في الدرس السادسِ تناولتُ بشي ٍمن التفصيل مسائل الفِقه المقارن في الزاد وفي خارج الزاد ، وقد ناقشتُ باختصار بعض الأمثلة التي تُوضِّح المراد ومنها ضرورة الإلتفات للأحكام والقواعد والأُصول ، عند دِّراسة الفِقه المقارن.

(ح) : طرق الاستدل لمسائِل الزاد :
هذا المبحث مهم جداً لمن أراد تأصيل نفسه فقهياً وأصولياً ، لأن الاستدلال للمسألة والتخطيط لها ، جزء من فهمها والجواب عنها .

ويجب ملاحظة أنه لا تكفي الدراسة النظرية لِطُّرق الاستدلال ، فلا بد من التطبيق العملي بالقلم على المسائل ، مع الفهم والادراك .، والتصحيح على عالم أو معلِّم .
ولأهميَّة معرفة طُّرق الاستدلال أضرب ثلاثة أمثلة من الزاد لتقريب المراد.

• المثال الأول :
إنسان يريد شراء بئر في قرية بعيدة أو مكان لا تملكه الدولة ، فهل يجوز ذلك ؟ .
هناك جوابان :
الأول لا يجوز ، لحديث : ” المسلمون شركاءُ في ثلاثة : الكلأ والماء والنار ” أخرجه أحمد بإسناد صحيح .
الثاني : يجوز ، لأن عثمان اشترى بئر رومة .أخرجه البخاري تعليقاً .

فمن استدلَّ بنصِّ الحديث الأول يكون قد أخطأ في تصور المسألة وفهمها ، ومن استدل بنصِّ الحديث الثاني يكون قد أخطأ في تصور المسألة وفهمها ، حيث لم يفصِّل الجواب والمعنى .
الجواب الصحيح : لا بد من البيان ، فهناك فرق بين شراء البئر وشراء نقيع البئر .
فلا يصح بيع نقيع البئر ، لكن يصح شراء البئر نفسها ، وهي الركية التي حُفرت ووضع لها سور وحدود أو عليها غطاء ، ونحو ذلك .
والنقيع هو النبع الذي يتفجر من أسفل البئر ، فهذا حرام بيعه ، أما نفس البئر بدون اعتبار مائِها فلا حرج من شرائها أو بيعها .
(خلاصة الاستدلال : توظيف المعنى الأُصولي التطبيقي لفهم لفظ البئر ) .

• المثال الثاني :
من طاف حول الكعبة بلا نية للطواف ، بل بحثاً عن شخص أو علاجاً لمرض في بدنه هل يُؤجر على ذلك ؟ .
الجواب إن كانت نيته الطواف ثم البحث عن شخص أو علاج بدنه ، فطوافه صحيح ، وإن كانت النية مُنصرفةٌ إلى شيٍ آخر غير الطواف فلا أجر له ، لأن ركن الطواف النية للتعبد ، وهو هنا نوى العلاج أو البحث عن رفيقه .
(خلاصة الاستدلال : توظيف القاعدة الفقهية النطبيقية لفهم مقصد الطواف ) .

• المثال الثالث :
ما حكم حمل النجاسة أثناء الصلاة في الجيب أو على الظهر في حقيبة ،كما يفعل طلبة الطب أحيانا ؟ .
الجواب : الصلاة باطلة ، فمن حمل في جيبه سائلا نجساً ، أو قِطع صخور نجسة أو حفظ في حقيبته جلدا نجساً ، أو فضلات نجسة لغرض دراستها طبياً أو مخبرياً نحو ذلك ، فيجب عليه اعادة الصلاة .
(خلاصة الاستدلال : توظيف الحكم الوضعي لفهم شرط الصلاة ) .

نستفيد مما سبق أن تصور المسألة مطلب مُلحٌ وضروري لاستخراج الجواب الصحيح . أما كيفية تصور المسألة فله شرطان لا ينفكَّان :
أ‌- شرح العالم لها في درس أو كتاب على ضوء الأدلة .
ب- تخيلُّها في الذِّهن وربط معانيها باتقان ، مع التصحيح .

فلو تخيَّلها في الذِّهن بدون شرح العالم فلن يستفد ، وإن شرحها له عالم ولم يتخيلها وصوَّرها في ذهنه ، ويربط معانيها بدلالاتها فلن يستفد أيضاً.

