نستكملُ في هذا الدرس مسائلَ تصحيح المذكِّرة ، وقد توقفنا في الدرس السابق عند آخِر مسائل القياس، نسأل الله التوفيق والسداد .

87- أورد الشنقيطي رحمه الله تعالى عند مبحث التقليد أنه لم يُخالف في جواز التقليد إلا بعض القدرية ، ولم يُبيِّن من هم القدرية ؟ والمقصود بهم : المعتزلة.
وقد وافقهم ابن حزم (ت:456هـ) والشوكاني (ت:1250هـ ) رحمهما الله تعالى.
والتقليد في الفروع ثلاثة أقسام : الأول : التحريم وهو قول المعتزلة . الثاني : الوجوب وهو قول بعض الفقهاء . الثالث : وجوبه على العاميِّ وتحريمه على المجتهد وهو الراجح عند الأصوليين.
ويمكن مراجعة المسألة في البحر المحيط للزركشي ( 6/280) وارشاد الفحول للشوكاني (ص/ 866) والنُّبذ لابن حزم (ص/114) .

88-لم يُبيِّن ابن قدامة ولا الشنقيطي رحمهما الله تعالى في مبحث التقليد ، أن الناس ينقسمون في النظر والاستدلال الى قسمين : قادر على النظر وعاجز عن النظر والاستدلال .
فالقادر على النظر فرضه البحث عن الحق من خلال الدليل ، أما العاجز فَفرضهُ التقليد بسؤال أهل العلم .ويمكن مراجعة المسألة في اعلام الموقِّعين لابن الجوزية(2/344) ، وفتاوى ابن تيمية (20/204) .

89-أورد الشنقيطي عند مسألة الترجيح في المتن أن الفعل الصريح مقدَّم على الضِّمني ، وأن التقرير كالفعل الضِّمني . قلت هذه مسألة مهمة تتعلق بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي لا ترد عند الأصولييِّن في مبحث الترجيح ، إنما ترِدُ عند أنواع البيان أو التبيين أو المبيَّن . وتفصيل هذه المسألة شحيح جداً في مصنفات الأصوليين ،ويُعدُّ الغزالي (ت: 505هـ) رحمه الله تعالى أفضل من كتب فيها من الأصوليين ، كما في آخر كتابه المستصفى ، وكذلك الشاطبي(ت: 790هـ) رحمه الله تعالى في الموافقات.

ومن العلماء قديماً من أفردها بتأليف و اعتنى بها مثل أبي شامة (ت: 665هـ ) والعلائي(ت: 761هـ) رحمهما الله تعالى في كتابيهما : ” المحقَّق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ” وتفصيل الاجمال في تعارض الأفعال والأقوال ” . ومن المتأخِّرين الشوكاني ومحمد الأشقر (ت: 1430هـ )رحمهما الله تعالى في كتابيهما ” ارشاد الفحول ” و” أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام الشرعية ” .

90-أورد الشنقيطي رحمه الله تعالى عند مسألة العام الذي لم يدخله تخصيص أنه يقدَّم على العام الذي دخله تخصيص ولم يخالف في ذلك إلا صفيِّ الدِّين الهندي (ت: 715هـ )والسبكي (ت: 771هـ)رحمهما الله تعالى . وهذا الجزم نقله الشنقيطي عن صاحب نشر البنود عبد الله العلوي (ت: 1233هـ)رحمه الله تعالى ونسي أن يَنسبه إليه ، ويمكن مراجعة المسألة مع أمثلتها وتعليلاتها في الغيث الهامع للقرافي ( 3/851وما بعدها) .

91-أورد الشنقيطي عند مسألة الترجيح بأمر خارجي مصطلح الناقل عن حكم الأصل ، وفي كلامه غموض يسير . والمعنى أن الترجيح هنا يكون بالبرآءة الأصلية وهي الناقلة عن الأصل ، لأن مع الناقل زيادة علم .فالناقِل مقدَّم على المبقي . ويمكن مراجعة المسألة وأمثلتها في قواعد الأصول ومعاقد الفصول لصفي الدين الحنبلي (ص/ 223- وما بعدها ).

