الحمد لله الذي لم تزل نعمته تتجدَّد ، ومِنته في كل آنٍ لا تُحصى فتتعدَّد ، وألطافه تحِفُّ عبيده وتتردَّد ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله السيد الممجَّد ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ومجَّد .

فإن مذكِّرة العلامة الشنقيطي (ت: 1393هـ ) رحمه الله تعالى مذكِّرة نافعة وفائقة ورائقة في علم أصول الفقه ، وقد حرَّرها مؤلِّفها قبل نحو سبعين عاماً ، وهي توضيح وتقريب مع زيادات قيِّمة على كتاب روضة الناضر لابن قدامة (ت: 620هـ )رحمه الله تعالى ، في أصول مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

وكتاب روضة الناضر لابن قدامة أصل لمذكرة الشنقيطي .
ومما يدل على قيمة كتاب الروضة أن القرافي(ت: 684هـ) رحمه الله تعالى اعتمد عليه في شرحه : ” نفائس الأصول في شرح المحصول ” ، واعتمد عليه أيضاً الزركشي (ت: 794هـ)رحمه الله تعالى في كتابه ” البحر المحيط ” ، واعتمد عليه كذلك الفتوحي (ت: 972هـ )رحمه الله تعالى في شرحه ” الكوكب المنير ” ، فهؤلاء ثلاثة علماء كبار نبشوا هذا الكتاب وعرفوا قدره وفضله وغزارة مسائله .

وعلم الأصول صعبٌ ومرُّ في مبتداه ، لطيف وحلو في منتهاه ، وإنني أوصي من تصدَّر له ، بوصية الشيخ عطية محمد سالم (ت: 1420هـ)رحمه الله تعالى للدارسين لأصول الفقه : ” أن يُقدِموا عليه بقوة وعزيمة ،” (مقدِّمة المذكِّرة / طبعة الجامعة الإسلامية ص/ 4) . وصدق والله فمن تلقَّاه بضعف ووهن وتكاسل ، سيسقط ولن ينتفع به.

وقد قمتُ بفهرسة كل صفحة من صفحات المذكِّرة ورتبتُ مسائلها وفوائدها وصحَّحتُ ما يلزم تصحيحه لمن رام الانتفاع بها ، وزدتُ عليها تحريرات لكمال الانتفاع بها ، وقد أدرجتُ ذلك كُّله في آخر الدروس حتى لا تضيع الفوائد بازدحام المسائل .

وقد كانت في أول الأمر استدراكات مرقومة على نسختي الخاصة ، ثم شاء الله أن تكون نواة للتعليق على مسائل الكتاب والتهميش عليه ، وربُّك يخلق ما يشاء ويختار .

وأثناء تدريسي للمذكِّرة في المسجد علَّقتُ على المذكِّرة تعليقات وتصحيحات ، بعضها استدراكات وبعضها توضيحات ونَقدات ، حتى اكتملت كمُذاكَرة على المذكِّرة ، وقد فرَّغتها في سلسلة دروس ، اسأل الله أن ينفع بها من وقف عليها من عباده .

وسبب تسمية هذه الدروس بالتصحيحات ، أن كل كتاب بشري يجب تصحيحه سواء من مصنِّفه أو ممن جاء بعده ، سواء بالتعقيب أو التكميل أو التوضيح والشرح بما يشفى الغليل . وقد قال الله تعالى : ” وإذ أخذ الله ميثاقَ الذين أُوتوا الكتاب لتُبيِّننه للناس ولا تكتمونه” ( آل عمران: 187) .

والآية نص قطعي الدلالة في وجوب بيان العلم النافع والتحذير من كتمانه ، لأنه لما عرَّف الكتاب باللام وأمر بالبيان ، دلَّ على أن الأمر المبيَّن مهم ويحرم التدليس أو الغش فيه .
وبيننا أسانيد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد انتصب المحقِّقون لها فميَّز العلماء بين صحيحها وضعيفها وواهنها ، وقِس على هذا جميع أبواب العلم الشرعي ممن كان أهلاً لذلك.

ومن لم يقرأ مذكِّرة الشنقيطي لن ينتفع بأصول الفقه في الغالب ،أقول هذا عن خِبرة وتجربة وممارسة ، لأنها مختصرة ومحرَّرة في مجملها من عالم متقن ، والكتاب الذي عُلِّق عليه جامع لأهم مسائل الأصول.

