمداً عند الجمهور، خلا الحشوية.

والحشوية تُطلق على المعتزلة وعلى أهل الحديث من الحنابلة . وقد نبَزهم بها أهل البدع من المتكلِّمين والطوائف المخالفة لمذهب السلف.
وقد ردَّ الإمام ابن تيمية (ت: 728هـ)رحمه الله تعالى هذه الفِرية وفنَّدها في مجموع الفتاوى (12/176)، وفي منهاج السنة النبوية (2/520)، فلتراجع .

6- تغليطه وتخطئته لمن خالف القرافي :
وقد صرَّح بذلك عند شرحه لقوله :
وليس في الواجب من نوال.. عند انتفاء قصد الامتثال
فيما له النية لا تشترط.. وغير ما ذكرته فغلط
قال في النشر : ” واحكم بالغلط على غير ذلك ، لمخالفته للقرافي وغيره ، أعني ما ذكره بعض شروح خليل من توقف الأجر على صحة الفعل على نية أم لا ” .
وهذا تعصُّب من المصنِّف للمالكية ، رحم الله الجميع .

7- اطلاق كرَّم الله وجهه على شخص عليِّ رضي الله عنه:
عند شرحه لقوله في المنظومة :
مع دواعي رده من مبطل.. كما يدل لخلافة علي
قال في النشر : ” مثاله قوله صلى الله عليه وسلم لعليِّ كرم الله وجهه…الخ “.
وتخصيص عليِّ رضي الله عنه وعن جميع الصحابة بهذه التزكية ،لا دليل عليه من الوحيين ، وهي من عبارات التشيُّع التي يلهج بها أهل الغلو .

8-تقرير مذهب المرجئة :
عند شرحه لقوله :
والنفل ليس بالشروع يجب.. في غير ما نظمه مُقرِّب
أورد قول الزمخشري (ت: 538هـ) عفى الله تعالى عنه ، لا تبطلوا حسناتكم بالسيئات ، وقال العلوي إنه مخالف لمذهب أهل السنة من أن السيئات لا تبطل الحسنات .
قلت : العلوي اقتبس بعض المعاني هنا في شرح البيت من المفِّسر ابن جُزَي(ت: 741هـ ) رحمه الله تعالى ، كما في التسهيل لعلوم التنزيل (1/134) .

وابن جزي أشعري المعتقد ، وهو يردُّ على الزمخشري المعتزلي القائل إن فعل السيئات يبطل الحسنات.
ومقالة ابن جزي ومن تابعه من بعده معناها : لا يضر مع الإيمان ذنب ، وهو مذهب المرجئة .
ويقصد العلوي بأهل السنة : الأشاعرة ، وليسوا أهل الحديث المتبعين للسلف ، فهو تنزيل لوصفٍ في غير محله.

والحسنات لا يبُطلها إلا الكفر لكن بعض المعاصي والبدع تنقص أجرها ، وفي المسألة تفصيل يراجع فيه ( المستدرك على فتاوى ابن تيمية (1/127- وما بعدها ) .
والتحقيق أن الأشاعرة الإيمان عندهم هو التصديق، واختلفوا في النطق بالشهادتين، بينما الإيمان عند السلف قول واعتقاد وعمل.

كذلك فرَّقوا بين لفظ القرآن ومعناه، فمعناه قديم واللفظ حادث، ثم أحدثوا ما يُسمى بالكلام النفسي، خلافاً لما عليه أهل السنة القائلين بأن القرآن كلام الله لفظاً ومعنى.
واشتغلوا بتأويل نصوص الإيمان خاصة ما يتعلق بإثبات زيادته ونقصانه، وعطَّلوا آيات الصفات ولم يثبتوا سوى ثمانية صفات.
انظر :(منهج أهل السُّنة ومنهج الأشاعرة، لخالد بن عبد اللطيف نور).

9-استشهاده بأقوال وأحوال أهل التصوف :
خلطُ أقوال المتصوِّفة بعلم الُأصول غير جيِّد ، إلا إذا كانوا على عقيدة صحيحة بلا غلو ولا تحريف .
والتنبيه هنا حتى لا يغترَّ العوام وصِّغار طلبة العلم بهذه النُّقول المخالفة للسلف الصالح، وإلا ففي التصوف الصحيح وعند المتصوِّفة المتبعين للُّسنة من التهذيب والتزكية ، ما لا يوجد عند كثير من أهل العلم .
فعند شرحه لقوله :
والعلم عند الأكثرين يختلف.. جزماً وبعضهم بنفيه عرف

نقل عفى الله تعالى عنه عبارات من الأنوار القدسية شرح القصيدة الهمزية لأحمد بن محمد بن عجيبة (ت: 1224هـ)رحمه الله تعالى، في شرح قول البوصيري :
لم يزده كشف الغطا يقيناً .. بل هو الشمسُ ما عليه غطاءُ

