بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . أما بعد.
فالرحلة في طلب العلوم تغرس اليقينَ في النفس، ويصير المرءُ بها خبيراً بالمعارف والأقاليم وأخلاق الناس. والذين كتبوا مصنفات المسالك والممالك وجغرافية الأرض ، وكتب البلدان والرحلات، لم يرقموها إلا بعد أن قطعوا البحار والفلوات، وعانوا من المسغبة والتغرب في الأمصار ما الله به عليم.
ومنذ زمن وأنا أُمنِّي النفس برحلة علمية في أيام معدودات إلى بلاد المغرب ،لالتقاط الفوائد من مكنون صدور أهله، واستخراج الشوارد من مخزون أرضه . وهو بلد يشتهر بجمال حضارته وأصالة أهله وعمق مجده وتاريخه.
وكانت الغاية من تلك الرحلة :
شراء بعض المخطوطات ونوادر المطبوعات الأصولية ،التي لا تتوفر إلا بالبحث والتقصِّي، ولتوثيق بعض ما تم الوقوف عليه من آراء ودراسات خاصة في الجانب الأصولي.
وكذلك مقابلة من يتيسر لي من أعلام المدرسة المالكية ،من أهل الحديث ومن غيرهم ،والاستفادة من الفريقين ومناقشة أفكارهم وأطروحاتهم.
والالتقاء ببعض الأكاديميين والأساتذة والطلبة والأصدقاء ممن تربطني بهم صلة.
وكذلك زيارة بعض المدارس والأوقاف والمعاهد المغربية بقدر ما يسمح به الوقت .
ولا ريب أن بعض فوائد العلوم لا يمكن تحصيلها إلا بالسفر والرحلة واجهاد النفس في سبيل ذلك، ولو بقي المرء في مكانه فإنه لا يحصِّلها ولو كان من أذكى الناس.
ومن هذه الفوائد : اقتناص شوارد المسائل بالمباشرة، ومعرفة طرق تفكير الآخرين ومشاربهم ومناهجهم، والاطلاع على أحوال المجتمعات بدون واسطة.
بعد الاعداد وترتيب السفر ،يسر الله لي الأمر وأقلعت الطائرة من مطار الملك عبد العزيز بجدة ،إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء في رمضان 1443هجرية، وقد كنتُ صائما ًولله الحمد ، وأكملتُ صيامي أخذا بالعزيمة الشرعية.
وقد تذكرتُ وأنا في الطائرة حال حمزة الأسلمي رضي الله عنه، وقد كان دائم الأسفار كثير الصيام، ولهذا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفطر في السفر، فقال له : ( إن شئت فصم وإن شئت فأفطر). والحديث في الصحيحين.
وهذا الأثر فيه فوائد أصولية منها : أن الإباحة الشرعية مقدَّمة على الإباحة العقلية، وأن المباح من جملة الطاعات إذا قدر المسلم على فعله، وأن الرخصة والعزيمة تتجاذبان مع المكلف بحسب قوته وضعفه، وقد تتفاضل إحداهما على الأخرى كما بيَّن ذلك العلامة الشاطبي رحمه الله تعالى، وأن فعل العزيمة هو الأكمل عند التخيير.
مكثت الطائرة في الجو نحو سبع ساعات، كان سميري فيها كتاب نُكت المحصول لابن العربي المالكي رحمه الله تعالى. وقد راجعته كاملاً مراجعة شاملة لتثبيت مسائله وفرائده، وكنتُ قد درسته قديماً قبل نحو ثلاثين عاماً، وهو كتاب جليل في عمومه ،يستفيد منه العوام الجفلى مع الخواص من أولي الحجى، لأن فيه مسائل فقهية كثيرة مع تعليم طريقة تعظيم نصوص الوحيين في الجملة. ويمكن لطالب علم الأصول أن يفيد منه بطريقتين : الأولى: فهمه بالتسلسل المنطقي الذي تعمَّده المصنِّف ليرتب عقل الطالب وتفكيره في بناء المسائل. الثانية : التدرب على مسائله وتطبيقاته كما رسمها المصنِّف، والإفادة من أمثلته واستدلالاته، ولا يكون ذلك إلا على معلم زكي أو طالب فطن.