لكن يؤخذ على المذكِّرة أربعة أمور : عدم تقريب مسائلها ، وعدم شمولها للاستدراكات الأصولية ولو في الحاشية ، وعدم اعتنائها بمقاصِد الأحكام ، وعدم فهرسة مسائلها فهرسة دقيقة ممن اعتنى بها ، سواء من طلبة الشيخ الشنقيطي ، أو من الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله تعالى ، الذي أشرف على اعدادها طبعها ، ولهذا أعرضَ عنها كثير من طلبة العلم لجفافها وصعوبتها وعدم فهمها ، وعسى أن تكون هذه الدروس تكميلاً للمذكِّرة ومفتاحاً لجواهرها وفوائِدها .

والمأخذ الخامس كثرة الاستطراد في كثير من المسائل مما يشتِّت ذهن الطالب والباحث ، وقد يكون الاستطراد أحياناً مفيداً لكنه في كثير من المواطن يكون عائقا لفهم لبِّ المسألة .
مثال ذلك : استطراد الشيخ في حكم مسألة التكليف بما لا يطاق ، فقد أطال بفوائد كلامية ومنطقية ، ثم أشار اشارة خفية لحكم المسألة بدون توضيح شافي لها.

والشنقيطي رحمه الله تعالى لا يوضِّح في كثير من الأحيان نوع الخِلاف الأصولي ، هل هو خلاف حقيقي أم لفظي ؟ ، فبعض أنواع الخلاف الأصولي لا قيمة لها عند الميزان الشرعي لأن الخلاف لفظي لا اعتبار له ، وهذه جزئية مهمة لمن أراد أن يؤصِّل نُضجه العلمي على مذكرة الشنقيطي ، ولم أر من نبَّه على هذه الفائدة ممن حقَّق المذكِّرة.

فمثلاً الشنقيطي رحمه الله تعالى أطال في مسألة : هل في القرآن مجاز ؟ وقد صنَّف فيها رسالة مفردة وهي مشهورة جداً عنوانها : ” منع جواز المجاز في المنزَّل للتعبُّد والإعجاز ” وهي مرقومة قبل تأليفه للمذكِّرة ، وقد أطال فيها في نفي المجاز ، وقد اجتهد في المسألة مشكوراً مأجوراً ، وقد سبقه بعض علماء الحنابلة وقالوا بالمجاز ، كأبي يعلى الحنبلي (ت: 458هـ)في العُدَّة (2/583) ، وجماعة من الحنابلة رحمهم الله تعالى .

والخلاف في المسألة لفظي فلا داعي لتشقيقه واطالته على الطلبة ، كما أبان عن ذلك الغزالي (ت: 505هـ)رحمه الله تعالى في المستصفى (1/105) ، فليراجع .

وليس معنى هذا أن مسألة المجاز ثانوية ، بل هي أولية لكن لا يجب الإطالة فيها من غير تنبيه على نوع الخلاف الأصولي حولها .

ونظائر هذه المسألة كثيرة جداً في المذكِّرة : كمسألة تكليف المعدوم ، وحقيقة الحكم الشرعي ، والفرق بين الفرض والواجب ، وهل المندوب من أحكام التكليف ؟ ، والفرق بين الفساد والبطلان ، واثبات العِلة بالطرد، وهل الكفُّ فعل ؟ .، وغيرها من المسائل .
أما الخلاف العقدي والفقهي ، فالشنقيطي ضليع في التنبيه عليه ومعرفة مواطنه ومسائله ، وقد أحسن في توضيحه برَّد الله مضجعه.

وأفضل طبعة للمذكِّرة اطَّلعتُ عليها هي طبعة مكتبة العلوم والحِكم ، فهي طبعة مجوَّدة ، لكن يعوزها الضبط الأُصولي لتأصيل المسائل في بعض المباحث والتعليقات ، ففي حواشيها تكرار يفقد الكتاب فوائده وفرائده ، ولا يوجد بها عناية بالتخريج ولا الفهرسة .

وفي تقديري أن شرح المذكِّرة بهذه المنهجية المجرَّدة لن يؤتي ثماراً يانعة للطالب، بل يجب أن تُربط المسائل بالفقه وبالمقاصد وأن تقرَّب المسائل ليفهم الطالب المسألة الأصولية فهما محكماً ، وفي ثنايا ذلك تؤصَّل المسألة من غير اغراق في الشرح.
وعملي في هذه الصفحات ليس شرحاً ، فكتاب الروضة مشروح ومبسوط ولله الحمد ، لكنني أقيِّد مفاتيح لعل الله أن ينفع بها.