92-أورد الشنقيطي اختيارات أبي الخطاب الكلوذاني (ت: 510هـ)رحمه الله تعالى في كثير من صفحات المذكِّرة في نحو خمسة عشر موضعاً ، وقد عقب على بعضها وسكت عن البعض الآخر ، وفي آخر المذكِّرة نقل بعض اختياراته ولم يتعقبها. والكلوذاني إمام في الفقه والأصول ، وله تحرير سديد للمسائل رغم تعصُّبه أحياناً للحنابلة عفى الله عنه ، كمسألة دخول المؤنث في المذكر السالم عند الخطاب ، حيث قال عن القول الثاني في المسألة : ” وهو الأقوى لكن ننتصر لرأي شيخنا”! . راجع التمهيد للكلوذاني (1/291و4/44) ، وقال في مسألة جواز التعليل بالحكم في اثبات حكم آخر : ” القول الثاني عدم الجواز وهو الصحيح لكن ننصر قول أصحابنا ” !. ولعله يفعل ذلك ديانة من باب الولاء ، أو من باب تقوية مناظرة المذاهب كما نقله عنه ابن تيمية (ت: 728هـ ) رحمه الله تعالى في المسوَّدة (ص/53)، لا من باب الحسد والغيرة ، والله أعلم .

وبسبب كثرة نقل ابن قدامة والشنقيطي لآراء الكلوذاني رحم الله الجميع ، فإنهما نسيا أن ينبِّها أنه يؤخذ على الكلوذاني عدم تنبيهه على الفروع الفقهية في ثنايا ترجيحاته واختياراته الأصولية ، وهي موضع نقد على الكلوذاني في كتابه . وهذه ملاحظة مهمة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند نقل آراء الكلوذاني، أو الاستدلال بها.

93-لم يوضِّح الشنقيطي أنواع المرجِّحات باعتبار أمر خارج ، وهي كثيرة أوصلها الآمدي إلى خمسة عشر نوعاً ، وجعلها الشوكاني عشرة أنواع ، وهي :

أ-يُرجَّح الدليل الموافق لدليل آحر من كتاب او سنة او اجماع او قياس أو حِس على دليل لا يُوافقه دليل آخر .
ب-يُرجَّح الدليل الموافق لعمل أهل المدينة ، أو لعمل الخلفاء الراشدين أو لعمل الأعلم على غيره .
ج-إذا تعارض مؤوَّلان ودليل تأويل أحدهما أرجح ، قُدِّم الآخر لأنه أولى لكونه أغلب على الظن .
د-يُرجَّح أحد الحكمين بالتعرض لِعلته ، على الحكم الذي لم يُتعرض لعلته .
هـ-يرجح العام الوارد على سبب خاص ، على العام المطلق في حكم ذلك السبب .
و-يرجح العام المطلق على العام على سبب خاص ، في حكم غير السبب .
ز-يرجح العام الذي لم يعمل به في صورة ، على العام الذي عمل به في صورة .
ح-يرجح عام أمس بالمقصود على غيره.
ط-يرجح ما ذَكر راويه السبب على غيره.
ي-يرجح أحد الخبرين على الآخر ، بقرآئن تأخره كتأخر اسلام الراوي .
ك- يُقدَّم الخبر الذي فيه تشديد على الآخر ، لأن هذه طريقة الشرع.

94-لم يوضح الشنقيطي مسألة الترجيح بين الأقيسة ، ويمكن جمعها في أربعة أنواع : الترجيح من جهة الأصل ، والترجيح من جهة الفرع ، والترجيح بحسب العلة ، والترجيح من جهة أمر خارج . وهذه خلاصتها :

أولاً : الترجيح من جهة الأصل :
أ-يُرجَّح القياس الذي يكون حكم أصله قطعياً ، على ما كان حكمه ظنياً .
ب-يرجح القياس الذي دليل حكم أصله أقوى وإن لم يكن مقطوعاً ، على القياس الذي لم يكن دليل حكم أصله فيه كذلك .
ج-يرجح القياس الذي دل دليل على تعليل حكم أصله ، على ما ليس كذلك.
د-يرجح ما كان على سنن القياس على ما كان معدولا به عن سنن القياس ، لكونه أبعد عن التعبد وأقرب الى المعقول .
هـ-يقدم ما لم يدخله النسخ بالاتفاق على ما هو مختلف في نسخه ، لأن الأصل عدم النسخ ، فيرجح احتمال عدم النسخ .
و-أن يكون حكم أحد الأصلين مما اتفق القائسون على تعليله والآخر مختلف فيه ، فما اتفق على تعليله أولى .

