في الدرس الرابع تناولتُ بشي من التفصيل مبحث المسائِل المشكلة في الزاد من كتاب الطهارة إلى كتاب الإقرار ، وبيَّنتُ أن الاختلاف في المذهب يكون بين روايات الإمام أو تخريج الأصحاب أو تفسير الرواية الواحدة .

ويمكن الترجيح بردِّ قول الفقيه إلى الدليل أو بالاجتهاد على أصول المذهب ، وهذه المرتبة تحتاج إلى صبر ومكابدة لا يتأهَّل لها كُّل متعلِّم .

ويستطيع الطالب أو المتفقِّه أن يتأهَّل بتوفيق الله تعالى ثم بكثرة النظر في كتب الفقه المقارن التي تُغذِّي الملكة وترقِّيها مع الأيام والليالي .

(و) : فهم المسائل الأصولية في الزاد :

دراسة الزاد بدون تأمُّل أصول الفقه كالزرع الذي يسقى بماء آسن .
فلن ينتفع الطالب بالزاد إلا باستحضار المسائل الأصولية وربطها بالقواعد والأحكام المعتبرة الصحيحة ، وهذا فنٌّ لها معلِّموه وطُّلابه ومحبُّوه .

وبعلم الأصول نقف على طرق الاستنباط للأحكام والحوادث ، وبه نعرف مأخذ الحكم وعِلته ، والعارف بالحكم ودليله أعظم أجراً من الذي يعلم الحكم بدون عِلته .

ولهذا تجد كثيراً في سؤالات الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم السؤال عن العِلة أو الحكم ، وكذلك في إجابات الرسول صلى الله عليه وسلم وردوده عليهم بيان العلة ودلالات الحكم وربط المقدِّمات بالنتائج كما شرع الله وفرضَ وحَكم .

وهذه أمثلة مختصرة من الزاد للدلالة على ما تقدَّم :
• المثال الأول : ” يا أُنيس اغدُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ” .
متفق عليه .
فهذا نصٌّ في وجوب حدِّ الزنا على المحص بشرط إقراره .

وقد نبَّه الحجاوي رحمه الله تعالى على هذا الشرط في باب حدِّ الزنا بقول : ” إذا زنى المحصن رُجم حتى يموت ” .
فانظر كيف علَّق الجزاء على الشرط اقتباساً من النص النبوي السابق .

• المثال الثاني : ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً :
” مَطلُ الغنِّي ظلم فإذا أُتبع أحدكم على مليٍء فليتَبع “.

ومن فقه الحجاوي رحمه الله تعالى في الزاد أنه لم يقطع بالحكم بقوله يجب أو يندب أن يحتال المدين لأخذ حقه ! ، بل أطلق الحكم ليتمرن الطالب على الفائدة الأصولية في الحكم ، لأن النص يحتمل الوجوب والندب على حدٍّ سواء بحسب الحال والقرينة .

فقوله : ” فليتبع ” فيه الأمر بنقل الدَّين من ذمة إلى ذمة .
لكن لفظ الأمر هنا هل هو للوجوب أم للندب أم للإباحة ؟ .

مالك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون يرون أن الأمر في الحديث مصروف إلى الوجوب ، وقال الخطابي وابن الهمام بالإباحة والجمهور يرون أنه للندب والحنابلة يرون أنه للوجوب .
قال الخرقي : ” من أُحيل بحقِّه على مليءٍ فواجب عليه أن يحتال ” .

• المثال الثالث : قال الحجاوي :
” يُسنُّ دخول مكة من أعلاها” .
هل يمكن أن نقيس على هذا أن ندخل المدينة من أعلاها ؟!
الجواب : لا يمكن ، لكنه لا يحرم ، لأن دخول مكة من أعلاها جاء بالنص وليس بالقياس ، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها .
ومن أعلاها يعني من جهة الجنوب ، من الحجون إن تيسر ذلك .

فيكون حكم المسألة من جهة الحكم الفقهي : يُسنُّ ويستحب دخول مكة من أعلاها .
والحكم الأصولي : دخول مكة من من أعلاها أمرٌ مندوب ، وهذا الأمر فيه كلفة لكن فعله أفضل للمكلَّف ، وتركه فيه تفريط بالثواب ، لأن ذلك خِلافُ فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن دخل المدينة من أعلاها فلا ثواب له ، لكنه لا يأثم ، لعدم ورود الإقتداء به صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فلا فرق هنا بين الفعل والترك لكون ذلك من المباحات. والقياس في المسألة ممتنع ، لأنه لا قياس في أفعاله صلى الله عليه وسلم .