وأريد أن أنبِّه إلى أن التصحيحات مرقومة على منهج العلامة الشنقيطي وعلى المسائل نفِسها، إذ المقصود النفع والفائدة لا غير ، والحق قديم ولا يُؤثِّر في قِدمه احتجابه ، ولم أُشِر إلى الاستدراك على منهج ابن قدامة رحمه الله تعالى لأن المقصود تصحيح المذكِّرة ،ولو تمَّ ذلك لطالت الدروس وتشعَّبت المسائل وضاعت الغاية المقصودة منها ، ولا أقول إلا كما قال الإمام الزركشي (ت: 794هـ )رحمه الله تعالى في ” خبايا الزوايا ” (37/1): ” اعتنيتُ بتتبُّع ذلك فرددتُ كل شَكل إلى شَكله وكُّل فرع إلى أصلِه ، رجاء الثواب وقصد التسهيل على الطُّلاب “.

ومنهجي في هذه التصحيحات هو بيان ما يلزم بيانه من مباحث ومسائل ، سواء باستدراك أو تأصيل أو تعليق موجز ، وما يكون واضحاً ولا اشكال ولا لبس فيه ، فيه فإنني أتجاوزه رغبةً في الاختصار .

( أ) : تَصحيح المقدِّمة :
لم يكتب العلَّامة الشنقيطي مقدِّمة للمذكِّرة في كل طبعات الكتاب التي وقفتُ عليها ، لأنه كما يبدو لي ، لم يقصد أن تكون كتاباً مطبوعاً ، بل كانت املاءآت على طلبة كلية الشريعة في الرياض والمدينة المنورة عام 1374هـ وما بعدها ، ولأهميِّتها جمعها الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى ورتبها وبوَّب مسائِلها حتى اكتمل عِقدها في مجلد لطيف .

وقد ألمح الشيخ عطية في مقدِّمته لطبعة المذكِّرة التي أصدرتها الجامعة الإسلامية عام 1391هـ أنه تُوجد مواضع في المذكرة لم يستكملها الشيخ ، أو لم يتناولها في كلامه مما تطمح نفس الطالب إلى معرفته واشباع نهمته .

واعمالاً لقاعدة الاستصحاب الأصولية ، فقد حذف الشيخ بكر أبو زيد (ت: 1429هـ )رحمه الله تعالى ، المشرف على طبع المذكِّرة ، مقدمة الشيخ عطية رحمه الله تعالى من الطبعة التي أصدرها مجمع الفقه الإسلامي عام 1426هـ ، مما جعل المذكرة تصدر في أول صفحة لها ببيان الحكم وأقسامه ، دون مقدمة أو تمهيد ! .

ولعل قصده من ذلك أن المذكِّرة رجعت إلى أصلها الأول الذي وضعها الشنقيطي عليه حين كتبها بدون مقدِّمة ، لكنه أثبت تعليقات الشيخ عطية كما هي في المواضع التي نبَّه عليها ، وهي قليلة جداً تُعدُّ على الأصابع .

وقد استهلَّ الشنقيطي المذكرة بالشروع في بيان معنى الحكم وأقسامه قبل بيان معنى أصول الفقه وقبل بيان معنى الفقه من جهة الاصطلاح ، وهذا فيه نظر ، لأن الطالب أو الباحث لا يعرف هل الحكم بِحلِّه وحرمته أو صحته وفساده متعلِّق بالفقه أو بالأصول ، فالحكم سواء كان تكليفياً أو وضعياً يفتقر إلى البناء الأصولي والفقهي ، فكيف يُدرك معناه بدون هذه المقدمة ؟ ! .

وقد تنبَّه ابن قدامة رحمه الله تعالى لهذا المعنى ، فعرَّف الفقه والأصول قبل الشروع في توضيح مسائل الكتاب ، ولم ينبِّه على هذه الفائدة أحدٌ ممن تناول الكتاب بالتعليق أو التقديم له .
والعلامة الشنقيطي معذور في ذلك ، إما لأنه أعمل قاعدة : مصلحة الواجب مقدَّمة على مصلحة المندوب ، أو بسبب تنظيم المناهج قديماً والحاح البعض بضرورة حذف المباحث العقلية ، وكان مما حُذف معها تعريف الأصول والفقه ، وهو عندي خطأ منهجي كما لا يخفى ، ويبدو أن هذا هو سبب عدم تقديمه بمقدِّمة للمذكرة .

وقد أخبرني شيخي الأُصولي المتقن عبد الكريم النملة (ت: 1435)رحمه الله تعالى أن الشيخ حذف كثيراً من مسائل الروضة ، أقول : الصحيح أنه اختصر وهذَّب كتاب ابن قدامة إما لصعوبته وطوله ، أو نزولًا عند رأي أهل العلم في تلك الفترة ، وما حَذفه قد يكون غير مقرَّر للطلاب في تلك المدة.