والكتاب فيه مواضع اضطرب فيها قلم ابن العربي أو الناسخ له ، وعنده في موضوع الصفات لله تعالى منهج لا يعوَّل عليه، وقد اعتذر في كلامه عنها بعذر غير مقبول، ولعل هذا بسبب تأثره بأهل الكلام.
وصلتُ بحمد الله تعالى مطار الدار البيضاء قبل الظهر، وأنهيتُ إجراءات الدخول واستلام الحقائب، وكانت معاملة المغاربة جيدة ،وإن كان فيها بعض الحدة والخشونة أحياناً .
وهذا على سبيل الإجمال وليس حكماً كلياً، فقد رأيتُ من بعض المغاربة في رحلتي من حسن المعشر وحلاوة المنطق ما لا يوصف.
ومع صدق قول الناظم :
ثلاثة يذهبن عن المرء الحَزن .. الماء والخضرة والوجه الحسن
لكنها ليست قاعدة مطردة في أقاليم الدنيا كلها، لأن المزاج والوراثة والحالة الاقتصادية للمكان تقلبُ هذا رأساً على عقب، ولله في خلقه شؤون.
وهذه من أهم فوائد السفر، وهي اكتشاف أمزجة الناس وعوائدهم ومعرفة طباعهم وأذهانهم .
وأذكر أنني قرأتُ لكثير من العلماء تعليلاً لاضطراب الأمزجة.
فابن خلدون مثلا قسم شعوب الأرض إلى سبعة أقاليم تبدأ من الجنوب إلى الشمال. فسكان الجنوب يعيشون في الاقليمين الأول والثاني حيث حرارة الشمس وسواد البشرة وصعوبة المزاج. ثم تأتي الأقاليم الثلاثة المتوسطة ،الثالث والرابع والخامس وأرضها أكثر عمراناً وسكانها أعدل أخلاقاً وفيهم ظهرت النبوءات والحضارات والشرائع والعلوم ، ومن أهلها الروم والعرب والفرس وأهل الصين والهند، ثم يأتي الاقليم السادس ثم السابع في الشمال البارد ، وسكانهما من البيض الصقالبة والافرنجة ،حيث زرقة العيون وجلافة الطبع وصهوبة الشعور.
ومن المؤرخين المعاصرين الأستاذ علي الطاهر ، فقد علَّل لبعض هذا في مصنفه “المفصل في تاريخ العرب” عند الحديث عن طبيعة اليمن ومناخها قائلاً:
(وأرض بهذا الخير والاستقرار لابد أن تؤثر على أجسام وعقول أهلها، فتجعلهم انشط شعوب جزيرة العرب في طلب العمل وكسب الرزق وصيَّرتهم قوماً لايرون الاشتغال بالحرف عيباً أو بالمهن بأساً، ولو كانت أرضهم على شاكلة الحجاز ونجد لما صار أهل اليمن كذلك. ويعلل بأن القحطانيين الذين خرجوا من اليمن وسكنوا نجد وبادية الشام أصبحوا يأنفون من الاشتغال بالحرف والصنائع، ويعيشون على تربية الإبل مع انهم يمنيون في الأصل).
وقد أبان عن البادية وقسوتها والصحراء وحرارتها حتى قال عن الطائف المأنوس :
(وبسبب تأثير الطبيعة في طباع الناس اختلفت طباع أهل الطائف عن طباع أهل مكة. وسبب ذلك أن الطائف مرتفعة معتدلة بها مياه وأشجار وأرضها سعيدة فرحة لا تسودها كآبة البادية ولا عبوس البيداء ،فصارت أخلاق أهلها أقرب إلى أخلاق أهل اليمن مع انها إلى مكة أقرب).
أما اليعقوبي في كتاب البلدان فقد أبان محاسن بغداد بقوله:
(وباعتدال الهواء وطيب التراب وعذوبة الماء حسنت أخلاق أهلها ونضرت وجوههم وتفتقت أذهانهم ،حتى فضلوا الناس في العلم والأدب وظهر فيهم أرباب اللغة والدين والحديث ،واستقر فيها العلماء والتابعون والمحدثون).
