هذا موضوع طريف يتعلَّق بِأحكام الفُلوس أو الدراهم الزائِدة.
وسبب إيراده ومناقشته تقسيم بعض الأغنياء لأموالهم في حياتهم ، واستفادة بعض الناس من أموال مُخصَّصة للصالح العام ، وتحصيل مبالغ من التأمين زائدة على قيمة الإصلاح للسيارة ، ونحوها من المسائل القريبة منها .

وقد ثبت وجوب الإستبراء في المال عامة كما في حديث أبي سروعة عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: صليتُ وراء النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة العصر فسلَّم ثم قام مسرعاً فتخطَّى رقاب الناس إلى بعض حُجر نسائه ، ففزع الناس من سُرعته فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته فقال :” ذكرتُ شيئاً من تِبرٍ- يعني ذهب – عندنا فكرهتُ أن يحبسني فأمرتُ بقسمته “. رواه البخاري .

فاذا كان هذا حاله صلى الله عليه وسلم في تقسيم الصدقات ، فكيف يكون الواجب عند تقسيم الحُقوق والفرائض المالية ؟! .
وقد يكون لفظ (الفلوس الزائدة)فيه تجوُّز، لكنه في الغالب يتصل بهذا المعنى من قريب أو بعيد . يعني قد تكون الزيادة حقيقية وقد تكون اضطرارية نسبية .
فيجب حَملُ الحكم على هذا المعنى حتى ينضب الوصف انضباطاً صحيحاً .

والقاعدة في هذا الباب أن الأموال لا يكون فيها زيادة في الغالب ، لأنها إما مستوفية للحقوق أو مُدَّخرة للعيش ، أو لها مصرف شرعي تجب فيه . وفي المرفوع : ” والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئًا بغير حقِّه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول: اللهم هل بلغت؟! ” متفق عليه .

وقد تقرَّر عند الأصولييِّن أن العِلة هي الوصف الظاهر المنضبط المناسب للحكم .
فالفلوس الزائدة لها عدة مظاهر ولها تكيِّيفات فقهية تختلف باختلاف حالها . فقد تكون هبةً أو صرفا ً أو سُحتاً أو ربا أو مضاربة ً أو صدقة أو لُقطةً . فمن مظاهرها :

الأولى : ما يجده من يسحب من جهاز الصراف من فُلوس عند إدخال بطاقته . قد تكون خللاً من الجهاز نفسه ، أو نسيانا من الساحب الذي قبله . ومثلها الإنتفاع الخاص بأموال الدولة المخصصة للمشاريع التنموية .
الثانية : بقية الفلوس من العملات المعدنية ونحوها ، ولا يريدها صاحبها ، لعدم انتفاعه بها في الغالب .
الثالثة : بقية الفلوس التي يتركها صاحبها عند البائع لعدم تمكُّنه من صرفها عند الشراء ، لعدم وجود فكَّه في المحل.
الرابعة : بقية الفلوس التي يتركها صاحبها عند الآخرين ، كدينٍ أو استثمار أو ما شابه .
الخامسة : بقية الفلوس التي نسي صاحبها مقدارها عند من أخذها هو منهم ، ولم يُوثِّقها فالتبس عليه عددها .
السادسة : بقية الفلوس التي يجدها من يسير في طريق أو في مكان معلوم .
السابعة : بقية الفلوس الزائدة في خزينة الدولة وليس لها مصرف عام ينتفع به .
الثامنة : من عنده فلوس زائدة ، وخشي من تخاصم ورثته عليها من بعده .

وتفصيل ما مضى هو أن الأصل في الفُلوس الزائدة أن ينتفع بها صاحبها هو بنفسه إن كان يملكها مُلكاً شرعياً ، مهما كان المبلغ حقيراً أو ضعيفاً . لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة فقال رجل يا رسول الله عندي دينار فقال : تصدَّق به على نفسك ، قال : عندي آخر ، قال : تصدَّق به على ولدك ، قال عندي آخر ، قال : تصدَّق به على زوجتك أو قال زوجك ، قال عندي آخر ، قال : تصدَّق به على خادمك ، قال عندي آخر ، قال : أنت أبصر ” أخرجه أبو داود بإسنادٍ حسن .

فكل من ملك مالًا زائداً عن حاجته فيتصدَّق به صاحبه على نفسه ، كتجميل ثوبه ، أو تحسين معيشته هو أو معيشة أبنائه ، أو إعانة أهله أو خادمه ، ونحو ذلك .
فالفلوس الزائدة التي يجدها من يسحب من الصراف ، وهي ليست من حسابه ، لا يحلُّ له أخذها لأنها مال له مالك ، فيجب تعريفها في المصرف نفسه ، لإبراء الذمة ، وللبعد من شبهة الإختلاس . وقد صحَّ في الحديث : ” على اليدِ ما أخذت حتى تُؤدِّيه ” أخرجه الترمذي بإسناد صحيح .

والفلوس الزائدة من العملات المعدنية التي تُعاد لصاحبها في الصيدليات أو محلات التجزئة ، الأولى أخذها والتصدُّق بها من خلال جمع كمية كبيرة منها بإفراغها في علبة أو درج حتى يكون لها قدر ثم تدفع للمحتاجين، أو تُسلَّم إلى مؤسسة النقد لتحويلها إلى ريالات ورقية . وقد صح في الحديث : ” سبق درهم مائة ألف درهم ” أخرجه النسائي بإسناد صحيح .

