كان كِتابُ الزاد – وما زال – سميري وأنيسي في حِلِّي وتَرحالي ، لسببين : الأول : أنه كتاب مبارك صنَّفه مؤلِّفه الحجَّاوي (ت: 968هـ)رحمه الله تعالى قبل حوالي خمسمئة سنة ، فكم حفظه من طالب ؟وكم شرحه من عالم ؟ وكم أفاد منه من ضليع في الفقه والحديث ؟ وكم ترقَّى في العلم بسببه صغير في نفسه كبيرٌ عند جُلسائه ؟ .

الثاني : أنه كثير المعاني والمباحث والدلالات ، ففيه مهمات الفقه ، وفيه جميع مسائل أصول الفقه ، فقد جمع مصنِّفه فيه بين الفقه وأُصوله ، لأن مصنَّفه كان مُفتياً وعمدة في معرفة المذهب الحنبلي ، وهذه منقبة لا توجد في كثير من المصنفات المختصرة ، ولهذا أقول : لا يستغني عن الزاد عالمٌ ضليع ولا تلميذٌ رفيع ، ومن جرَّب عرف .

وأهل الفقه عقولهم بالحديث والآثار غامرة ، وقلوبهم بما فهموه وعملوا به عامرة ، فهم في سَبر العلم آية ولهم في كل كتاب غاية :
تِلك المكارمُ لا قَعبان من لبنٍ .. شِيبا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا

وهذه التجربة المتواضعة سياحة علمية ماتعة ليست أربعة أشهر ، بل أربعة الآف يوم ولله الحمد والمنة ، قضيتها في رحاب كتاب الزاد ،وهو كتاب مختصر على قول واحد للحنابلة .
وتسمية الكتاب بالزاد ليست من تحرير الحجَّاوي رحمه الله تعالى ، فهو لم يُسمِّه ( الزاد ) بل سماَّه المختصر من المقنع ، فتسميته الزاد من الشراح أو النُّساخ .

والناس اليوم ليسوا بحاجة إلى كثرة الشروح والمؤلَّفات ، فقد كُفوا هذه المؤونة ، إنما هم بحاجة إلى من يُقرِّب لهم العلم ويحبِّبهم في مباحثه ومسائله ، ويهديهم تجاربه وما فيها من دُّربه وممارسة وخبرة لنيل فوائده، وهذا ما أزعم أنني أدركتُه بلطف الله وكرمه ،لا بحولي وقوتي .
وهذه سلسلة مباركة إن شاء الله تعالى تنتظم في عشرة دروس هذا أولها ، أُقيِّد فيها تجربتي في دراسة كتاب مختصر المقنع ( الزاد ) حتى يستفيد منها من لا يعرف هذا المتن المتين الذي أضحى عُمدة للطالبين ومُنية للراغبين .

ويجب على الطالب أن يتعلَّم من موسى عليه وعلى نبينا محمد أتم الصلاة السلام : الصبر لنيل المنى كما في قول الله تعالى : ” لا أبرحُ حتى أبلُغَ مجمع البحرين أو أمضيَ حُقبا ” ( الكهف : 60) . فالمطالب العالية لا تُنال إلا بالأثمان الغالية .

(أ‌) لماذا دراسة الزاد ؟
الزاد مليٌء بالعلم ، ففيه ستة الآف مسألة من المنطوق والمفهوم ، وسوف أُعرِّج على هذه المسألة لاحقاً . وهو مفتاح ضروري لمن رام دراسة الفقه المقارن ، فكتاب الزاد خُلاصة المغني لابن قدامة (ت: 620هـ)رحمه الله تعالى ، لأن المقنع خلاصة المغني ، والزاد خُلاصة المقنع ، فيكون الزاد خُلاصة الخلاصة بهذا الإعتبار .

ولأن الهِمم قد قَصُرت والأشغال قد كثرت ، فيكون فهم الزاد مطلباً مُلِّحاً اليوم على كل هُمام.
ومن اللطائف التي استللتُها من الزاد أن الحجاوي ردَّ على أبي حنيفة رحمه الله تعالى تلميحاً في قوله بوجوب الوِتر كما هو مذهب الأحناف ،وقد نقله السرخسي (ت: 490هـ) عن الإمام في كتابه المبسوط. فالجمهور لا يقولون بوجوب الوِتر لكن أبا حنيفة يقول بوجوبه .
فقد أورد الحجاوي في الزاد بعد مباحث صفة الصلاة وواجباتها وأركانها وسجود السهو ، أورد ما يجبر نقص الصلاة وعدَّد أربع صلوات تطوعية آخرها التراويح والوتر، فدلَّ بالاستصحاب الأصولي على عدم وجوبه لأنه ألحقه بالتراويح ، والتراويح سنة مؤكدة ،لم يُصلِّها رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى ثلاث ليال ، والتراويح تُشرع لها الجماعة ، والوتر لا تُشرع له الجماعة ، فدلَّ على عدم وجوبه . ولا يتفطَّن لهذا إلا من شرَّق وغرَّب في مباحث الزاد وقلَّب صفحاته ليله ونهاره .

وحجة أبي حنيفة رحمه الله تعالى على وجوب الوتر هو الحديث المرفوع : ” إن الله زادكم صلاةً وهي الوتر “أخرجه أحمد بإسناد صحيح . لكنه مُعارض بما في الصحيحين كما في حديث الأعرابي : ” هل عليَّ غيرُها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ، إلا أن تطوَّع ” . والمسألة واسعة تُراجع في الكتب المطوَّلة .

والزاد بشروحه من المصادر السيَّالة التي تسيل بالفقه والحديث واللغة والمعاني ، تجعل الطالب يزيد رسوخاً وقوة في علمه واستدلاله . فكأن الحجاَّوي يقول لا تكتفي بالفقه بل اعتني بكل ما يجمِّل الفقه ويُعينك عليه .

ففيه دعوة لفهم مراتب الأدلة والإجماع وكيفية التعليل والراجح من المرجوح .
وهناك فائدة لمن أجد من نبَّه عليها رغم أهميتها وهي : تصوُّر المسائل .
فالزاد لم يختصره الحجَّاوي للترجيح فقط ، إنما أراد منه أن يكون مفتاحاً لتصور مباحث الفقه بالمنطوق والمفهوم وكيفية تعليل المسائل .

فمثلاً مسألة شروط صحة الصلاة لم يُوردها الحجَّاوي في الزاد ، إنما أورد شروط الوجوب . وغايته من هذا أن العبادة لا يمكن تصوُّرها من كافر أو مجنون أو غير مكلَّف .
فمناط الصحة للعبادة على شروط الصحة ، وبهذا ينبِّه على أهمية الحكم الوضعي وهو مبحث مهم في علم أصول الفقه قلَّ من يحسن الإستدلال عليه من المتعلِّمين ، ومنهم من يُخطىء في تطبيقه عند إرادة العمل به .

ومثال آخر مسألة ستر العورة التي يقول بعض أهل العلم إنها لا تجب في الصلاة ،بل تُستحبُ لأن الدليل لم ينص عليها ،! أو هل هي شرط وجوب أم شرط صحة ؟ .
قال الحجاوي في الزاد : ” ومنها ستر العورة فيجب .. ” .

من أين جاء الوجوب ؟! جاء من الإجماع : ولهذا قال عِلِيش الفقيه المالكي رحمه الله تعالى(ت: 1299هـ):
” الإجماع حُجة لا بدَّ له من مُستند قد يُعرف وقد لا يعرف ” .

فانظر إلى قوله : ” قد يُعرف وقد لا يُعرف ” ففيه درس تربوي مفاده أنه يجب التروِّي في الفهم وعدم تخطئة العلماء في استدلالاتهم وتخريجاتهم .

ولو راجعت كتابي الإجماع لابن المنذر (ت: 318هـ) والإجماع لابن حزم (ت: 456هـ)رحمهما الله تعالى لوجدتَ النص على هذه المسألة في كتابيهما لإلتباسها على من لم يتصور المسائل الخفية .
وكذلك من الأمثلة على ضرورة تصور المسألة : مسألة الذهب الملبوس هل تجب فيه الزكاة ؟

هذه المسألة أوردها الحجَّاوي في الزاد قبل حوالي خمسمئة سنة ، لكنه أفاد بأهم منها وهي : مسألة بيع بعض النساء لشي من ذهبها الملبوس لتنفقَ من ثمنه على نفسها فهنا الذهب : فيه زكاة . وكذلك مسألة شراء النِّساء للذهب الذي فيه ذوات أرواح فهذا : فيه زكاة ، وقد أشار إلى هذا بقوله : ” ولا زكاة في حُلِّيهما المعدِّ للاستعمال أو العارية ، وإن أُعد للكِرى أو النفقة أو كان محرَّماً ففيه الزكاة ” .
وقصد الحجَّاوي هنا هو تنبيههُ على أن ما صار عروض تجارة من الذهب : ففيه زكاة ، وما كان للاستعمال : فلا زكاة فيه تيسيرا ًعلى المكلَّف. والله أعلم .