ومن فوائد المقريزي حول هذا المعنى في المواعظ والاعتبار:
(ويلاحظ على أهل البشمور ، من نواحي الدقهلية ،أن طباعهم أغلظ والبُله عليهم أغلب ،وذلك لطبيعة أرضهم وغلاظة طعامهم، أما الاسكندرية وتنيس ،فقربها من البحر واعتدال الحرارة والبرودة يصلح أمرهم ويرقق طباعهم ويرفع ذكاءهم) .
وكما قلتُ سابقاً هذا حكم أغلبي بالاستقراء والقرائن، وقد يصدق في وقت وقد يخطىء في كثير من الأوقات.
وقد قابلني بعض طلابي في المطار على موعد سابق معهم ،وسلَّموا ورحَّبوا وتبادلنا أطراف الحديث قليلاً، وسألوني عن صلاة التراويح عندهم بست ثلاثين ركعة في بعض المساجد، فقلتُ إن ذلك من مفردات المالكية، وقد كيَّفوها أصوليا على عمل أهل المدينة، وهو عمل مرجوح، والصواب أنها عشرون وهذا قول الجمهور كما أشار إليه ابن قدامة في المغني، فليراجع.
بعد ذلك أخذتُ حقائبي مع سائق الأجرة، إلى الفندق الذي حجزته في وسط الدار البيضاء، وقد أسعدني ما رأيتُ من جمال نبات الأرض وبساطها الأخضر العريض الذي يسبِّح بحمد الله تعالى، وقد عرفتُ بعض النباتات لأنني درستها قديماً عند بعض العوام الذين لهم دراية بهذا الشأن، وعلَّمني كيفية التمييز بينها في جميع البقاع.
وقد أردتُ اختبار سائق الأجرة وسألته عنها في المدن التي زرتها بالسيارة معه، فلم يعرفها ، وقد تكرر معي هذا السؤال مع أكثر من أخ من المغاربة فلم أجد معرفة أو جواباً، ولعل سبب ذلك عدم عنايتهم وانشغالهم بطلب الرزق، أعانهم الله ويسر لهم من فضله.
فمن النباتات التي رأيتها وهي تسحر العيون والقلوب بجمالها الآسر: الصنوبر واللبلاب والنرجس والخباز والأراك وبعض ورود المغرب الملونة.
وصلتُ إلى الفندق ولله الحمد وارتحت فيه إلى قبيل المغرب، ثم خرجت ُلتناول الإفطار في المطعم الذي نصحني به بعص الإخوة .
وبعد العشاء بقليل زارني الأخ معاذ سليم وهو من طلاب العلم في الدار البيضاء، من بنسليمان، وهو محب لعلم الأصول ولأهله، وقد تبادلنا أطراف الحديث وفوائد العلم إلى منتصف الليل.
ومن مهمات ما تم نقاشه: خصائص علم الأصول عند المدرسة المالكية، وشروح تنقيح الفصول، وأوهام العلوي في نشر البنود ، ومنزلة كتاب مفتاح الأصول للتلمساني، وأهم النصائح التي يجب على طالب علم الأصول أن يتحلى بها عند قصد النظر في هذا العلم والترقي فيه.
وفي اليوم التالي في الصباح الباكر زرتُ مُتحف الدار البيضاء وتجولت قليلاً على الشاطئ .
وقبيل الظهر ركبتُ القطار متوجهاً إلى فاس، والمسافة بينهما نحو ثلاث ساعات، وقد تزيد قليلاً بسبب ظروف الرحلة. وقد ركب بجواري شاب من دولة عربية ترك الإسلام والعياذ بالله، وتمذهب بمذهب البهائية الباطنية الآثمة، وقد حمل في قلبه على الإسلام والمسلمين ما لا يعلمه إلا الله وحده. وقد أخبرني أنه يعيش في النرويج وجاء المغرب للسياحة والزواج .
وبسبب ظروف الرحلة وتحفظه لم أستطع الاستغراق معه حول البهائية وما فيها من الباطل الذي تنكره القلوب والأنفس الطاهرة والعقول الراجحة.