أما ما يتركه المُشتري عند البائع من الفلوس ، فهو مَحلُّ خلاف بين كثير من أهل العلم .فقد حرَّمه بعضهم ، لأن المعاملة جمعت بين بيع وصرف، فالمال المُشترى به يصير عِوضاً لصرف وبضاعة ، فأما البضاعة فلا خلاف أنه ليس بينها وبين الدراهم ربا، وأما الصرف الذي هو باقي قيمة المبلغ فهو بيع نقد بنقد، فلا يجوز تركه حتى يستوفيه صاحبه . والله أعلم .

ومن أهل العلم من جوَّز هذه المعاملة لمشقة التحرز منها ، ولأن الصرف هنا غير مقصود ، ولأن أهل العلم لم يتفقوا على إمتناع اجتماع البيع والصرف في عقد واحد . وهذا القول هو الراجح وهو ما يميل إليه مُقيِّد هذه السطور .

أما ما يتركه صاحبه عند الآخرين كدينٍ أو إستثمار . فإن الديون مُقدَّمة على الزكاة في القول الراجح عند العلماء ، فإذا تزاحمت الديون والزكاة فإننا نُقدِّم حق المخلوق أولًا، لأنه مبنيُّ على المشاحة ، وحق الله تعالى مبنيُّ على المسامحة . وقد ذكر هذه القاعدة ابن بلبان (ت: 1083هـ ) رحمه الله تعالى في أخصر المختصرات ، وذكرها ابن تيمية (ت: 728هـ ) رحمه الله تعالى ، في مجموع الفتاوى .

وأما زكاتها فإنها تزُكَّى سواء قبضها أو لم يقبضها ، ولصاحب المال الخيار في تعجيل الزكاة أو في تأخيرها إذا قبضها .
وهنا قاعدة مهمة تتعلق بالمسألة السابقة وهي : أنه لا يجوز للدائن أن يُسقط دينه عن مدينه الفقير المعسر الذي ليس عنده ما يسدُّ به دينه، ويحسبه من زكاة ماله، فإن فعل ذلك لم يُجزئه عن الزكاة، وبهذا قال الحنفية والحنابلة والمالكية ما عدا أشهب، وهو الأصح عند الشافعية، وقول أبي عبيد. ووجه المنع أن الزكاة لحق الله تعالى، فلا يجوز للإنسان أن يصرفها إلى نفع نفسه أو إحياء ماله واستيفاء دينه .

والزكاة واجبة في المال المتاجر به في أصله وربحه، كل سنة إذا بلغ نصابًا وحال عليه الحول، ولا يجوز تأخير إخراجه بعد وجوبه من غير عُذر معتبر .

أما الفلوس التي تُؤخذ من الناس كالزكوات والصدقات العامة ولا تُوثَّق ولا يُقيَّد عددها ومقاديرها ، فإن الذِّمة لا تبرأ حتى يتم معرفة المال الخاص من غيره ، حتى لا يشتبه المال الحلال بمالٍ باطل لا يجوز الأخذ منه . وقد صح في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه مرفوعاً : “يا كعب بن عُجرة لا يدخل الجنة من نبت لحمه من سُحت النار أولى به ” أخرجه أحمد بإسناد صحيح .

والفلوس التي يجدها الواحد في حسابه بالخطأ ، أو يجدها في طريق أو مكان عام ، فيجب تعريفها إن كانت ذات قيمة ، لحديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه المشهور في الصِّحاح . أما المال اليسير فلا حرج من الإنتفاع به ، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، وهو مُخرَّج عند أبي داود في ُسننه بسند صحيح . وهما مشهوران في باب اللقطة .

أما الفُلوس الزائدة في خزينة الدولة وليس لها مصرف عام فيجب على وليِّ الأمر صرفها على المجاهدين وحفظ أمن البلد وثُغوره ،. وما يتعَّلق به من شراء السِّلاح وإعداد العُدَّة. لتواتر فتاوى العلماء بذلك . والله أعلم .
أما من كان عنده فُلوس زائدة وخَشي من تخاصم ورثته عليها من بعده ، فلا يصح له تقسيمه لماله في حياته .

وقد قال ابن حجر الهيتمي (ت: 973هـ ) رحمه الله تعالى:” إذا قسم الأب ما بيده بين أولاده فإن كان بطريق أنه ّمَّلك كل واحد منهم شيئاً على جهة الهبة الشرعية المستوفية لشرائطها من الإيجاب والقبول والإقباض أو الإذن في القبض، وقبض كل من الأولاد الموهوب لهم ذلك، وكان ذلك في حال صحة الواهب جاز ذلك ، وملك كلُّ منهم ما بيده لا يشاركه فيه أحد من إخوته، ومن مات منهم أعطي ما كان بيده من أرض ومُغّل لورثته. وإن كان ذلك بطريق أنه قسم بينهم من غير تمليك شرعي، فتلك القسمة باطلة، فإذا مات كان جميع ما يملكه إرثاً لأولاده للذكر مثل حِّظ الأنثيين ” .
أما مبالغ التأمين المتحصل عليها وفيها زيادة على قيمة الإصلاح الحقيقية ، فهي بمنزلة الهبة ، ولا حرج فيها على القول الراجح . والله أعلم .
هذا ما تيسر تحريره، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
1437/11/22