ملاحظات على تشجير كتب السلف

أثناء مطالعتي لترجمة الإمام جلال الدين المحلِّي(ت: 864هـ ) رحمه الله تعالى ، تعجبتُ من صعوبة الحفظ عليه وجودة فهمه وتفطُّنه للمعاني العويصة الخفية ، فقد كان ذهنه- كما قيل –  يكاد يثقب الألماس من قوة قريحته . وهذا من فضل الله وحده  .

هذه الصفة عند الإمام المحلِّي جعلتني أفكِّر في ظاهرة التشجير التي انتشرت اليوم في الأوساط العلمية ، وكانت سبباً من أسباب التخلُّف العلمي في الآونة الأخيرة  .

فقد دأب بعض طلبة العلم وبعض المتصدِّرين للتدريس على تشجير كتب السلف التي جمعت مُهمَّات الفنون ، أو بعض المصنفات المهمة في التخصصات التي يعكف كثيرٌ من محبِّي العلم على تأملها وتكرارها .

والمقصود بالتشجير : التفريع والتقريب بالرسوم البيانية أو بالجداول العمودية والخرائط الذهنية ،مع حذف الزوائد لبعض المسائل الفرعية.

والتشجير في اللغة مصدر للفعل شجَّر ، ويقصد به الرسم والتزييِّن .

وفي الإصطلاح المعاصر للعرف العلمي : تزييِّن الكتب وتقريب المسائل بالرسم العمودي وما في معناه ، غير أنه لون من ألوان الضعف العلمي الذي تسرَّب إلينا من الحضارة العلمية الغربية التي لا تناسب بينها وبين علومنا ومناهجنا .

التشجير لم يكن معروفاً قبل عقد من الزمان ، فقد ظهر في الأوساط العلمية فجأة ، إثر موجة الإعجاب بنظريات التعلَّم الحديثة عند الغربيين والمستشرقين ، والدارسين في الجامعات الأجنبية  .

التشجير مفيد لطلاب العلم ذوي الفهم المحدود أو للأعاجم الذين لا يُحسنون  إدراك المعاني الشرعية والاصطلاحية المبثووثة في المتون ، أما طلاب العلم الذين عندهم مَلكة الفهم والجمع بين النظائر والمفردات واستخراج الحكم ومعرفة العلل أو يأملون في النبوغ ، فلا يحسن تسويق هذا اللون بينهم ، كما هو شائع الآن في المنتديات والملتقيات والجامعات الشرعية .

وقد ظهرت ثمرة هذا التشجير عياناً بياناً في خُلوِّ المكتبات العلمية من الجدية في الطرح العلمي ، والضعف في تأصيل النوازل المعاصرة ، إلا ما رحم ربي.

لو تأملنا الكتب التي يتم تشجيرها وتسويقها بين طلبة العلم ورُوّاد المكتبات ، لألفيناها كتب الفقه والأصول ،فقد فُرِّعت مسائلها وقُلِّمت وشُذِّبت ، فأضحت ملساء كالرمل الذي لا يُمسك الماء ولا يُنبت الكلأ ! . وهذا مما يستدعي النظر في هذه الظاهرة الملفتة أمام صمت عجيب من المتخصِّصين !   .

لا يوجد إطلاقاً تشجير لكتب التاريخ والسِّير، أو كتب اللغة ، أو كتب النحو والصرف ، أو كتب علم الإجتماع ، أو ونحوها من الفنون  .

قد تُوجد محاسن يسيرة لهذا الأسلوب لتقريب العلم الشرعي ، لكن الملاحظات تنيف على المحاسن ويجب التنبه لها وهي :

1-  قطع الصلة بين المتن ومنهج المصنف :

السبك العلمي لعبارات المتن التي يصوغها الماتن أو العالِم تكون على منهج مُعيَّن ومنظومة موحَّدة ، وهذه تُفيد الطالب في معرفة مفردات الأحكام ومعانيها ، وهي وسيلة لحفظ كلامه في المسألة ، وتشجير ألفاظه يُفوِّت هذه المصلحة ، وقديماً كان العلماء يعرفون المخطوطة أو الكتاب الذي فُقد غِلافه بسبك عبارات مؤلِّفه وأسلوب كلام كاتبه . وقد صح أن الإمام المزني (ت: 264هـ ) رحمه الله تعالى ، قرأ كتاب “الرسالة” خمسمئة مرة .

 وقد تواتر عن أبي العباس بن سُريج ( ت: 306هـ) رحمه الله تعالى، أنه كان ينظر في مختصر المزني ثلاثين عاماً حتى أنشد :

سميرُ فؤادي مُّذْ  ثلاثون  حِجَةً          وصيقلُ ذهني والمُفرّجُ عن همي         .

وقد ثبت أن الإمام النووي (ت: 676هـ  ) رحمه الله تعالى ، قرأ كتاب “الوسيط”  للغزالي ( ت: 505هـ ) رحمه الله تعالى ، أربعمئة مرة  .

وهذا يدل على اعتنائهم بمناهج المؤلِّفين وحرصهم على إدمان النظر فيها بلا كلل  .