والبوصيري عنده غلو في التصوف وخروج عن جادَّة الحب الشرعي المشروع .
وعند شرحه لقوله :
بجائز بل ذاك للتشريع.. أو نية الزلفى من الرفيع

فقد نقل قول الشاذلي (ت: 656هـ )المتصوف الذي قال عنه الإمام الذهبي (ت: 748هـ )رحمه الله تعالى :
” له عبارات في التصوف مُشكلة تُوهم ، يُتكلَّف له في الاعتذار عنها”!
(العِبر في خبر من غبر3/282) .
وعند قوله :
وقول من عنه رُوي قولان.. مُؤخَّرٌ إذ يتعاقبان

استشهد بقول الشعراني (ت: 973هـ )الصوفي ، وهذا الرجل عنده غلو شديد في التصوف ، وهو من المنافِحين عن ابن عربي كما في كتابه الكبريت الأحمر ، نسأل الله العافية .

وللمصنِّف أيضاً استشهادين بعبارات أحمد بن زرُّوق(ت: 899هـ ) عفى الله تعالى عنه ، فقيه مالكي معتني بالسُّلوك ، وهو من أهل الشريعة والحقيقة عند المتصوفة ، وله منهج مخالف في وصل الفقه والأصول بالطريقة .
انظر : ( الرد على الشاذلي / ابن تيمية / ص33- وما بعدها ) ، و(كتاب ابن عربي في ميزان البحث والتحقيق /ص22- وما بعدها ).

10- غلطه في ضبط مفهوم أهل السنة :
أورد العلوي في تصنيفه نشر البنود لفظ أهل السنة في خمسة عشر موضعاً .
ويَقصد بأهل السنة الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري المتأخِّرين ، ويقصد بهم أيضاً الأُصوليين والمحدثين ، ولهم عنده مقصد ثالث وهم الجمهور ، فينبغي التفطُّن لذلك عند قرآءة كلامه .

11-أوهام متفرقة :

أ-وهم في رفع حديث إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم :
وارتكب الأخفَّ من ضررين ..وخيرن لدى استوا هذين
أورد قاعدة ( إذا التقى ضرران نُفي الأصغر للأكبر) ورفع ذلك للمعصوم صلى الله على وسلم .
والصحيح أنها قاعدة ، وهذا الوهم منه سببه أنه نقل عن فتاوى البرزلي ، وانظر : (قواعد الونشريسي :42 ) .
ب-وهم في مذهب الآمدي :
أورد العلوي عند قوله :
وذا للاحتجاج أو أن يطلقا.. عليه الاجماع وكل ينتقى
أن مذهب الآمدي من الحنابلة ، وله رأي في مسألة وفاق العوام في الإجماع فيما يعم التكليف .
وهذا وهمٌ من العلوي رحمه الله تعالى ، والراجح أن الآمدي رحمه الله تعالى كان حنبلياً ، وقد درس كتاب الهداية للكلوذاني في الفقه ، ثم تحوَّل إلى مذهب الشافعي واتصل بابن فضلان شيخ الشافعية ببغداد ، ومات على ذلك.
وسبب تحوله من المذهب الحنبلي إلى المذهب الشافعي هو تعلُّقه بعلم الجدل والمناظرة والخلاف ، والصِّراع النقدي الذي كان قائما ً بين الحنابلة والشافعية .
انظر : ( الآمدي وآراؤه الكلامية /ص/45) .

ج-وهم في العزو لابن العربي :
في قوله :
والعلم والوسع على المعروف.. شرط يعم كل ذي تكليف
أورد الفرق بين التكليف بالمحال وبين المكره ، حيث قال ابن العربي : ” إن الأول الخلل فيه من جهة المأمور والثاني من جهة المأمور به ” ،وهذا القول ليس لابن العربي كما نسبه المصِّنف ، بل هو للاسنوي كما في التمهيد للاسنوي (ص/ 197)، وانظر : (البحر المحيط للزركشي 1:/394) .

د- وهم في مفهوم التكاليف :
أورد عند قوله :
وما وجوبه به لم يجب… في رأي مالك وكل مذهب
” أن جميع التكاليف موقوفة على العقل والبلوغ” .

وقد كرَّر هذا المصطلح ( التكاليف ) ست مرات في نشر البنود.
وهذه التسمية أطلقها أهل الكلام وقالوا إن جميع أوامر الله وأحكامه تكاليف.
وهذا التعميم في الشريعة لا أصل له .
وبنى عليها المعتزلة أن العبد هو الذي خلق فعل نفسه ، فلولا ارادته لما صلَّى،. فيجب على الله تعالى أن يُثيبه لأن الفعل حدث بمشقة فيحتاج الى عوض ، وهذا التقرير مرقوم عند أبي الحسين البصري المعتزلي .
والأشاعرة جعلوا الثواب ناتجاً عن امتحان الله للعبد ، بمعنى أن مقصود الله من تكليف العبد أن يمتحنه . وهو مفهوم مُقارب لما قرَّره المعتزلة .