فالتعريفات الأصولية ضرورية لفهم الأصول ، وكثيرمن الطلبة الذين يشكون من ضعف علمي في مسائل الأصول ، سببه في الغالب عدم ضبط التعريفات والحدود الأصولية ، وعدم فهم الأدلة.
ولهذا من قرأ وتأمل كتاب ” الإفصاح عن معاني الصحاح ” لابن هبيرة الحنبلي (ت: 560هـ )رحمه الله تعالى ، وهو شرح حديثي فقهي ، يلحظ أنه كَتب مقدِّمة أصولية لكتابه ضمَّنها كثيراً من المباحث الأصولية قبل شرحه للأحكام الفقهية ، وهذا يدل على كمال عقله وفقهه .

فيستدرك هنا في المقدِّمة على صاحب المذكِّرة مسائل :

1-ضرورة التعرُّف على مبادىء علم الأصول ، حتى يفهم الطالب ما يُدرَّس بين يديه ويبني عليه في ذهنه ويتُصوَّر . وبدون المبادىء لن يحصل التصور الصحيح .
قال محمد بن على الصبان (ت: 1206هـ )رحمه الله تعالى :
إن مبادىَء كُّل فنِّ عَشرة
الحدُّ والموضوع ثم الثمره.
ونسبةٌ وفضلهُ والواضعُ
والاسم الاستمدادُ حُكم الشارع .
مسائلٌ والبعض بالبعض اكتفى
ومن درى الجميع حاز الشرفا .
وهذه المبادىء العشرة مشروحة عند الأصولييِّن ، واستعملها الشنقيطي في المذكِّرة في مواضع يسيرة بدون إسهاب مثل كلامه عن الاستحالة والوحدة بأنواعها : وحدة الجنس ووحدة النوع ووحدة العين ، وغيرها من المسائل المنثورة في المذكرة ، وإن لم يصرِّح هو بذلك في ثناياها ، لكن لا تتضح إلا لبعض الطلبة وتحتاج إلى حاذق في الأصول ليظهرها له من بين المسائل .

فالمقصود قبل الولوج في الأصول يُعطى الطالب مثالاً على حدِّ الشي وموضوعه وثمرته ، وربطها بالمعاني والدلائل الأصولية ليستقر المعنى في الذهن ويكون للعلم ثمرة ، أما تلقينه بدون ربط فهذا فيه نظر شديد ، وهو سبب عزوف كثير من الدارسين عن عِلم الأصول .
ولهذا لو قرأتَ في المسوَّدة لآل تيمية لوجدتَه الشيخ يقول : ” إن العقول تتفاوت ” ، والرسول صلى الله عليه وسلم استعمل معنى تقريب حدَّ الشي وتصويره كما في حديث : ” ما رأيتُ ناقصاتِ عقل ودين من احداكن ” متفق عليه .

وبوَّب مسلم لهذا الحديث بقوله : ( باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات ) ، ولو راجعت فقه هذا الحديث لوجدت أنه متصل بعلم الأصول ، ففيه منطوق النقصان والنص عليه ، وفيه رفع التكليف عن المرأة في حيضها ونفاسها ، وفيه الإشارة إلى أن لها نصف ميراث الرجل ، وغير ذلك من المسائل .فافهم هذا فإنه نفيسٌ جداً .

2- أهمية فهم معنى الُأصول في الذِّهن ، فكثير من الطلبة يحرص على تعريف أصول الفقه ليفهم المراد منها ، ولم يذكر الشنقيطي معنى الأصول لفظاً ، لكنه بيَّنها معنى ومبنى . فالحفظ للأصول وحده لا يكفي ولا يشفي ، بل يلزم الفهم .

فأصول الفقه هي الأدلة وكيفية الاستدلال ، وهذا التعريف يغنيك عن مئات المراجع في معنى الأصول . فأنت إذا ضبطت الأدلة الأصولية وعرفت كيفية استعمالها فأنت أصولي ، وأعلم أهل الأرض بالأصول قديماً هو الجويني (ت: 478هـ)رحمه الله تعالى في رسالته الشهيرة ” الورقات ” لم يعرِّف الأصول اصطلاحاً ، لأنه يريد أن يعقل الطالب أن فهم الأدلة وكيفية التصرف فيها هي المراد هنا .

فيلاحظ أن الأصول هنا ليست الحفظ للنصوص فهي ليست رواية ، لأن هذا العلم دراية وهو آلة لفهم الفقه والأحكام . مثال ذلك : فهم لماذا كان المباح من الأحكام التكليفية مع كونه لا يتعلَّق به ثواب ولا عقاب ، والجواب : لأن ذلك راجع للمكلف في الفعل أو الترك ، وهذه مسألة مهمة ومبحوثة عند الأصوليين .