وحتى يتبيَّن لنا معنى هذين الشرطين أُورد مثالاً من الزاد لتوضيحها:

• قال الحجاوي رحمه الله تعالى : ” وإن بلغ قلتين .. ويُشقُّ نزحه كمصانع مكة ” .
مصانع مكة المذكورة في عبارة الحجاوي ليست مصانع فيها مكائن أو الآت ، إنما هي أحواض كبيرة يشرب منها الحجاج والمسافرون ويغتسلون .
كيف ظهر المعنى الصحيح للمصانع ؟
ظهر بالرواية والتصوُّر في الذِّهن بصورة صحيحة كما وصفها الفقهاء والعلماء الذين عاصروا زبيدة بنت جعفر (ت: 216هـ )رحمها الله تعالى ، التي أمرت ببناء هذه المصانع وحفرها ، وهذا الوصف حفظه العلماء وعلَّموه لطلابهم إلى يومنا هذا .
وأنت إذا طالعتَ كتب القياس وكتب نقد الخلاف تلحظ أهمية العناية بمدارك العلم ، التي تقوم على التصوُّر الصحيح للمسائِل على ميزان الشرع .
وقد جمع الناظم مدارك العلم في بيتين لطيفين هما :
مدارك العلوم في العِيان
محصورةٌ في الحدِّ والبُرهان
وقال أيضاً :
وقال قومٌ عند أصحاب النظر
حِس وإخبار صحيحٌ والنَّظر .

فالحجج النقلية والعقلية وأدواتهما من أهم الأسباب المعينة على الاحاطة بمدارك المسائل العلمية . وهي مبثوثة في كتب التفسير وأصول الجدل .
ويجب أن يتنبَّه الباحثُ في مدارك العلم- إن أراد الوصول إلى الحق – أن الواقع العلمي لا يخلو من مقلِّدين جامدين لا يفقهون دليلاً ولا نصاً،وعُبَّاد ٍتغلب عليهم الجهالة معنىً وحساً، وأهل حديث متبعين للدليل حقا وصدقًا، ومتوسطين في الأخذ بالموروث الفقهي ديانة وطبعاً، وحداثيين علمانيين لا يعظِّمون الدين شرعًا ولا وزنًا .

وقد عاتب الرسول صلى الله عليه وسلم عديَّ بن حاتم رضي الله عنه ووصفه بقلة الفطنة لتفريطه في استيعاب مدارك العلم بقوله :” إنك لعريضُ الوِساد ” حين فهم من قول الله تعالى : ” حتى يتبيَن لكم الخيطُ الابيضِ من الخيطِ الاسودِ من الفجر” ( البقرة : 187 ) أن المقصود: الِحبال البيض والسُّود ! .
وقد صحَّح له الرسول صلى الله عليه وسلم حدَّ المسألة وبرهانها فقال : ” إنما هو بياض النهار وسواد الليل ” . أخرجه الشيخان .
وهذا الحديث يُستنبط منه خمس فوائد :

الاولى : لا يجوز الحكم على المسألة قبل تصورها .
الثانية : تصور المسألة يجب أن يكون على وصف الوحيين .
الثالثة : العادات والأعراف تُرُّد إذا كانت خلاف الأصل الشرعي .
الرابعة : التعقيب على الغلط النادر لا يصح، إلا إذا خالف أصلا ثابتاً .
الخامسة : ضوابط الأدلة الشرعية من لوازم العلم .

وقد كانت أُم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تربِّي الصحابة على ادراك المسائل وتُصحِّح لهم ما قد يكون وقع منهم خلاف الدليل الذي يخالف الاصل ، كما في قولها لامرأة أبي اسحاق السبيعي : ” أبلغي زيد بن ارقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يتوب ” ! . أخرجه الدارقطني باسناد حسن .

وهذا الاستدراك من أم المؤمنين رضي الله عنها له قصة ، وهي أن امرأة أبي إسحاق، قالت: دخلتُ على عائشة في نسوة، فقالت: ما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة, فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم, قالت: فإني بِعتُه جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء, وإنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقداً. فأقبلت عليها وهي غضبى، فقالت: بئس ما شريتِ وبئس ما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن يتوب . أخرجه الامام أحمد في المسند باسناد حسن . وهذا الأثر المرسل يستنبط منه فائدتان :
الأولى : فهم أُم المؤمنين لتحريم بيع العِينة كان بسبب ادراكها لجزئيات مسائل الرِّبا .
الثانية : النص الحديثي بمفرده لا يكفي لانتزاع الحكم الشرعي .

