المسلمون في أنحاء المعمورة يبتهلون إلى الله تعالى في هذه الأيام أن يصلح مصر وأهلها ،بعد أن عانت أكثر من ثلاثة عقود من الظلم والحرمان والفساد . كانت أرض الكنانة ترزح تحت سلطة تتعلم الحجامة في رؤؤس اليتامى ، او كما يقول اخواننا المصريون :”يتعلمون البيطرة في حمير النور ” !! لكن الله تعالى ألهم شعب مصر خلع فرعونه وجنوده ، فصاروا كأمس الذاهب ، كأن لم يغنوا فيها ، فسبحان من سلبهم عروشهم فجعلهم أثراً بعد عين “والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون” (يوسف : 21 ) .

 
لم يخلّف النظام البائد سوى المآسي والآلام ونهب خيرات بلده ، فلم يخلّف علماً ولا حضارة ولا مدنيّة، مما جعل الملايين من أبناء مصر يفضّلون الهجرة ،إما هجرة دائمة كعرب المهجر في الدول الغربية ، أو هجرة مؤقتة كالعمالة الوافدة التي تسعى للاسترزاق .
 
وقد تعاقب على حكم مصر منذ الفتح الإسلامي لمصر إلى اليوم حوالي( 400) حاكم ، أولهم عمرو بن العاص ( ت : 43ه ) . وكانت مصر في أول عهدها منارة للعلم والأدب والرقي ، ثم تحوّل حالها تدريجياً إلى الأدنى رويداً رويداً كما قال المتنبي ( ت : 354ه ) :
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحكٌ كالـبـكـا
 
ولا يخفى على كل متأمل أن المد الاستعماري في المشرق العربي وشمال أفريقيا أصاب الأمة الإسلامية لا سيما مصر: بالوهن والخنوع وتحوّل كثير من المسلّمات والثوابت إلى متغيرات ، فحوّرت أحكام الشريعة الإسلامية إلى قوانين وضعية ، ونزع الحجاب ، وهجرة لغة الضاد ، وانتشر الفجور وفشى إلا على ثلةٍ قليلة ،غُيّبت في الزنازين أو أُرغمت على الرضا بواقعها . والمقصود أن مصر ضُيّعت في بعض مراحلها ممن حكموها عبر القرون الطويلة ، وعُطلت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم  حينما قال : ” إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط ، فاستوصوا بأهلها خيراً ، فإن لهم ذمة ورحماً ” أخرجه مسلم .
 
سباق الرئاسة الذي يجري الان في مصر سبب شرعي لإقامة دولة يحكمها الكتاب والسنة ، ووسيلة لتوحيد الصف الإسلامي ، ودرء للفتنة عن أرض الكنانة . لكن معضلة مصر التي يقطنها ثمانين مليون نسمة : أن فيها رواسب من التغريب والتيارات المختلفة في الدين والفكر والسياسة ، كالعلمانية والليبرالية والقومية والناصرية . لن تستطيع مصر التخلص من ها الزبد إلا برجل قويّ معانٌ من الله تعالى، له أنصار على الحق ، والحق لا يتم إلا بالعدل بين المحرومين والمترفين في جميع شؤون الحياة .
 
لقد كانت مصر في بعض الحقب التاريخية تُصدّر القمح للرومان ، واليوم لا يكاد الفرد المصري يجد قوت يومه بسبب الاستبداد الاقتصادي الذي أشار إليه القرآن المجيد في قول الله تعالى : ” إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة اُولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ” ( القصص : 76 ) .
 
وقد روي عن أبي ذرٍ الغفاري ( ت : 32ه ) رضي الله عنه أنه قال: “عجبت لمن لا يجد القوت في بيته ألا يخرج على الناس شاهراً سيفه ” . وقد صحح ابن حزم الأندلسي ( ت : 456 ه )في كتابه ” المحلى” معنى هذه المقولة بقوله : ” إن للجائع عند الضرورة أن يقاتل في سبيل حقه في الطعام الزائد عند غيره ، فإن قُتل الجائع فعلى قاتله القصاص ، وإن قُتل المانع فإلى لعنة الله ،لأنه منع حقاً ،وهو طائفة باغية ” .
 
المصارعة على كرسي الرئاسة في ظل العوائق السالفة أمر عسير في بلد يعج بالأهواء والآراء ، لا سيما والدول الغربية ترصد أنشطته ، للاستفادة منها في إضعافه وحصاره والتضييق على أبنائه كما في الحديث المرفوع : ” منعت العراق درهمها وقفيزها ، ومنعت الشام مديها ودينارها ، ومنعت مصر إردبها ودينارها ، وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم ” أخرجه مسلم .
 
والمأمول من علماء مصر ودعاته في هذه المرحلة : الاجتماع على التواصي بالحق والصبر عليه ، فإن الحق قديم لا يبطله شيئ ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ، والله الهادي ، والعاقبة لمن اتقى .
 
أ / أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي 
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة .