في الدرس السابِع تناولتُ بشي من التفصيل طُّرق الإستدلال لمسائِل الزاد ، وقد بيَّنتُ ذلك بالشرح والتمثيل والبيان ، سواء بالأدلة النقلية أو الأدلة العقلية.

(ط) : الإفادة من الصناعة الفقهية للبهوتي :
العلامة منصور البهوتي (ت: 1051هـ)رحمه الله تعالى له قدم راسخة في المذهب الحنبلي ، حتى إن علماء نجد والشام ومصر كانوا يراجعونه المسائل ، لتضلُّعه في الفقه وأصوله .
وقد ذكر المترجمون له أنه رحمه الله تعالى كان صارفاً أوقاته في تحرير المسائل الفقهية ، ومن كان هذا حاله فلا غرابة من رسوخ قدمه في الفقه والأصول ، لأن من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة .

والبهوتي فهم معنى كلام الإمام الشافعي (ت: 204هـ)رحمه الله تعالى عندما رغَّب في العلم في قوله : “العلم بطيء الِّلزام، بعيد المرام، لا يدرك بالسِّهام، ولا يُرى في المنام، ولا يورث عن الأباء والأعمام ، إنما هو شجرة لا تصلح إلا بالغرس، ولا تُغرس إلا في النفس، ولا تُسقى إلا بالدرس، ولا مُحصِّل إلا لمن أنفق العينين وجثا على الركبتين، ولا يُحصَّل إلا بالاستناد إلى الحجر، وافتراش المدر وقلة النوم، وصلة الليل باليوم، انظر إلى من شغل نهاره بالجمع وليله بالجماع، أيخرج من ذلك فقيهاً؟ .
كلا والله حتى يعتضد الدفاتر، ويستحصل المحابر ويقطع القِفار، ولا يفصل في الطلب بين الليل والنهار ” .

وقد أفدتُ كثيراً من علم البهوتي عند تحضير رسالتي للدكتوراه : ” الملَكة الُأصولية وتطبيقاتها في كتاب الروض المربع ” ، ووجدتُ أن عنده صنعة فقهية أتقنها ومَهر فيها ، وهي فضل من الله تعالى علَّمه إياها .

وهذه الصناعة الفقهية ضمَّنها في كتبه المشهورة ” الروض المربع “و ” كشاف القِناع ” و” دقائق أُولي النُّهى ” ، ولم أُلاحظها عند غيره من الفقهاء ، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء .
فهو يراجع المسألة ويحيط بجزئياتها ثم يُقرِّبها بأسلوب بلاغي لطيف على أصول مذهب الإمام أحمد (ت: 241هـ)رحمه الله تعالى ، ويزيد عليها تعليل الحكم .

وأصول أحمد هي : النُّصوص ، وما أفتى به الصحابة ، والمرسل أو الحديث الحسن ، والقياس .
والنصوص نص من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والنص النبوي قد يكون الاستدلال به من قوله أو من فعله ، ولها تفصيل تقدَّمت في الدروس السابقة في مسائل أصول الفقه وتطبيقاتها.

والتعليل : بيان الوجه الشرعي لصفة الحكم وسببه .
ومن تتبَّع الروض المربع من أوله إلى آخره يلحظ أن البهوتي في كل صفحة في غالب أحواله لا يكاد يخرج عن هذه الأُصول .

فهو يُقرِّر المسألة بالآية أو الحديث ، وإن لم يجد يستشهد بقول صحابي ، فإن لم يجد استشهد بالضعيف ، أو بالقياس ، وأردف ذلك بالتعليل.

والاستشهاد بالسنة عنده يكون على حسب المرتبة المناسبة للمسألة :
السنة القولية أو الفعلية أو التقريرية .
ومن منهجيته توقيره لفتاوى الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، وتعظيمه لجهاده في الله ، وتعليم طلاب العلم أهمية فقه الإمام أحمد وجودة مذهبه .