ثانياً : الترجيح من جهة الفرع :
أ-يُرجَّح القياس الذي يكون فرعه مشاركاً لأصل في عين الحكم وعين العلة ، على القياس الذي يكون فرعه مشاركاً لأصله في جنس الحكم وجنس العلة.
ب-يرجح القياس الذي يكون فرعه مشاركاً لأصله في عين أحدهما ، على القياس الذي يكون فرعه مشاركاً لأصله في الجنسين من العلة والحكم .
ج-يُرجَّح القياس الذي يكون فرعه مشاركاً لأصله في عين العلة على عكسه ، أي القياس الذي يكون فرعه مشاركاً لأصله في عين الحكم .
د-يُرجَّح القياس في فرع العلة المقطوع بها ، على فرع العلة المظنون بها .
هـ-يُرجَّح القياس الذي ثبت حكم الفرع فيه بالنص جملة لا تفصيلاً ، على القياس الذي لم يثبت حكم الفرع فيه بالنص ، لأنه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف .
و-يُرجَّح القياس الذي يكون فرعه متأخِّراً عن أصله ، على القياس الذي يكون فرعه متقدماً ، لسلامة الأول عن الاضطراب وبعده عن الخلاف .

ثالثاً : الترجيح بحسب العِلة :
أ-يُرجَّح ما كانت علته قطعية كالعلة المنصوصة والمجمع عليها ، على ما كانت عِلته ظنية ، لأنها أغلب على الظن .
ب-يُرجَّح ما ثبتت عِلته بالنص على ما ثبتت علته بالاجماع ، لأن الإجماع فرع النص لكونه المثبت له ، والفرع لا يكون أقوى من الأصل .
ج-يُرجَّح ما كانت علته مستنبطة بطريق السبر والتقسيم على المستنبطة بطريق المناسبة أو الدوران ، لأن الحكم في الفرع كما يتوقف على تحقق مقتضيه في الأصل ، يتوقف على انتفاء معارضه في الأصل .
د-يُرجَّح ما ثبت بالإيماء على ما ثبت بطريق المناسبة ، لأن العلة ثابتة بطريق النص ، وما ثبت بطريق النص يُقدَّم على ما ثبت بطريق الاستنباط .
هـ-يُرجَّح ما يكون نفي الفارق فيه مقطوعاً به على ما يكون نفي الفارق فيه غير مقطوع ، لكونه أغلب على الظن .
و- يُرجَّح القياس الذي تكون علته وصفا ظاهرا منضبطا على القياس ذي العلة المضطربة ، لأنه أغلب على الظن لظهوره ولبعده عن الخلاف .
ز-يُرجَّح القياس المعلَّل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة ، على القياس المعلَّل بوصف اقناعي اعتباري للاتفاق بين علماء الأصول على صحة التعليل بالوصف الذي هو مظنة الحكمة ، أما التعليل بالحكمة فهو أمر مختلف فيه .
ح-يُرجَّح القياس الذي العلة فيه وصف باعث على تشريع الحكم ، على القياس الذي العلة فيه مجرد أمارة للاتفاق عليه وظهور مناسبة الباعث .
ط-يُرجَّح القياس الذي تكون علته ملائمة ، على القياس ذي العلة الغريبة ، لأنه أغلب على الظن ، وأبعد عن الخلاف.
ي-يُرجَّح القياس الذي تكون علته متضمِّنة مصلحة عامة للمكلَّفين ، على القياس الذي تكون علته خاصة لبعض المكلفين .
ك-يُرجَّح أحد القياسين على الآخر بقوة مناسبة علته ، لأن قوة المناسبة تُفيد قوة ظن العلية .
ل-تُقدَّم العلة التي هي مظنة لمصلحة ضرورية أو من مكملات المصالح الضرورية ، على ما كانت مظنة لمصلحة حاجية أو مكملها ، لزيادة تحقق المصلحة في المقاصد الضرورية اللازمة في الشرع .