12- اضطرابه في تعريف القرآن :
عند قوله :
لفظ منزل على محمد.. لأجل الاعجاز وللتعبد
فقد أورد في مقدِّمة مبحث القرآن وفي شرح البيت ، ما نقله هو عن العبادي (ت: 992هـ ) رحمه الله تعالى صاحب الآيات البينات ، وزاد عليه أن القرآن قائم بذاته تعالى وأن الله أنشأ القرآن برقومه أو بحروفه ، بلسان جبريل أو بلسان محمد عليهما الصلاة والسلام وأن لفظ القرآن من محمد صلى الله عليه وسلم أهـ .
قلت : وهذا التأصيل فيه اضطراب ووهم شديد ، وهو ما يردِّده الأشاعرة بينهم ، مع اختلاف في مسألة لفظ القرآن ومعناه .

ويُلاحظ أن المصنِّف رحمه الله تعالى ، قال بخلق لفظ القرآن ومعناه غير مخلوق ، لأن القرآن عند الأشاعرة عبارة عن كلام الله والعبارة مخلوقة .
فالكلام الذي يُثبتونه لله تعالى ، هو معنى أزلي أبدي قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت ولا يُوصف بالخبر ولا الإنشاء.

13-التباس في قول لجدِّ ابن تيمية :
عند قوله :
وقيل للندب كما في مبطل.. أوجب الانتقال للتنفل
نقل المصنِّف عن الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال بنسخ الوجوب للندب ، لأن المحقَّق من ارتفاع الوجوب انتفاء الطلب الجازم فيبقى الطلب غير الجازم .
وهذا القول لابن تيمية الجدّ (ت: 652هـ) وليس لابن تيمية (ت: 728هـ )الحفيد -رحمهم الله تعالى -كما يظهر من عبارة المؤلِّف ، انظر: (المسوَّدة لآل تيمية (ص/ 20) .

14- متابعته الأُصوليين في أن العِلة هي الباعث :
في أكثر من موضع ، عند قوله :
ووصفها بالبعث ما استبينا.. منه سوى بعث المكلفينا
وعند قوله :
………….. تناسب الوصفِ على البناءِ
فالمصِّنف العلوي بنى مسألة البعث على الأحكام وتعلُّقها بالمكلَّفين ، على عدة أُصول لا يوافق عليها .
والأصول التي انبنت عليها هذه المسألة عند الأشاعرة هي :

1- أفعال الله ليست معلَّلة ،وتسمى عندهم: نفي الغرض عن الله تعالى .
2- نفي تأثير الأسباب في المسبِّبات
3- نفي الحسن والقبح العقليين
4- لا يُعلَّل القديم بالحادث .

فالعِلة عندهم مجرد علامة وأمارة للحكم وليست مؤثِّرة في الحكم ، وإنما قال المصنف ذلك لأن الأشاعرة تنفي ربط الأسباب بمسبباتها.
وجمهور الأشاعرة أن العلة وصف معرِّف ، لأنهم لو نفوا التعليل في باب الفقه نفوا القياس ، والقياس إنما يقوم على العِلة .

وقالوا أيضاً إن الله يأمر لا لحكمة متصف بها من أجلها فعل ، بل لمجرد المشيئة ! .
والمعتزلة قالوا ان الله يأمر لحكمة ليست قائمة به وإنما هي حكمة مخلوقة .
ومذهب السلف أهل السنة والجماعة أن أفعال الله معلَّلة فالله يأمر وينهى لحكمة قائمة به متصف بها ، من أجلها شرع الحكم .
والعلة عندهم : وصف مشترك بين بين الأصل والفرع المتضمِّن للمناسبة المقتضي للحكم المشتمل على حكمة مقصودة للشارع .
والعلة تأثيرها في الحكم إنما بجعل الله .
وكون العلة مقتضة للحكم لأن الاقتضاء لا بد معه من توفر الشروط وانتفاء الموانع ، ومن شروط كون العلة مؤثِّرة أن تكون بجعل الشارع .
وكونها مشتملة على الحكمة : لأن الله يفعل ويأمر لحكمة لا لمجرد المشيئة .
انظر :( منهاج السنة النبوية 1/465)، و( اعلام الموقعين3/96) .

15- يكثر المصِنِّف العلوي رحمه الله تعالى من عبارة :( قال بعضهم ، أجازه بعضهم ، اقتضاه كلام بعضهم ، بلا خِلاف عند بعضهم) ، ونحوها مما لا تميِّيز له أو تعريف ، وهذا من أسباب توسعة الخِلاف بين المذاهب ، فليُتفطَّن لذلك عند تحرير المسائل.
والصواب أن لا يُنسب قولٌ إلا لقائله باسمه أو لقبه ،وهذا مهم ولازم في البحث الأصولي خاصة .

انتهى الدرس الثاني ويليه الدرس الثالث إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

1440/8/20