وصلت إلى فاس بخير وعافية وذهبتُ إلى الفندق الذي حجزته من قبل، وبعد استراحة لا بأس بها زارني بعضُ الأساتذة الأكاديميين في فاس وما حولها ،وسلَّموا ورحبوا وتبادلنا أطراف الأحاديث، وقد كان في بعض الحديث مناقشة مختصرة حول : زوائد الموطأ على الصحيحين ، والمنهج الأصولي عند الآلوسي المفسر رحمه الله تعالى، والتطبيقات الأصولية لحروف العطف عند الأصوليين، وأنواع القدرة عند الأصوليين. وكان حديثا ماتعاً، للغاية انتفعنا جميعا بما تم تجاذب الآراء حوله.
وفي اليوم التالي في فاس زرتُ بعض المعاهد والمدارس الإسلامية والتقيتُ ببعض القيمًين عليها وببعض طلاب العلم فيها، وكان ذلك على عجل لضيق الوقت، وقد طلب مني بعضُ المحبين زيارة مقام ابن العربي المعافري المالكي(ت: 543ه) رحمه الله تعالى، صاحب كتاب أحكام القرآن ،وكتاب نكت المحصول، لكنني اعتذرتُ من ذلك ،وقلتُ الدعاء له يكفي ولسائر علماء الإسلام.
وقد أخبرني المرافق معي أن قبر ابن العربي بُني عليه غرفة كبيرة واسعة مزخرفة، وهي ضريح أُعدَّ لجذب السياح والزوار، وقد ودفن بجواره في الضريح لاحقا ً،المؤرخ عبد الهادي التازي (ت:1437ه)رحمه الله تعالى. وهو مُعمَّر وسفير سابق.
والحكومة المغربية حكومة صالحة تحب الإسلام والعلم والسُّنة ، فليت المعنيين بالأمر يزيلون مظاهر الغلو وما يكون ذريعة للشرك .
ومدينة فاس مدينة علم وفيها خير وفير، وقد كانت قديماً هي عاصمة المغرب ، ثم أصبحت الرباط حالياً هي العاصمة .
والناس في فاس محافظون وفيهم غيرة على الدِّين في الجملة. وقد زرتُ فاس القديمة ورأيتُ معالمها وأسوارها وأبوابها وما فيها من متاحف وآثار لمن غبر.
وقد قابلتُ أحد الأصدقاء واسمه مراد حسين الإدريسي عند مسجد القرويين، وهذا المسجد له هيبة وجلال وقد أسَّسته فاطمة الفهرية رحمها الله تعالى، وقد أخبرني الأخ مراد أنه يُروى عنها من تحريها للحلال في بنائه الشي العجيب، مما يدل على تقواها وطهارة نفسها رفع الله درجاتها في الفردوس الأعلى.
وقد جرى مناقشة بيني وبين الأخ مراد حول أثر يروى للنبي صلى الله عليه وسلم : ( ستكون مدينة تسمى فأس، أهلها أقوم أهل المغرب قبلة وأكثرهم صلاة…الخ) والحديث مشتهر عند بعض المغاربة ، نقلوه من كتب تاريخ المغرب العتيقة .
ففي كتاب إمام المغرب دَرَّاس بن إسماعيل الفاسي، المعروف بأبي ميمونة، وجد بخط يده : حدثني ابن أبي مطر بالإسكندرية قال: حدثني محمد بن إبراهيم ابن المواز عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس عن محمد بن شِهاب الزُهْري عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة مرفوعا : (ستكون بالمغرب مدينة تسمى فاساً؛ أقومُ أهل المغرب قبلة، وأكثرُهم صلاة، أهلها على السُنة والجماعة ومنهاجِ الحق، لا يزالون متمسكين به، لا يضرُّهم مَن خالفهم، يرفع الله عنهم ما يكرهون إلى يوم القيامة).
ووُجد بخط الشيخ المقري – كما نقله بعضهم – ما نصه: “من خط الفقيه المحدث العالم أبي القاسم العبدوسي حفظه الله ما نصه: وجدتُ في ظهر تقييد الشيخ أبي الحسن الصغيِّر على “المدونة” بخط من يُقتدى به قال: ذكر صاحب “نقط العروس” عن أبي مطر قال: حدثنا محمد ابن المواز عن ابن القاسم عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً : ( ستكونُ بالمغرب مدينة يقال لها: فاس؛ أقوم أهل المغرب قبلة، وأكثرهم صلاة، أهلها قائمون على الحق، لا يضرُّهم من خالفهم، يدفعُ الله عنهم ما يكرهون إلى يوم القيامة).