ففي فصل جزاء الصيد عند قول الحجاوي : ” في الضبع كبش ” قال البهوتي : ” قال الإمام : حَكَم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبش ” ، فهذا يدلُّ على عنايته بعلم الإمام أحمد وثقته بأُصوله وتأدُّبه بأدب طلاب العلم . ومثله كثير في ثنايا الروض المربع .

وهذه المنهجية لها فائدة مهمة لا يعرفها كثير من القراء ، وهي ترسيخ الملكة الفقهية والأصولية في ذهن الباحث أو المطالع في المسألة ، فلا يحتاج بعدها إلى شرح أو تفصيل من كتاب آخر .

ولهذا لما شرح البهوتي رحمه الله تعالى شروط الصلاة ومنها: ( الوقت ) أورد في بيان دليله قول عمر رضي الله عنه : ” الصلاة لها وقتٌ شرطه الله لها لا تصح إلا به ” .
فاستدل للفظ الشرط من كلام عمر رضي الله عنه، واستدل لمعناه من حديث جبريل عليه الصلاة والسلام المشهور في المسألة ، من رواية ابن عباس رضي الله عنهما .
وبيَّن البهوتي أن الوقت حكم وضعي وضعه الله تعالى لبيان حال الصلاة .

وبسبب هذ الملَكة القوية قال الشيخ عثمان الناصري رحمه الله تعالى : ” كُّل ما وضعه الحنابلة من الحواشي على أولئك المتون ليس عليه معوَّل، إلا ما وضعه الشيخ منصور، لأنه هو المحقِّق لذلك ” .
والتحقيق المقصود هو : ضبط أصول الإمام أحمد والحرص على تعليل المسائل ، مع اختصار العبارة ليستوعب السامع والقارىء الجواب .

ولا يأتي الفقه إلا بهذه المنهجية ، أما المطالعة المجردة فتضر ولا تنفع ، لأنها تُلبِّس على المطالع المسائل فلا يعرف لها وجهاً ، فتتغيَّر الأحكام عنده بسبب سوء فهمه .
وأوصي بإلحاح من أراد الترقِّي في الصنعة الفقية والأُصولية وترسيخ الملكة أن يقرأ في الروض المربع كثيراً ويطيل النظر فيه ، ومن جرَّب عرف.

وهذه ثلاثة أمثلة مختصرة من الروض المربع لتوضيح أسلوب الصنعة الفقهية عند العلامة البهوتي رحمه الله تعالى :

• المثال الأول : قال البهوتي : ” ويُكره أيضا تغميض عينيه ، لأنه من فعل اليهود ” .
لم يستدل البهوتي للمسألة من الوحيين ، لأنه لا نص للمسألة من كتاب الله ، ومن السنة لم يثبت حديثها الذي عند الطبراني : ” إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه ” .
أورد البهوتي التعليل بدلاً من الدليل ، لعدم ثبوت النص .
قد يقول قائل : كيف وردت الكراهة ولا دليل في المسألة ؟

الكراهة ليست من البهوتي إنما هي اجتهاد من الحجاوي رحمه الله تعالى في الزاد ، أو ابن قدامة في المقنع ، وقد بناها ابن قدامة على استصحاب حكم نظر المسلم إلى مكان قبلته وهو يصلِّي ، وهذا لا يكون حال تغميض العينيين ، إنما يكون حال الإبصار ، أو أن الحكم بالكراهة على التسليم بثبوت الحديث أو تحسينه .

فيلاحظ أن جواب السؤال عند البهوتي وعند ابن قدامة أو الحجاوي يعود عند التحرير إلى أصول الإمام أحمد ، فتنبَّه لهذا فإنه مفيد جداً .

• المثال الثاني : قال البهوتي : ” وتُسنُّ عيادةُ المريض ، ويأخذ بيده ويقول : لا بأس طهورٌ إن شاء الله تعالى ، لفعله صلى الله عليه وسلم ” .