ويمكن مراجعة تطبيقات هذه المسائل بأمثلتها وأدلتها في مفتاح الوصول للتلمساني (ص/646) والمسودة لآل تيمية (ص/313) وفواتح الرحموت (2/206)، والإحكام للآمدي (4/487- وما بعدها).

95-قال الشنقيطي في آخر المذكِّرة : ” لم يتعرَّض المؤلف للترجيح بين الإجماعات والأقيسة والحدود ” .
قلت : الترجيح بين أنواع الإجماع سبق أن بيَّن مسائله ابن قدامة عند مبحث الإجماع القطعي والظني ، والإجماع السكوتي وغيره ، فلا يوجد كثير فائدة في ايراد الترجيح فيه حيث سبق بيانُ مظانِّه.

أما الأقيسة فهي جزء من المعاني ، وقد تطرَّق إليها ابن قدامه (ت: 620هـ)رحمه الله تعالى لكنه لم يُفصِّل ، لأن الغزالي رحمه الله تعالى لم يستطرد في بيان أنواعها ، والمستصفى هو أصل الروضة بلا ريب.
أما الحدود فيقصد بها بيان معاني المصطلحات ومحترزاتها وما يدخل في مفهومها وما لا يدخل، ومن أراد التوسع في هذه المسألة وهي الترجيح بين الأقيسة والحدود ، فليراجع شرح مختصر المنتهى (3/680) والغيث الهامع (3/864) وحاشية البناني (2/379) ونشر البنود للعلوي(2/455- وما بعدها) .

96-أورد الشنقيطي في خاتمة المذكِّرة أن بعض الأصوليين يعقدون باباً يسمونه الاستدلال ،وقد أورد هو بعض مباحثه ومنها : اجماع أهل المدينة واجماع العترة واجماع الخلفاء ، واجماع أهل الكوفة والقياس المنطقي والاستقراء ، وقياس العكس وسدِّ الذرائع والعوائد ..الخ .
قلت : لم يعقد ابن قدامة باباً عن الاستدلال ، لأن التقسيم وترتيب المسائل ذوق يعود للباحث أو العالم ، والاستدلال أورده بعض الحنابلة وليس كلهم مثل صفي الدين الحنبلي في كتابه قواعد الأصول ومعاقد الفصول، فليُستدرك.

لكن ابن قدامة نبَّه على مسألة اجماع أهل المدينة ومسألة اجماع الخلفاء ومسألة العرف في مواضع متفرِّقة من كتابه ، أما سدُّ الذرائع فإنه ليس من أدلة الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، وبقية مباحث الاستدلال كالقياس والاستقراء ، أورد ابن قدامة معانيها ودلالاتها في مسائل القياس من باب الاختصار والاقتصار ، وكل يعمل على شاكلته . واستدراك الشنقيطي هذا على ابن قدامة منقول بحروفه من نشر البنود للعلوي عند شرح بيت المنظومة :
ما ليس بالنصِّ من الدليل .. وليس بالاجماع والتمثيل .
ولعل هذا من شِّدة التصاقه بالفقه المالكي وأصوله ، رحم الله الجميع.

97- ورد في الملحق عند ردِّ الشنقيطي على ابن حزم، الاستدلال بنفي الفارق ، ونفي الفارق هو أن لا يكون بين الصورتين فرع مؤثِّر في الشرع . وتوضيحه : أنه عمل يقوم به المجتهد يُتوصل به الى الحاق فرع لم يُنصَّ على حكمه بأصل أو اجماع ، مثل علة تحريم المخدرات هي الاسكار ، فهي تختلف في صورتها عن الخمر لكن العِلة مشتركة ، فالفارق بينهما أوجد العلة المشتركة التي هي مناط الحكم ، فيكون نفي الفارق طريقاً من طرق فهم العلة الشرعية أو الحكم الشرعي ، وهو حجة يعتمد عليه ، وهو من أنواع القياس المعتبرة الصحيحة .