ودخول مكة من أعلاها مثل حكم الاضطجاع بعد الفجر والنزول بالأبطح والمبيت بذي طوى ، فهذه أفعال فَعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتبيَّن هل هي على وجه العادة أم على وجه القربة ؟ .

• المثال الرابع : ورد في الزاد في مواضع كثيرة ومنها أول مسائل الطهارة :
” إن تغير الماء بغير ممازج ” و” إن تغير بِمُكثه “و” ان استعمل في طهارة مستحبة ..” ، فهذه مسائل معلَّقة بشرطها وهي تفيد العموم إن حصل تحقُّق الشرط تأكد حكمها .
ومثل ذلك أداوت الاستفهام والجمع المعرف بأل بشرط أن لا تكون عهدية ، وغيرها من الأساليب المقررة عند أهل الأصول .

• المثال الخامس : ورد في الزاد قول الحجاوي :
” ولا يصح الأذان إلا مرتباً ” وقوله : ” ولا تصح الصلاة في مقبرة ” وقوله : ” ولا تصح الصلاة بقرآءة خارجة عن مصحف عثمان رضي الله عنه “وقوله : ” ويصح الفرض على الراحلة ” وقوله : ” ولا تصح صلاته قاعدا في السفينة ” وقوله : ” ويصح بيع الباقِّلاء في قِشره ” .
ففي هذه المسائل تنبيه من الحجاوي على أهمية الالتفات للحكم الوضعي وهو هنا الصحة والفساد .

وهذان ليسا حكمان تكليفيان ، لأن التكليف فيه اقتضاء وتخيِّير، والصحة والفساد لا يوجد بهما اقتضاء ولا تخيِّير ، فلا تُفهم الصحة والفساد من ذلك ، بل من أمر خارجي وهو الحكم الوضعي .
والفاسد والباطل مترادفان ، والصحة في العبادات هي ما وافق الأمر وأجزأ وأسقط القضاء .والصحة في المعاملات ترتُّب أحكامها المقصودة عليها ، لأن العقد لا يصح إلا إذا صح مقصوده .

وقد يقول قائل من قُرَّاء الزاد : هل أدرس الأُصول على طريقة الحنفية أم على طريقة الجمهور أم على الجمع بينهما ، أم على طريقة تخريج الفروع على الأصول أم على طريقة فهم المقاصد ؟ .

والجواب أن كل هذه الطرق نافعة جداً ، وكل مصادرها متينة ومحررة ، لكن الأنسب طريقة الجمهور ، لأنها تنمِّي الملكة وتفتق الذهن حسب ما جرَّبنا وجرَّب غيرنا من أهل العلم .
فيمكن مطالعة العدة لأبي يعلى أو التمهيد لأبي الخطاب ، أو الواضح لابن عقيل أو روضة الناضر لابن قدامة أو الإحكام لابن حزم ، رحمهم الله تعالى .

وهذه الكتب الخمسة هي أنفع الكتب الأصولية وأقربها لفهم الدليل وتتبع المدلول الشرعي بأوجز عبارة وأحكم إشارة .

ومن كان عنده ضعف في الهِمَّة لتأمل الكتب المذكورة أعلاه ، فليطالع المختصرات الأُصولية حتى تقوى همته مع الأيام والليالي .

والكتب المشار إليها سواء مختصرات أو مُطوَّلات ، تُكرَّر حتى تُفهم إن كان للطالب مَلكة وعزيمة صلبة ، أو تُشرح على يد شيخ مُلمّ بهذا العلم ومسائله وفروعه ، وهذا هو الأكمل.

• وهذه أهم المسائل الأصولية التي يجب على طالب الزاد أن يستوعبها عند بحثه للمسائل والأحكام :

أنواع الحكم التكليفي والوضعي ، الفرق بين الفرض والواجب، أساليب الواجب ، أقسام الواجب ، أنواع الواجب المقيد ، تقسيم الواجب باعتبار المكلَّف نفسه ، تقسيم الواجب باعتبار تعيُّنه ، تقسيم الواجب من جهة المقدار المطلوب منه ، الفرق بين التعجيل والأداء والقضاء والإعادة ، ما يتوقف عليه الواجب ، أقسام المندوب ، هل المندوب مأمور به ؟، هل المندوب من الحكم التكليفي ، الصِّيغ الدالة على حرمة الفعل ، أنواع الحرام ، الفرق بين المكروه تحريماً والمكروه تنزيهاً .