(ب): التحضير لدراسة الزاد :
قبل دراسة الزاد يجب أن تعلم أن مسائل الفقه فيها الراجح والمرجوح . والعمل بالراجح واجبٌ، سواء في الزاد أو في غيره من الكتب التي أقل منه مرتبة . وارتياح النفس لقول عالمٍ لا يكون حجة للانتصار لقول في مسألة من المسائل . فمقالة من قلَّد عالما ًلقي الله سالماً لا تصح مطلقاً، إلا إذا كان الدليل قوياً وعمل به الفقهاء واتفق عليه الجمهور في الجملة .

والعاميُّ إذا أخذ بالقول المرجوح لقلة علمه فلا إثم عليه لكنه مأمور بالسُّؤال ، حتى يعلم بيقين ويكون على بينِّة من أمره . والترجيح لا يكون واجباً دائماً ، فيمكن تصور المسألة بالجمع بين الأدلة ، فتكون الأقوال كلها صحيحة ويمكن العمل بها دون ردِّها ودون تنازع أو عصبية .
من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أن يعتقد صحة مسألة ثم يستدلُّ لها ، والصحيح أن يستدل ثم يعتقد . فلا بد من التجرد للحق والورع عن الفتوى حتى يمكن تصور المسألة بالهيئة الصحيحة الموافقة للشرع .

بعض الكتب الفقهية تُورد القول المرجوح تمريناً أو مذاكرة وتُحيل على القول الراجح في المطوَّلات أو لا تحيل عليه ، لكن يُعرف من طريقة المصنِّف في كتابه ، فليس كل قول ورد في الكتب أو المتون هو الحق المبين ، ولو كان الأمر كذلك لاستغنى الناسُ عن العلماء وأهل الفتوى ، فافهم هذا فإنه نفيسٌ جداً .

هناك مسائل فقهية هي محلُّ نظر واجتهاد فتتعدَّد الأقوال والترجيحات فيها لضعف الدليل وامكانية تأويله أو لعدم جريان العمل والفتوى عليه .

وفي الزاد مسائل من ذلك بلغت ثلاثين مسألة بعد حذف المكرر، فمن استدرك على الزاد أو غلَّطه ، إنما قصده أن الأكمل كذا أو العمل والفتوى ليست على القول الفلاني أو أن العرف لا يوافقه ونحو ذلك ، فتكون اختيارات الزاد صحيحة من وجه ، واختيارات من استدرك عليه صحيحة من وجه آخر ، وهذا لا يعرفه إلا من طالع أصول الفقه وأكثر النظر فيه .

وحتى يستريح القلبُ فالدليل الصريح المعمول به هو الذي عليه المعوَّل في الترجيح غالباً ، فليس كل دليل صحيح يُعمل به وليس كل دليل يُفتى به . فإن لم يوجد دليل فينظر إلى ما أجمع عليه أهل العلم ، فإن إجماعهم ببينة ٍ.
وفي ما تقدَّم تمرينٌ لقارىء الزاد أن ما جرى عليه العمل ملحظ مهم في الترجيح سواء تفطَّن إليه أو لم يتفطن إليه .فأبو حنيفة مثلاً كان يقضي بما اشتهر في العراق من القضاء والفتوى ولم يعارضه دليل ، ومثله الشافعي كان يحتج بعمل أهل مكة ، ومالك أيضا كان يحتج بعمل أهل المدينة .

القول الراجح في الكتب الفقهية يُعدلُ عنه أحيانا مراعاة لمصلحة راجحة أو مراعاة لِعرف البلد أو تحقيقاً لمصلحة شرعية دلَّ عليها دليل آخر ، أو مراعاة للمآل أو مراعاة للإحتياط أو مراعاة لعموم البلوى ، أو لما جرى عليه العمل في زمان ومكان معين ، أو لتحقيق قول الجمهور أو لحكم قضى به قاضي البلد .
فهذه قاعدة يجب اعمالها في فهم الزاد وغيره من المتون الفقهية وغيرها من كتب أهل العلم

والعدول عن القول الراجح يجب أن يكون مبنياً على أصل شرعيِّ من دليل أو تعليلٍ أو قول عالم مشهود له برسوخ العلم والتقوى .

مثال ذلك أن الراجح عند الإمام أحمد (ت: 241هـ )رحمه الله تعالى هو تضعيف إسناد حديث : ” العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكاً أو حجاماً ” لأن في إسناده مقالاً . فلا اعتبار للصناعة الدنيئة في الكفاءة في النكاح ، لكنه عدل عن الراجح في المسألة فأفتى باعتبار ذلك في الكفاءة مراعاة لعرف الناس وعاداتهم .

ومثال آخر : صلاة الجمعة تجوز قبل الزوال ، لكن ابن قدامة (ت: 620هـ) رحمه الله تعالى وغيره من الحنابلة ، عدلوا عن القول الراجح خروجا ًمن الخلاف ومراعاة لقول الجمهور القائلين إن وقت الجمعة بعد الزوال .