ففي هذا المثال لم يستدل البهوتي بحديث : ” حقُّ المسلم على المسلم خمس ” متفق عليه ، إنما استدل بالسنة الفعلية له صلى الله عليه وسلم ، لأن الاستدلال بها أقوى وأنفع للقارىء والمطالع ، وفيها تعليم منه إلى وجوب زيارة المريض إن لم يكن عنده من يزوره ويتفقَّد حاله .

• المثال الثالث :
(أ‌) : قال البهوتي : ” ومن عرف العربية لم يصح لِعانه بغيرها ، لمخالفته النص ” .
(ب‌) :وقال أيضا : ” واستبراء الآيسة والصغيرة بمضي شهر ، لقيام الشهر مقام حيضة في العدة ” .
(ج) : وقال أيضاً : ” ولا تجبُ نفقة الغريب من رأس مال التجارة ، ولا من ثمن ملك ولا من آلة صنعة ، لحصول الضرر بوجوب الاتفاق من ذلك ” .
فالعبارات التي فوق الخط هي التعليل الشرعي للحكم ، وهي عند الُأصوليين مرتبطة ارتباطًا وثيقا بالوصف المناسب .

والوصف المناسب أربعة أقسام : مؤثِّر وملائم وغريب ومرسل .
المؤثر : ما دلَّ الدليل فيه على اعتبار عين الوصف في عين الحكم ، كتعليل ولاية المال بالصغر.

والملائم : ما دلَّ الدليل على اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم ، كتأثير القتل بالمثقَّل في القصاص .
والغريب : ما دلَّ الدليل على عدم اعتبار هذا الوصف في الحكم ، ويسمى المصلحة الملغاة .
والمرسل : ما لم يقم دليل خاص على اعتبار مناسبته إو إهدارها ، ويسمى المصلحة المرسلة .

فهذا ميزان شرعي نستطيع به ضبط العِلل الشرعية للأحكام .
والبهوتي رحمه الله تعالى يعتني بأصل المفردات سواء من جهة التركيب أو من جهة المعنى ، وقد استعان بكثير من المصنفات اللغوية لتوضيح المفردات وبيان معانيها .

ولم يقتصر على ذلك بل وضَّح معاني الحروف التي لها علاقة بفقه العبارة الفقهية .
ومن أكثر الحروف التي تتكرر في الروض هي حروف الخلاف، وهي ثلاثة: إنْ، حتى، لو.

وحرف الكاف يرد كثيراً في الروض حتى لا تكاد تخلو صفحة منه، وتأتي لأحد معنيين: تمثيلية أو تنظيرية.
والضابط في كيفية معرفة حال الكاف أن ننظر إلى ما بعد الكاف، فإن كان ما بعدها من جنس ما قبلها ويدخل فيه ، فهي تمثيلية.
مثال ذلك: قول الفقهاء: ” الماء الطهور هو الماء الباقي على خلقته كمياه الأمطار ، وكمياه الآبار وكمياه الأنهار” .

وأما الكاف التنظيرية فصفتها أن يأتي المصنف بحكم ثم يأتي بنظير ومساوي له ، لكن لا يدخل فيه بل هو مستقل عنه، مثال ذلك قول أهل العلم : “الزكاة ركن من أركان الإسلام كالصلاة” .
فالصلاة ليست من جنس الزكاة، وإنما نظيرها في الحكم ومساوي لها، إذ كلا الحكمين ركن.

والبهوتي يعطف الأحكام بعضها بحرف الواو مرة، وبـ(كذا) أخرى، فما الفرق بينهما؟
الجواب : بأن الحكم المنصوص عليه والمعطوف عليه إذا كانا متساوييين في كل شيء فهذا يُعطف عليه بالواو، أما إذا كان المعطوف لا يشابه المعطوف عليه من كل الأمثلة ، وإنما من بعض الوجوه ويفارقه من بعض الوجوه فيُعطف بـ(كذا)، وهذه متكررة كثيراً في الروض المربع.