صِّيغ الكراهة ، الصِّيغ التي تدلُّ على كون الفعل مباحاً ، هل المباح مأمور به ؟ ، هل للمباح وجود في الشرع ؟ ، هل يدخل المباح في الفعل التكليفي .

الفرق بين العزيمة والرخصة ، أقسام الرخصة ، أسباب الرخصة ، أنواع الرخصة ، أنواع الحكم الوضعي ، أنواع السبب ، الفرق بين السبب المشروع والسبب الممنوع ، الفرق بين الشَّرط والركن ، أنواع الشروط من حيث ارتباطه بالسبب والمسبِّب ، أنواع الشرط باعتبار مصدره ، المانع وأقسامه ، الصحة والبطلان والفساد وأقسامها ، شروط صحة التكليف بالفعل ، أقسام المحكوم فيه ، الفرق بين أهلية الوجوب وأهلية الأداء .

عوارض الأهلية ، العوارض السماوية والعوارض المكتسبة ، الإكراه وأنواعه ، حكم العمل بأخبار الآحاد ، أركان الإجماع وحجيته وأنواعه ، أركان القياس وحكمه وشروطه وأنواعه ، معنى العِلَّة واطلاقاتها وأقسامها ، الفرق بين العِلة والحكمة .

الفرق بين المناسب المؤثِّر والمناسب الملائم ، حكم التعليل بالحكمة ، الطرق الموصلة إلى العِلة ، السبر والتقسيم ، تنقيح المناط ، تحقيق المناط ، ربط الحكم بالمشتق ، ما لا يجري فيه القياس ، الاستحسان وأنواعه ، المصلحة المرسلة وشروط العمل بها ، العرف وشروط العمل به وأقسامه ، الاستصحاب وأنواعه وحجيته ، شرع من قبلنا وحكم العمل به ، قول الصحابي وحكم العمل به ، سدُّ الذرائع وأنواعها وحجيتها .

دلالة عبارة النص ، دلالة إشارة النص ، دلالة الإقتضاء ، مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة ، مفهوم النص ، مفهوم الشَّرط ، مفهوم الشرط ، مفهوم الغاية ، مفهوم العدد ، مفهوم اللقب ، مفهوم النص الشرعي ، المحكم والمفسر ، تعارض الظاهر والنص ، التأويل ، المشكل والمجمل والمتشابه والمشترك ، دلالة العام ، ألفاظ العموم ، تخصيص العام ، دليل التخصيص ، دلالة الخاص ، أنواع الخاص ، دلالة الأمر ، هل يدل الأمر على تكرار المأمور به ، هل يدل الأمر على فعل المأمور به على الفور ، دلالة النهي ، النسخ وأنواعه ، التعارض والترجيح ، شروط التعارض ، حكم التعارض ، التعارض بين القياسين ، المقاصد العامة ، أنواع الاجتهاد ، الفرق بين الاجتهاد والقياس ، شروط الاجتهاد وحكمه ، تجزئة الاجتهاد ، التقليد .

وأُنبِّه أن المسائل الأُصولية قد تختلف بعض مصطلحاتها من مذهب لآخر ، أو حسب شروح تلك الكتب بسبب اختلاف المترادفات ومعانيها وفهمها على حسب الضوابط المذهبية .

أما طريقة الإفادة من هذه المسائل فتكون بالحفظ أو تكرارها مع تصوُّر المسائل وتطبيقها على الأحكام ، مع كثرة المراجعة الدائمة لمعرفة الأدلة والأصول التي يمكن تخريج المسائل عليها .
وهنا أُقيِّد مثالين لتوضيح المطلوب :

• الأول : الوضوء من ماء البحر مع وجود الماء العذب هل يُكره أم لا ؟.
الجواب لا يُكره لأن الدليل الأصولي : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، لنصِّ الرسول صلى الله عليه وسلم على عموم ذلك من غير تقييِّد بزمان أو مكان .

• الثاني : قال الحجاوي عن اللقيط : ” طفل لا يُعرف نسبه ولا رِّقه نُبذ أو ضل ، وأخذه فرض كفاية ” .
فيمكن بناء المسألة على قاعدة الاستصحاب فنستصحب أصل الحرية لهذا اللقيط ، فيتم رعايته لاستصحاب سلامته لابقاء ما كان على مكان ،وهو بذل الخير وطلب العافية للخلق أجمعين ، حتى يثبت دليل يُغيِّر حاله .
ودليل الاستصحاب مختلف فيه من حيث الحجية ، لكن لا بد من الاستدلال له لفهم المسائل .

انتهى الدرس الخامس ويليه الدرس السادس إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
1439/11/5