3- أهمية التعرف على معنى الفقه ، فلم يعرِّف الشيخ الفِقه ولم يربطها بالأصول ، فالأصول محلُّها الفقه والفقه لا يكون إلا بالاجتهاد ، والاجتهاد مبنيُّ على صحة فهم الأدلة ، وبهذا نستفيد أن الأدلة وكيفية الاستفادة منها هي أهم المهمات في علم الأصول ، ومعنى هذا أن باب الفقه لا يُفتح إلا من علم الأصول .

مثال ذلك : لو قال رجل لمجموعة من الرجال والنساء ، ومنهن زوجته : ” طلقتكم ” فإن زوجته تطلق ، لأن خطاب الرجال يدخل فيه النساء وقد قال الله تعالى : ” اهبطوا منها جميعا ” ( البقرة: 38 ) ومثلها : ” وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ” ( البقرة: 43 )وهو خطاب للرجال والنساء في الآيتين الكريمتين .

4- أصح مقصد لعلم أُصول الفقه هو : تعظيم الله في الدليل والتقرُّب إليه بذلك ، فكل مسائل أصول الفقه مبنية على هذه الركيزة المهمة ، وبدونها لا قيمة لعلم الأصول ولا لغيره من علوم الشرع ، ولهذا أوَّل أبواب الأصول في الغالب هو الحكم الشرعي الذي تتفرَّع منه الأدلة بنوعيها.

ومن طالع الكتاب النافع ” الفقيه والمتفقه ” للخطيب البغدادي(ت: 463هـ) رحمه الله تعالى ، وهو كتاب أصولي وتربوي في آن واحد ، يلحظ أنه شَرع في أدلة الكتاب بعد المقدِّمة ثم عرَّج على دلالات الألفاظ وما يليها من الأبواب ، ولسان حاله يقول : عظِّم أدلة الوحي بقلبك قبل أن تتعلَّم المسائل والاختلاف .

(ب) : تصحيح مسائِل المذكِّرة من أوَّل الكِتاب إلى آخِره :

قبل الشُّروع في التعليق على المذكِّرة أودُّ التنبيه على أن الشيخ رحمه الله تعالى ، أفاد من مصادر أصولية كثيرة جداً منها : ” الإحكام ” للآمدي ، و”منهاج الأصول ” للبيضاوي وحواشيه ، و” المسودة لآل تيمية ” ، و” جمع الجوامع ” للسُّبكي وحواشيه ، كحاشية المحلِّي وحاشية العَّطار ، وقد أفاد منهما كثيراً ، و”منظومة مراقي السُّعود ” وشروحها ، ، ومنها ” نشر البنود ” و” فتح الودود ” ، وقد اعتمد على المنظومة في أكثر من نصف الكتاب تقريبا ً ، وشروح ” مختصر ابن الحاجب ” وحواشيه ، إضافة إلى كتب الفقه المقارن ، ك ” المجموع شرح المهذَّب ” للنووي ، وقد أفاد منه كثيراً ، و” المحلَّى ” لابن حزم ، و” التمهيد ” لابن عبد البر ، و” المقدِّمات ” لابن رشد ، ثم كتب الحديث والمصطلح والُّلغة والشِّعر .

1-عند الكلام حول الحكم وحقيقته ، لم يورد الشيخ رحمه الله الفرق بين الحُكم عند الأصوليين والحُكم عند الفقهاء ، وقد أورد أنواع الحكم المشهورة عند الأصوليين : العقلي والعادي .
فالحكم عند الأصوليين هو الدليل ، وعند الفقهاء هو الأمر أو النهي وما يتبعهما من تكاليف شرعية ، وهذا التفريق مهم ليتمرَّن الطالب على البحث في المسائل ، ولن يفهم الدليل والاستنباط منه إلا بضبط هذه الجزئية . مثال ذلك : النُّصوص الدالة على تحرير الرقاب وما فيها من تقيِّيد او اطلاق ، فهناك أدلة تحرير رقبة ، وهناك أدلة تحرير رقبة مؤمنة ، وبين موضع الأمر والنهي في جزئياتها الدالة على ذلك وما فيها من أحكام فقهية عملية ، فهذا مفيد جدا لفهم هذه المسألة .

2-يجب التنبيه على أن الحكم التكليفي والوضعي لا يتعلَّقان بالحكم الفقهي، بل بالحكم عند الأصوليين ، لأنهما أوامر ونواهي وأسباب وشروط مصدرها الدليل ، والدليل هو علم الأصول ، فعند استخراج الحكم يلزم التمييِّز عن صفته ليحسن التصور والاستنباط ، مثال ذلك : الرخصة وهي حكم وضعي ، والعمل بها فقهاً وواقعاً قد يقع وقد لا يقع من المكلَّف . وهذا كثير جداً في واقع الناس .