وهذا الأثر روي بإسناد معلل : ففيه تفرد ابن القاسم به عن مالك، وروي الاسناد وجادة، وفيه إبهام لبعض الرواة، ولم يروه أحد من الثقات.
وورد في الأثر المرفوع: (لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة، أو يأتي أمر الله) رواه بقي بن مخلد في “مسنده . وهذا الأثر إسناده حسن، وقد رواه بعضهم : أهل الغرب، بدلاً من المغرب، وهو الأرجح، ويقصد بهم أهل الشام. ولفظة الغرب مرقومة في صحيح مسلم.
ثم مررتُ بمدرسة بو عنانية ومتحف دار البطحاء ومدرسة العطارين وباب أبي الجنود وقصر عديل وبرج الشمال.
ومن الطرائف في فاس أنني مررتُ مع السائق والدليل الذي معي ،على مسجد فيه قبر أو ضريح لإدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل(ت:213ه)رحمه الله تعالى ،وسلَّم علينا القيِّم على المسجد أو الضريح، وبعد التعارف طلب مني الصلاة والدعاء بناحية أشار إليها بيده، على يسار الضريح، ولعله يقصد التماس البركة من المكان وما حوله، فقلتُ له إن هذا مما زجر عنه الشارع الحكيم، وأسمعته حديث: ( أولئك إذا كان فيهم الرجل الصاُلح فمات، بنوا على قبره مسجداً، أولئك شرار الخلق عند الله ) متفق عليه. وهذا يقتضي النهي عن الصلاة هنا ، والنهي يقتضي الفساد .فغضب مني غضباً شديداً ، وتدخل الإخوة وخفَّفوا من حدة الخِلاف بيني وبينه، وغادرنا المكان بسلام.
والمالكية عموماً وإن كان عندهم تعظيم للسُّنة، لكن وقع من طائفة منهم توسع في التخريج الأصولي للفروع الفقهية، وبعض تلك الفروع لها عدة مدارك متباينة، فغلب عندهم بالنظر العقلي إلحاقها بأصول متوهمة تخالف مقاصد الشريعة .
وقد تعبتُ كثيراً بعد هذه الجولة المباركة فرجعتُ إلى الفندق للاستراحة والاسترخاء.
وفي المساء زارني أحد المعتنين بنوادر المخطوطات ونوادر المطبوعات، وكنتُ قد اتصلت به قبل وصولي إلى فأس، فوجدت عنده من النفائس ما يسر الناظرين، فصورت ما كنتُ أطلبه وأبحث عنه، واشتريت منه بعض ما لا يوجد إلا عنده من كتب الأصول.
ثم انفردتُ بجولة خاصة للاستجمام والراحة في أحياء فاس ومنتزهاتها الطيبة.
وبعد حين انتقلتُ إلى طنجة بالقطار، وقد وصلتها ولله الحمد سالماً غانماً ، وقد قابلني في مقر سكني أحد الفضلاء هناك من أهل العلم ويدعى سالم الجردي ، وقد رحَّب بي كثيرا واستقبلني استقبالًا لا نظير له جزاه الله خيرا، وقد دار الحديث بيننا حول الظروف العلمية في المغرب ومشارب الناس فيها، ودور المؤسسات والأوقاف في تعزيز الوعي الديني.
ومن المسائل العلمية التي تناقشنا فيها : مسألة التخطئة عند المالكية ، وقد أورد ابن عبد البر القاعدة حولها في كتابه جامع بيان العلم وفضله . وكذلك مسألة رد الإمام مالك لفتوى التابعي في كثير من المسائل، وسبب ذلك في الغالب اختلافها مع أصول المذهب أو ضعف آثارها التي وردت في سياقها. وفي أبواب البيوع في الموطأ أمثلة كثيرة على هذا.
ثم تفرغتُ للراحة والاستجمام في شاطى طنجة ومساجدها وحدائقها التي لا يمكن وصفها من حسن جمالها وجلالها، فسبحان من زيَّنها وأبدع صنعها.