 

2-  حرمان الطالب من استدراكات العلم :

فمن خلال أبواب الكتاب ومسائله يستدرك المصنِّف على كلامه،  أو يُستدرك عليه من خلال شارحه أو محقِّق كلامه ، وتشجير الكتاب يُفوِّت هذه المصلحة ، ويقطع الدارس عن معرفة مُرجِّحات المسائل . وقد رأيتُ في بعض كتب التشجير لمتن فقهي في باب السبق : ” (يصح السبق على الأقدام وسائر الحيوانات والسُّفن والمزاريق ) ولم يوضِّح معنى المزاريق ، فبقيت مبهمة غامضة . ومعناها : الرماح .

3-  إضعاف ملكة الإستبصار العلمي :

والإستبصار هو النظر في الفقرات مرة واحدة متتابعةً كأنها قطعة معدنية في اليد ، مما يُسهِّل معرفة ماهية المراد منها كمنطوق ومفهوم ومطلق ومقيد ، ونحو ذلك من الدلائل التي لا تخفى على من له ممارسة للنظر في الكتب  . وقد أومأ إلى هذه الطريقة العلامة ابن بدران ( ت: 1346هـ ) رحمه الله تعالى ، في كتابه “المدخل”.فلُتراجَع فإنها نفيسة   .

4   البُعد عن إدراك النظائر الفقهية والأصولية :

فالتشجير يبُعد المتأمل عن إدراك النظائر الفقهية والأصولية في المسائل المرقومة في المتن ، لأنه يعرض المفردات مجردة عن دلائلها ، كأنها عظم بلا لحم . وهذا من أفسد الأساليب لتجريد الطالب عن الأصول وفوائدها. كقاعدة : ( الأصل في الأشياء الإباحة ) فهذه يكثر إيرادها في كتب التشجير ، والصحيح عدم التعويل عليها مطلقاً ، لعدم الإجماع على التسليم بتعميمها  .

5-  تعزيز ملكة الكسل والحرمان من التأصيل :

فيبقى الطالب أسيرا مُقيَّداً في هذا التشجير المبهم ولا يكاد يخرج عن إطاره ، فَيُحرم من بناء المَلكة وتأصيل المسائل ومعرفة مناط الأحكام . كغموض مسألة ماء الرحى إذا حُبس ، فلم أر من نبَّه على معناه من المشجِّرين  !.

6-  تأسيس الإعتماد على الجُذاذات :

والجُذاذات هي بطاقات العلم الصغيرة الخالية من بناء الملكة وترسيخ الفقه الصحيح ، مما شجَّع المتعالمين على تخطئة العلماء وأهل الفتوى الذين رسخوا في العلم وعرفوا مكنونه ، فأصبح العامة من الناس يستدركون على أهل العلم لاعتمادهم على ظاهر هذه الجذاذات الخالية من التأصيل  .

7-  توسيع ظاهرة نبذ التحرير :

التشجير للمتون يمنع أو يحدُّ من تحرير ألفاظ المتن لاعتماده على غير نسخة الأصل ، فالغالب أن تدوين الفرائد يكون على أصل المتن لا على بديله . وهذا معروف بالتجربة  .

8-  فوات لطائف الحواشي والتنبيهات :

ففي بعض المتون هناك لطائف من الماتن نفسه أو من المحقِّق أو المعلِّق على الكتاب ، وفيها نفائس تُحذف عند تشجير الكتاب ، ولا يتفطَّن لهذا كثير من محبِّي العلم المتعلِّقين بالتشجير والمختصرات .

9-  هَجر لُغة العلم وفخامة معاني المتون :

العين إذا مارست النظر في متون العلم فإنها تكتسب فخامة اللفظ وقوة المعنى المنطويان في عبارات الماتن . ومعلوم أن لغة الفقه القديمة لغة مباركة وفيها غزارة علم وجودة سبك ، ولا يُمكن تحصيل هذه المصلحة بطريقة التشذيب .

10- ترسيخ ضعف الملكة العلمية :

وهذا لا يحتاج إلى قانون وبرهان ، فإن الملكة العلمية إنما تُبنى بالقواعد وفهم الأدلة ومعرفة الدلائل وإدمان النظر في المتون الأصيلة ، لا بتشذيبها وتشجيرها واستخراج الملكة منها ! .

ومن المؤسف اليوم تسويق البحث في المكتبات الإلكترونية ، مما زاد من غربة النظر في الكتب ومذاكرتها وطلب بركة البحث فيها . وهذا سببه عدم اليقين بثواب الرحلة للكتاب وطلبه واحتساب التقييِّد فيه . وقد قيل : ” إذا جاء نهر الله بطل نهر معقِل”  .

وختاماً فإن الأكمل والأفضل هو الإستعاضة عن تشجير كتب السلف بتعليق الحواشي وكتابة الأدلة المقرِّبة لها ، بتحرير عباراتها مع فهم الدلائل والقواعد الموضِّحة لها ، أو بطريقة السؤال والجواب التي درج عليها بعض علماء العصر ، لكنها خَبت مع الحضارة المعاصرة والثورة الرقمية . نسأل الله الخَلف والعِوض  .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات   .

1436/2/22هـ