ومنهج العلامة البهوتي رحمه الله تعالى : الإطلاق بعد التقييِّد، فقد تكون عبارة صاحب الزاد مطلقة، فيأتي صاحب الروض فيقيِّدها، مثال ذلك قول الزاد: “ومن انكشف بعض عورته (في الصلاة) وفحش …”، وضَّح البهوتي في الروض وقيَّده فقال: “ومن انكشف بعض عورته (في الصلاة) وفحش (عرفاً وطال الزمن) … أعاد” .

ومن منهجه أيضا ًالتفريع بعد التأصيل ، فقد يأتي نص الزاد أصلاً، ثم يأتي صاحب الروض ويفرِّع عليه مسائل إما بذكر شروط أو قيود أو غيرها.

ومن منهجه أنه قد يورد الزاد أو الروض في بعض المسائل ما أورده واشترطه بعض أهل العلم، فيأتي بصيغة تدل على أن هذا ليس بشرط وليس بلازم في هذه المسائل من باب المخالفة والتصويب، كقول صاحب الزاد:

“وإن اشتبه طهور بنجس حَرُم استعمالهما، ولا يشترط إراقتهما ولا خلطهما”، الشاهد : (ولا يشترط)، فلا يشترط لصحة التيمم الإراقة أو الخلط.
يشير الحجاوي في الزاد إلى أن هناك من أهل العلم من اشترط ذلك، فأتى هنا وقرَّر عدم الاشتراط .

قد يلاحظ الباحث بعض أسماء المصنفات في أثناء شرح البهوتي للروض، والمقصود أن الحجاوي قد خالف المذهب المعتمد عند المتأخرين في مسائل كثيرة، أشرتُ لها في أول الدروس، ثم يأتي البهوتي في أثناء الشرح فيبِّين المخالفة في المسألة، ولكن بأدب ولطف، وذلك أنه يبِّين للقارئ أن هذا القول المخالف -الذي قاله صاحب الزاد- ليس بدعاً من القول، بل قال به بعض علماء المذهب، فيورد بعض أسماء كتبهم التي ذكروا فيها هذا الحكم.

مثال ذلك قول الحجاوي: “وإن طلب السلطان امرأة لكشف حق الله أو استعدى عليها رجل بالشُرطِ في دعوى له، فأسقطت، ضمنه السلطانُ والمستعدي، ولو ماتت فزعاً لم يضمنا” .
وضح البهوتي فقال: “جزم به في الوجيز وقدَّمه في المحرر والكافي، وعنه -أي أحمد- أنهما ضامنان لها ، كجنينها لهلاكها بسببهما وهو المذهب كما في الإنصاف وغيره، وقطع به في المنتهى وغيره” .

ما يورده البهوتي في شرحه هكذا : “قاله في المبدع” أو “قاله في الإنصاف أو الفروع”، فإنه يريد به العزو فقط ، لا الإشارة إلى المخالفة في المذهب كما سبق قوله، وكيفية التفريق أنه إن عزا ثم لم يذكر وجها آخر للمسألة بعد ذلك فهو مجرد عزو، وإذا أورد وجهاً آخر كأن يقول: “وعنه….”، فهذا هو المقصود بما تقدَّم .

والعلامة البهوتي رحمه الله تعالى إذا وجد في المسألة خِلافاً فإنه يجتهد في جوابها أو ينقل اجتهاد غيره من الأئمة رحمهم الله تعالى ، وفي كل فصل من فصول الروض يُلاحظ ذلك ، وانظره جلياً في آخر مسائل الحج ، وفي مسائل الحضانة ومسائل العِتق . والله أعلم .

هذه أهم معالم الصناعة الفقهية عند العلامة البهوتي رحمه الله تعالى ، وعندي فوائد كثيرة أخرى في منهجيته لا يتسع المقام لسردها هنا ، اسأل الله أن يُعين على نشرها لاحقاً .

انتهى الدرس الثامن ويليه الدرس التاسع إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

1439/12/4