3-يُستدرك في مسائل الحكم أن معرفة الأحكام القطعية كوجوب الصلاة والحج ونحوها ليست فِقهاً ، لأن حصولها ليس بالاجتهاد ، لكن معرفة المسائِل الخلافية ببحث واستنباط صحيح وفهم للأدلة هو الفقه وصاحبه فقيه ، وتطبيق هذه القاعدة حرفيا ًمِن بعض العلماء جعلهم يصفون الإمام أحمد (ت: 241هـ)رحمه الله تعالى بأنه ليس بفقيه بل محدِّث ! ، والحق خِلاف ذلك ، والدليل على فِقهه قول الإمام الشافعي (ت: 204هـ )رحمه الله تعالى:” خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ فيها أفقه من أحمد ” .

4- أورد الشيخ رحمه الله تعالى عند قِسم الحكم العادي مصطلحين هما : ( السكنجبين ) و( السيقمونيا ) ولم يوضِّح المقصود بهما ، فالأول يقصد به مركب مخلوط من العسل والخل ، والثاني هو ما يسمى حاليا ب( المحمودة ) وهي عشبة لتسهيل البطن ، ولم يذكر الشيخ ثمرة ايراد القسمين ، والمقصود أن الحكم العادي والعقلي يستفاد منهما في فهم العرف والعادة في الأحكام وفي واقع الناس ولتحقيق القرائن في الدعاوى. والشيخ مثَّل بها ولم يربطها بالفِقه ، فليستدرك .

5-يُستدرك على الشيخ في التعريفات اللغوية أنه لا يستشهد بآيات القرآن الكريم ، كما في تعريفه للحكم وتعريفه للتكليف ، بل يستشهد بالشعر ، ولو كان الاستشهاد بالنص القرآني وربطه بالفقه لكان أمتن وأقوى تأثيراً. ولم يورد الشيخ الفرق بين الأفعال والأسماء عند التعريف اللغوي ، وهذا مهم جداً للتفريق بين المترادفات اللفظية ، كما في الحَكم الذي يكون اسماً لحَكمة الفرس ، وهذه بالفتح ، وبين ما يكون بالضم لنفس الكلمة كما في الحُكم ، كقول الله تعالى : ” وإن حَكمت فاحكم بينهم بالقسط ” ( المائدة : 42 )، وقوله تعالى : ” وكُلاًّ آتينا حُكما وعِلما ً ” ( الأنبياء : 79 )، وقوله سبحانه : ” لا يُكلِّفُ الله نفساً إلا وسعَها ” ( البقرة : 286 ) لبيان أن التكليف الزام ما فيه مشقة . والعبادات فيها مشقة ، لكنها مشقة مآلها الراحة ، فهي تقرِّب القلب إلى خالقه فيخشع وينشرح صدره للخير.

6- قول الشيخ : ” وبعضهم يجعل الصحة والفساد من خِطاب التكليف ” ، هذا قول الجويني ، ولم ينبِّه على نسبته ، والراجح أنهما من الخطاب الوضعي ، لأنهما لا اقتضاء فيهما ولا تخييِّر .

7-أشار الشيخ إلى مسألة الفرق بين الفرض والواجب ، ويُزاد على كلامه أن الفرض يكفر جاحده والواجب لا يكفر جاحده .

8-لم يذكر الشيخ دليل الواجب المضيَّق ولا الموسَّع من القرآن ، وهو قول الله تعالى :” فمن شهد منكم الشهر فليصمه ” ( البقرة:185 ) وقوله تعالى :” أقِم الصلاة لدلوك الشمس إلى غَسق الليل ” ( الإسراء:78 ) .

9- يُستدرك على مسائل الواجب أنه يشترط للعلم بالواجب الإخلاص والمتابعة ، فلا تكفي معرفته ولا الوقوف على شروطه وأنواعه ، لقول الله تعالى : ” ليبلُوكم أيُّكم أحسنُ عملاً”( الملك:2) ، وقد قال العلامة الصنعاني (ت: 1182هـ) رحمه الله تعالى في منظومته البائية :
فللعمل الاخلاص شرط إذا أتى .. وقد وافقته سنةٌ وكتابُ .

10- مسألة اشتراط العزم على فعل الواجب الموسَّع في وسطه وآخره لم يُشر الشيخ الى الخِلاف حولها ، والخلاف فيها لفظي والله أعلم .
انظر : البحر المحيط ( 1/210) والقواعد لابن اللحام ( ص/70) .