ومن الأمثلة التي توضِّح معنى القياس مع الفارق : اذا استولى الكفار على المسلمين ، فعند الشافعية أنهم لا يملكونها قياساً على الغاصب ، فإنه لا يملك ما استولى عليه ، فلا فارق بينهما إلا الكفر في الفرع والإسلام في الأصل ، لكن الاسلام لا يصلح أن يكون مانعاً من الملك ، والكفر لا يصلح أن يكون مقتضياً للمِلك ، فوجب انتفاء سبب المِلك في حق المسلم الغاصب وفي حق الكافر المستولي ، فانتفى الملك.

ويمكن مراجعة المسألة في اعلام الموقعين ( 2/4) وبناء الفروع على الاصول للتلمساني (ص/ 124) ، والاقتباس لمعرفة الحقِّ من أنواع القياس للصنعاني (23- وما بعدها ).

98-قال الشنقيطي إن أقيسة الشبه مبنية على الفساد وتخالف النصوص .قلت : في هذه العبارة غموض ، وفي هذا التعميم نظر، والصحيح أن قياس الشبه حُجة يُعمل به ، وقد روي عن الإمام أحمد (ت: 241هـ)رحمه الله تعالى جواز العمل به، كما نقله عنه ابن قدامة والطوفي (ت: 716هـ) والمرداوي (ت: 885هـ ) والبعلي (ت: 709هـ ) رحم الله الجميع.

وقياس الشبه هو ما تردَّد فيه الفرع بين أصليين لوجود علتهما فيه ،فيلحق بأكثرهما شبها . ولعل الشنقيطي أراد أن يقول لا يُصار إلى قياس الشبه مع امكان قياس العلة ، وبهذه العبارة يستقيم المعنى للسِّياق .والله أعلم. ويراجع في محترزات قياس الشبه وحكم العمل به ، شرح الكوكب الساطع للسيوطي 2/ 408)، والتحبير شرح التحرير للمرداوي (7/3429)، ونهاية الوصول للأرموي (ص/8/3342) .

99-ردَّ الشنقيطي على ابن حزم رحمه الله الجميع ، في انكاره القياس بأدلته النقلية وأغلظ عليه ، وليت الشنقيطي بيَّن سبب منهجية ابن حزم في مذهبه واصراره عليه بدون تجريح له .وقد قيل : فلعل له عذراً وأنت تلومُ ، فالظاهرية قصدوا الخير ونالوا كثيراً منه ، لكنهم زلُّوا كما زلَّ غيرهم في فهم كثير من المسائل .

ولم يردّ الشنقيطي على أدلة ابن حزم العقلية . وأدلته العقلية هي أن العلة تُوجب معلولها ولا تفارقه، وتساوي الأشياء لا يوجب تساوي حكمها ، وأن القياس تكهُّن وظنون . وخلاصة الرد عليه أن العلة العقلية تختلف عن العلة الشرعية ولكل منهما سبب ولهذا اختلفت شرائع الأنبياء ، وأن العلل الشرعية أمارة على المصلحة ، والمصلحة تختلف باختلاف الزمان والمكان . ويمكن مراجعة الردود على ابن حزم في فتاوى ابن تيمية (20/505) واحكام الفصول للباجي (ص/543) والإحكام للآمدي (4/282).

100- ورد في الملحق في آخرالمذكِّرة قول الشنقيطي : ” وتلقِّي العلماء للحديث بالقبول يكفيه عن الإسناد ” ! ، وهي عبارة موهمة قد لا يفهمها بعض الطلبة أو الباحثين ، والشيخ قصد معناها الأصولي وليس المعنى الحديثي الإسنادي.

وهذه الجملة قال بمضمونها بعض الفقهاء والأصوليين واشتهرت عند الحنفية وعنهم تناقلها أهل العلم ، كالشاشي (ت: من علماء القرن السابع )في أصوله ، والجصاص (ت: 370هـ) في فصوله، وقال بها أيضا ابن عبد البر(ت: 463هـ) في كتابه التمهيد والزركشي (ت: 794هـ )رحم الله الجميع ، في مقدِّمة ابن الصلاح، ومعناها أن للحديث أصلاً يُعمل ويُفتى به.
فهي من العبارات السائرة في تصانيف العلماء ولها ميزان يعمل بمقتضاها وليست على اطلاقها .وقد ناقشها الخطيب البغدادي (ت: 463هـ )رحمه الله تعالى في كتابه الفقيه والمتفقِّه ، فلتراجع .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
1440/6/23