ثم توجهتُ إلى مراكش الحمراء ، وبعد استراحة قصيرة في الفندق المخصَّص لي ، توجهت إلى بيت الأستاذ الحسين أيت سعيد وفقه الله تعالى، وكنتُ على موعد سابق معه ،وكان لقاءً علميا مفيداً للغاية.
وقد استقبلني الشيخ أحسن الله إليه بحفاوة بالغة وتواضع ودماثة خلق، رفع الله قدره في الدارين. وبعد أن شربنا الشاي الأخضر وتناولنا بعض الطعام المغربي، أفادني أن أفضل كتاب أصولي لطالب علم الأصول هو مفتاح الأصول للتلمساني، لأنه ينقل الطالب من العلم النظري إلى التطبيق والتقعيد، يليه كتاب الرسالة للشافعي، لأن فيه ترسيخ للملكة العلمية من الجانب اللغوي والأصولي والاستدلالي.
وأفادني أنه يعمل على تحقيق تفسير الطبري من سنين، وأن تحقيقه لكتاب محاسن الشريعة للقفال قد طبع. وقال إنه يشتغل على مصنفاته بمفرده وليس عنده مكتب تحقيق ، ونصح طالب العلم أن يترك التعصب عند دراسة المذاهب، وقال لي إن أهم قضايا الأصول تطبيق الكليات على الجزئيات، وأفاد أن كل الكتب الأصولية بعد محصول الرازي تلخيص وتقريب لا غير.
وقال : أنصح طلاب العلوم بدراسة المنطق الإسلامي الذي يقضي على التعصب، وقال إن الجامعات تتحملُ وزراً كبيراً بسبب ما يحدث اليوم من تعصب مقيت في الأوساط العلمية وقنوات التواصل.
وبخصوص تحقيقه لكتاب الموافقات أفاد بأنه اشتغل عليه عشرين سنة دراسة وتحقيقا وتعليقاً، وأن طبعة الشيخ مشهور بها سقطات كثيرة جداً.
قلت: ومع جلالة هذا العمل وجودته ،لكن يُستدرك عليه عدم تنبيههِ على المنهج العقدي للشاطبي(ت: 790هـ) رحمه الله تعالى، فإن الشاطبي زيَّن كتابه بعلم المقاصد ونسي أن يقرر في مواضع كثيرة منه عقيدة السلف الصالح ، وهذه من المآخذ على الموافقات.
فالشاطبي أشعري في باب الصفات والقدر والإيمان، وقد وقع في البدع الكلامية الاعتقادية في الصفات وغيرها، وأوَّل صفات الفوقية والنزول والكلام ، ومذهبه في الصفات مذهب المفوضة: تفويض المعنى والكيفية.
وفي باب القدر أنكر الأسباب تبعاً للأشاعرة ،وجعل المسبِّبات لا تدخل تحت قدرة المكلف ، وأنكر التحسين والتقبيح العقليين مسايرة منه للأشاعرة، لانكارهم الحكمة وجعلهم الأعيان لا تتصف بحسن ولا قبح قبل ورود الشرع.
وقال باتباع طريقة الأعراض في اثبات الصانع وحدوث العالم، وهي طريقة جهمية معتزلية مبتدعة.
ومن المآخذ عليه : أن نصوص الصفات لا تُعقل معانيها ولا يفهم منها شي، بل هي بمنزلة الكلام الأعجمي، فهي عنده من قسم المتشابه الحقيقي.
فمن أراد أن يستفيد من كتاب الموافقات فليُصحِّح نسخته على ضوء عقيدة السلف في أبواب الاعتقاد، فإن الشاطبي قرَّرها على طريقة الأشاعرة لا على طريقة أهل الحديث.
استدركتُ هذا على نسخة فضيلة الشيخ الحسين سعيد ،نصحاً للأمة وابراءً للذمة، والله على ما أقول شهيد .
وبعد ذلك ودَّعني الشيخ الحسين بسلام حار ،ووعدني بزيارة قريبة إن شاء الله تعالى.
ثم عرَّجتُ على بعض الوراقين في مراكش الذي أتواصل معهم ، ولم أجد عندهم ما يهمني في أبواب الفقه والأصول.