11-لم ينبِّه الشيخ على مسألة طُّرق تضيُّق الوقت في الواجب الموسع ، وهما : الأول : انتهاء الوقت . الثاني : غلبة الظن بعدم البقاء إلى آخر الوقت .
وعند مسألة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، تعقَّب الشنقيطي ابن قدامة في تقسيمه للواجب إلى قسمين وقال : ” هذا التقسيم غير جيِّد ” ثم قسمها هو إلى ثلاثة أقسام .
وهذه المسألة التي تعقَّب فيها الشنقيطي ابن قدامة هي مسألة مقدِّمة الواجب ، والخلاف فيها ليس لفظياً بل معنوي فليستدرك ، ولها فروع فقهية تُخرَّج عليها ، ذكرها الأسنوي في نهاية السُّول ( 1/199) ، مثل مسألة الأمر بالصلاة هل يدل على اشتراط الطهارة ، فلتراجع فإنها مهمة جداً ، وتعقُّب الشنقيطي سديد وله حظُّ من النظر ، وقد فصَّل المسألة تفصيلاً بديعاً القِرافي (ت: 684هـ )رحمه الله تعالى في نفائس الأُصول شرح المحصول ( 2/538) فليراجع .

12- ذكر الشيخ الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية ولم يُفاضل بينهما ، وفرض العين أفضل لأن أصل التعبُّد لله جاء به .

13-أشار الشيخ إلى مسألة التكليف بما لا يُطاق عند شرحه لمبحث ما لا يتم الواحب إلا به ، وقال إن التكليف بما لا يُطاق مذهب باطل ، والراجح أن قول حكم التكليف بما لا يطاق بالجواز أو البطلان ، قول مجمل ، فلا يقال بالجواز ولا المنع مطلقاً ، كما دلَّت عليه النصوص الصحيحة ، وقد نبَّه على ذلك الإمام ابن تيمية (ت: 728هـ )رحمه الله تعالى في فتاويه ( 8/294) ، فليراجع .

14- في مسألة الواجب الذي تحت قدرة العبد تعقَّب الشنقيطي ابن قدامة في قوله إن الواجب الذي تحت قدرة العبد ليس بواجب على الاطلاق ، كالحج وغسل جُزء من الرأس ، وتعقُّب الشنقيطي صحيح لكن الخلاف في المسألة خلاف لفظي كما يقول الأصوليون فلا يجوز توسيعه .

وتجب الإشارة هنا إلى أن الواجب إذا كان مقيداً بشرط أو سبب فإن المكلَّف لا يجب عليه تحصيل الشرط ولا تحصيل السبب ، والخلاف عندهم هو في وجوب الشي المطلق ، هل هو أمر بمقدِّمته كوجوب الطهارة لأجل الصلاة ، مع قدرة المكلف عليه ؟ وهذا هو الراجح عند الأصوليين كما أفاده الزركشي (ت: 794هـ )رحمه الله تعالى في البحر المحيط ، فليراجع .

15-يستفاد من مسائل المندوب ضرورة الحرص والاجتهاد في فعل السُّنن والنوافل لزيادة الطاعات والتقرب إلى الله بما يحب .

16-يستفاد من مسألة انفكاك الجِهة التي أشار إليها الشيخ عند مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة ، وجوب الورع والبعد عن المشتبهات ما أمكن ، والحِرص على معرفة كل مسألة بدليلها الراجح ومعرفة الإجماع إن تيسر ذلك .

17-أطال الشيخ في المذكِّرة في مسألة حكم التكليف بما لا يطاق ، وتحريره للمسألة فيه غموض في كثير من عباراته ، وخلاصة المسألة : أن التكليف بما لا يُطاق من الألفاظ المجملة ، فلا يقال بجوازه مطلقاً ولا بتحريمه مطلقاً.

18-يُستدرك على الشنقيطي في مسألة تعريف (العِلة )عند كلامه عن الُحكم الوضعي، أنه يجب التنبيه على أن العِلة هي الموجبة للحكم لا بذاتها ، كما تزعم بعض الطوائف والفِرق ، فالعلة ليست مؤثِّرة بالحكم بذاتها بل بأمر الله وقدره ، لأن المعتزلة أسَّسوا التحسين والتقبيح على هذه القاعدة الشاذَّة ، وقد نبَّه على هذه الفائدة عبد العزيز البخاري (ت: 730هـ)رحمه الله تعالى في كشف الأَسرار (4/173) فليراجع .

(تنبيه ) : ذكر الشنقيطي في آخر المذكِّرة في باب القياس عند الركن الرابع أن قول ابن قدامة : العِلة هي مجرد علامة : ” لا يخلو من نظر ، وقد تَبع فيه غيره ، وهو مبنيُّ على قول المتكلِّمين أن الأحكام الشرعية لا تُعلَّل بالأغراض ” .