• أما طرق الاستدلال فهي كثيرة :

-النظر في الأدلة المعتبرة وهي أربعة : الكتاب والسنة والاجماع والقياس، ويمكن أن يستفاد في هذا من أدلة كتب الأحكام وهي كثيرة ومشهورة .
-تقسيم الأدلة إلى نقلية وعقلية ، ليسهل فهم المعنى على وجهه الصحيح .
-العناية بكل دليل من السنة فيه تقرير للرسول صلى الله عليه وسلم،
وقد اعتنى بهذا الباب ابن القيِّم (ت: 751 هـ)رحمه الله تعالى في زاد المعاد .

– العناية بأفعاله صلى الله عليه وسلم إذا وردت بدليل صحيح .
– العناية بالسنة التركية له صلى الله عليه وسلم .
– لا يحتج بالأحاديث الضعيفة في الأحكام ، وهذا ما قرَّره الإمام ابن تيمية (ت: 728هـ) رحمه الله تعالى ، في مجموع الفتاوى .

-العناية باجماع العلماء من خلال مصنفاتهم في الأحكام الفقهية .
– العناية بالقياس الجلي والخفي ، وهو مهم جداً لفهم المسائل التي لا نص فيها ولا اجماع لكن بشروطه المعتبرة .
– العناية بتعليل الاحكام .
– العناية بالاستصحاب وهو البراءة الأصلية مع فهم أنواعه .
– العناية بقول الصحابي بالشروط المعتبرة شرعاً .
-العناية بالاستحسان عند الفقهاء والأصوليين .
-العناية بفهم مقاصد الشرع .
-العناية بسدِّ الذرائع .
-الاستدلال بالقواعد الفقهية والأصولية .
وهناك مسائل في الزاد يمكن الاستدلال لها بكل الأدلة أو اغلبها ، لأنها تندرج تحت كل الأدلة سواء كانت نقلية أو عقلية .
وهنا ثلاثة أمثلة توضِّح ذلك :

• المثال الأول :
قال الحجاوي رحمه الله تعالى : ” ويُسنُّ تعجيلها ” أي صلاة المغرب .
هذه المسألة باتفاق الأئمة الأربعة ، وهي من أفعاله صلى الله عليه وسلم ، وفيها تطبيق عملي لمقاصد الشريعة ، وفيها استحسان بالنص النبوي الفعلي ، وفيها دليل صحابي لقول رافع رضي الله عنه : ” كنا نصلِّي المغرب.. فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نَبله ” متفق عليه .

• المثال الثاني :
قال الحجاوي رحمه الله تعالى : ” ثم يخرُّ مكبِّراً ” يعني للسجود .
ولم يورد هنا رفع اليدين ، بعكس التكبير والرفع لليدين عند الركوع .
الدليل هنا هو السنة التركية منه صلى الله عليه وسلم للرفع في هذا الموضع ، وأيضا قول الصحابي رضي الله عنه : ” وكان لا يفعل ذلك في السُّجود ” متفق عليه .
ويمكن الاستدلال لها بالاستحسان المتقوٍّي بالسنة التركية .

• المثال الثالث :
قال الحجاوي رحمه الله تعالى : ” والضرورة إلى غروبها ”
هذه المسألة قد تخفى على بعض طلبة العلم ، وهي أن العصر يمكن أن تُصلِّى إلى قبيل غروب الشمس عند الضرورة ، وبهذا يكون المسلم قد قضى صلاة العصر في وقتها الأخير .
الدليل هنا اهو السنة القولية : ” من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ” . متفق عليه .

ويمكن الاستدلال بدليل الاستصحاب لوقت صلاة العصر ما دام أن الشمس لم تغرب حقيقة ، ومعروف أن الاستدلال أضعف الأدلة .
وهذه المسألة لا تحتمل إلا دليلين فقط كما هو ظاهر ، فلا يجوز الاستدلال لها بالاستحسان ولا بقول الصحابي ولا بالقياس .

وختاماً فإنني أنصح من أراد أن يتقوَّى في طرق الاستدلال أن يفرِّغ وقته ستة أشهر لمطالعة وبحث المسائل في كتاب : ” السيل الجرَّار المتدفِّق على حدائق الأزهار ” ، للإمام الشوكاني (ت: 1250هـ)رحمه الله تعالى ، فهذا الكتاب مرجعٌ مهم في تقوية ملكة الاستدلال . والله الموفِّق .

انتهى الدرس السابع ويليه الدرس الثامن إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

1439/11/23