بعد ذلك توجهت مع السائق إلى بعض المعالم التاريحية في مراكش مثل : متحف مراكش، وجامع الكتبية ، ومدرسة بن يوسف، وقصر الباهية ،وسور مراكش، وقبور السعديين . وفيها من العبر ما لا يمكن وصفه.
ثم أنهيتُ جولتي في مراكش بختم وردي من القرآن الكريم في جامع بن يوسف، وهو أقدم مساجد المغرب فيما أعلم، أسَّسه علي بن يوسف بن تاشفين (ت: 537ه)رحمه الله تعالى، قبل نحو ألف سنة ، وهو خامس حكام دولة المرابطين.
وقد مررتُ ولله الحمد على بعض المكتبات المغربية ، وهي متفاوتة في حجمها وبضاعتها، وفيها الغث والسمين، واشتريتُ بعض ما يهمني من كتب المغاربة في الفقه والأصول.
في هذه الرحلة المتواضعة قطعتُ أكثر من ألف كيلِ ، في طول البلاد وعرضها، وحرصتُ أشد الحرص أن أتلمَّس أطراف المذهب المالكي وتطبيقاته في المساجد والمعاهد والأسواق وفي معاملات الناس وعاداتهم، ولهذا كنتُ أتكلم قليلاً وأُنصت كثيراً ،حتى اُلاحظ وأحلل وأستفيد.
وهناك علماء مغاربة كثيرون كنتُ أريد زيارتهم والسلام عليهم والمذاكرة معهم، لكن منهم من حبسه المرض، ومنهم من أقصاه السفر إلى قرى مغربية بعيدة عن محل إقامتي، وقد ألحَّ عليَّ كثيرون منهم بالزيارة ، لكن بُعد الشقة حال بيني وبينهم ، ومنهم من لهم عذر لا أعلمه، فلم تتيسر أسباب زيارتي لهم، والله يتولاني وإياهم بلطفه ورحمته ورضوانه .
وقد أبهرني في المغاربة : عنايتهم بالاستقراء عند الجواب أو الحكم على الطوائف أو الرجال، وعندهم ميل شديد للنظر العقلي وتقديمه أحياناً على الدليل النقلي، وبعضهم من أفاضل العلماء. ولبعضهم في ذلك قواعد مؤصلة تواتر العمل عليها.
وكل أهل الفضل والأساتذة الذين التقيتُ بهم يميلون للمنطق والحجج العقلية، وهذه الخصلة تكاد تكون نادرة في بلاد المشرق إلا من رحم الله تعالى.
وقد قال لي بعض مدراء المعاهد في المغرب: الاستيعاب والاطراد والتجريد وإحكام الصياغة، هي أهم أدوات الفهم العلمي.
وكنتُ قد درستُ قديماً على شيوخي : أن الإمام مالك يخصص العموم بالقياس، ويخصص العموم بالمصلحة المرسلة ،ويقدِّم خبر الواحد على القياس. وكل هذه القواعد لمستُ مناطها في الحياة العلمية والعملية في مدن المغرب التي زرتها واختلطتُ بأهلها.
ثم عُدتُ إلى مدينة الدار البيضاء بالقطار، وبقيتُ فيها ما شاء الله تعالى، ثم غادرتُ البلاد المغربية حرسها الله بالتوحيد والسُّنة إلى مدينة جدة ،ووصلتها سالماً غانما ًولله تعالى الحمد والمنة .
لقد كتبتُ في هذه الصفحات ما أسعفتني الذاكرة بحفظه في هذه الرحلة الميمونة، وما نسيتهُ وتذكرته لاحقاً فربما أُلحقه فيها ،إن كان ذلك محل فائدة وتطمح له النفوس.
وقد أعرضتُ في كتابة هذه الذكريات عن رحلتي الأصولية إلى بلاد المغرب ،عن يوميات كثيرة وساعات لا تهم القارى، وحفظا ًلخصوصيات كل بلد، كما قال الناظم :ُ
لولا أبو الفضل ولولا فضله.. لسُدَّ بابٌ لا يُسنَّى قفله.
أسأل الله تعالى أن ينفعنا ويرفعنا جميعاً بالعلم والعمل ،والتمسُّك بالسُّنة ظاهراً وباطناً.
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
                                                                                                                  12/10/1443