قلت : تعقُّب الشنقيطي رحمه الله تعالى صحيح لكنه غير منضبط ، فقول ابن قدامة إن العِلة هي علامة أو أمارة قولٌ قال به جُملة من الحنابلة منهم أبو يعلى (ت: 458هـ)وأبو الخطاب (ت: 510هـ )وابن عقيل (ت: 513هـ)والحلواني (ت: 546هـ )رحمهم الله تعالى ، كما هو محرَّر في كتاب المسودة لآل تيمية (ص/ 385) رحمهم الله تعالى ، وقد صحَّح أن ذلك لا يجوز باطلاق ، بل العِلل متضمِّنة وموجبة للمصالح ودافعة للمفاسد ، فيُحمل تقرير ابن قدامة رحمه الله تعالى على عُموم كلام الحنابلة من باب العدل والإنصاف ، لا على المعنى المخالف ، وللإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى رأيٌ مقارب لرأي ابن قدامة ، كما في فتاويه ( 25/175) فليراجع .

19-لم يذكر الشيخ الشنقيطي سبب تفريق أبي حنيفة رحمه الله تعالى بين الفاسد والباطل ، خلافاً للجمهور ، وسببه أن النهي عن الأمور الشرعية يقتضي القبح لغيره ، والصحة والمشروعية بأصله عندهم ، إلا بدليل يدل على خلاف ذلك ، كما أفاده عبد العزيز البخاري رحمه الله تعالى في كشف الأسرار (1/290) ، فليراجع .

20-أورد الشيخ في مسألة القضاء والإعادة استدراكه على ابن قدامة في قوله بفساد قول من قال : إن صوم الحائض بعد طهارتها أداء وليس بقضاء ، وقال في ثنايا ردِّه : ” تخصيصُه بفعلها – أي عائشة رضي الله عنها – لا دليل – يحتج به – قطعاً ،في لفظ عائشة المذكور ، لأن الاصطلاح حادث بعدها ” .

قلت هذه المسألة خلافية ولكل دليله وحجته ، والخلاف فيها لفظي ، وهي تشبه مسألة تخصيص العام بمذهب الصحابي وليست هي ، فتنبَّه .

21-أشار الشنقيطي في مبحث الرخصة إلى أن أجود تعريف لها هو : ” الحكم الشرعي الذي غُيِّر من صعوبة إلى سهولة ” ولم يبيِّن نسبة محرِّر التعريف ومنقِّحه ، وهو العلامة السُّبكي (ت: 771هـ )رحمه الله تعالى ، وقد نَقله عنه العلَّامة العطار (ت: 1250هـ)رحمه الله تعالى في حاشيته على جمع الجوامع ، فليراجع .

وفي مبحث الأحكام عند الاشارة للأدلة عرَّف الشنقيطي الدليل عند الأصوليِّين بأنه : ” ما يُمكن التوصُّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري” ، وهذا تعريف الآمدي (ت: 631هـ) رحمه الله تعالى للدليل كما في كتابه الإحكام ، فليحرَّر .

22-أشار الشنقيطي إلى أن ابن قدامة ترك الاستدلال بالعُرف وسدَّ الذرائع وغيرها ولم يذكر سبب ذلك ، وسببه أن العرف ليس دليلاً من الأدلة الأصيلة ، بل هو دليل للاستنباط ، فتنبَّه .

23-في أدلة الأحكام عند تحرير مسألة مصطلح ( القرآن) أورد الشيخ عبارة ( أهل الحق ) ويقصد بهم أهل السنة كما يظهر من سِّياق كلامه ، ولا مشاحَّة في الاصطلاح ، وقد استعمل هذه العبارة ابن قدامة أيضاً ، لكن هذه العبارة يستعملها الأشاعرة كثيراً في مصنفاتهم ، فليته نبَّه على ذلك ، كأبي إسحاق الشيرازي (ت: 476هـ)، والشهرستاني (ت: 548هـ ) والأسنوي (ت: 772هـ )رحمهم الله تعالى ، وكثير من المعاصرين اليوم يستدلون بتأصيل الأشاعرة لها قديماً ، والأولى والأكمل أن يُقال أهل السنة والجماعة ، أو أئمة السلف الصالح ، تمييِّزا لأهل السُّنة المتبِعين عن أهل السنة المخالفين ، فمن لم يكن موافقاً لأهل السنة ، فعنده مخالفة لها ، فلا يكون من أهل الحق وأهل التوفيق والهداية ، لأن الله تعالى يقول : ” فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال ” ( يونس: 32 ) .

انتهى الدرس الأول ، ويليه الدرس الثاني إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
1440/2/20