ومثال آخر : تكبيرات صلاة الجنازة تجوز إلى ست تكبيرات ، لكن ابن قدامة رحمه الله تعالى وغيره من العلماءعدلوا عن هذا القول مراعاة لقول الجمهور وخروجا ًمن الخلاف . فاحفظ هذا الأصل فإنه نفيس جداً .

وقبل أن أختم الجزء الأول من هذه السلسلة المباركة أودُّ أن أنبِّه إلى أن المباحث الفقهية تحتاج إلى صبر وعزيمة لا تلين ، لأن النصيب والظَّفر مُعلَّق بالصبر ، كما قال ابن مظفر الصِّقلي(ت: 565هـ ) رحمه الله تعالى : ومن قلَّ فيما يتقيه اصطبارهُ ..فقد قلَّ فيما يرتجيه نَصيبهُ .
كان البخاري (ت: 256هـ )رحمه الله تعالى يُسرجُ في الليلة حوالي عشرين مرة يكتب التعليق أو الفائدة ثم يستلقي ، هكذا حتى يمضي عليه أكثرُ ليلِه .

ومع دراستنا للزاد سوف نقتدي بالبخاري في منهجه لفهم الدُّروس ، وهو منهج مهجور للأسف لضعف الهِمم .

فالمطلوب الآن منك أن تقرأ في النُّسخة المحقَّقة من الزاد عشرين ورقة ، واليوم الثاني لا تقرأ فيه شيئاً ، إنما تربط بين المسائل وتُلاحظ الفروق بينها وتتأمل الوجوه وأحكام التكاليف ، وفي اليوم الثالث قرآءة عشرين ورقة جديدة ، ثم اليوم التالي ربطٌ جديد ، وهكذا لمدة شهر كامل ، فتكون قد فرغتَ من جرد الزاد كُّله جرداً مسحياً في خمسة عشر يوما ً ، وتصوَّرته في عقلك في خمسة عشر يوما ً، وتبقى المعاني والمستغلقات مرقومة بقلمك لفهمها في وقت مستقل ، وسيأتي بيان ذلك في درس قادم من هذه السلسلة إن شاء الله تعالى .

هذه الطريقة تستفيد منها أمرين : الأول : معرفة مباحث الزاد وحفظ ما يمكن حفظه من المسائل ، والثاني : التدريب على طريقة الحجَّاوي في استخراج الحكم وتقعيده للمسألة واختصاره للأحكام.

على سبيل المثال قول الحجَّاوي في الزاد : ” ويُسنُّ تعجيل فِطرٍ ” العبارة واضحة لكن المعنى عند التأمل فيه استغلاق ، وجوابه : أنه ليس من السُّنة الفطر بعد الغروب ، بل السُّنة الفِطر عند الغروب وهذا يكون بغلبة الظن ، ولا يؤكِّده إلا أذان المؤذِّنُ إن كان يسمعه ، أو كونه يعرف وقت الأذان إن كان خارج البلد .

فالمسألة السابقة فيها حكم وضعي وهو السبب : تعلُّق دخول الوقت بالعلامة الكونية أو بالاعلام الشرعي برفع الأذان ، وفيها حكم تكليفي وهو المندوب .
وخُلاصة الحكم أن تعجيل الفطر بالعلامة الشرعية المعروفة بالسبب بقسميه الكوني والشرعي : سنة وطاعة وقربة يُؤجر عليها المسلم . والله أعلم .

مثال آخر : من سكن مكة وليس من أهلها من أين يحج ؟الجواب : يحرم من مكة لحديث : ” حتى أهلُ مكة يهُلُّون من مكة ” .متفق عليه .
فمن سكن مكة ولو من غير أهلها يسمى مكياً ، فيحرم بالحج من مكانه ، أما العمرة فيلزم الخروج إلى أدنى الحِلِّ .

وقد أشار الحجاوي إلى المسألة في قوله : ” ومن حج من أهل مكة فمنها ، وعُمرتُه من الحِلِّ ” فقوله ” من مكة ” لا يُقصد أن هذا مقيَّد بأهلها الأصلييِّن ، إنما قصده من كان فيها ولو من غير أهلها . فهذا تدريبٌ منه على استخراج الحكم بالرجوع إلى نصِّ الحديث كما تقدَّم .

والمسألة فيها تدريب على لفظ العموم عند الأصوليين ، ف(من) تفيد العموم كما هو مقرر عند أهل الصنعة ، كقول الله تعالى : ” نحنُ أعلمُ بمَن فيها ” ( العنكبوت : 32) . والله أعلم .

تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات .
1439/9/23