تنقيح عقيدة العلامة الزَّبيْدِي
يُعاني فِئام من الدارسين اليوم من داء الامتلاء الفكري ، ويُقصد به: اشباع النَّهمة العلمية الذاتية ، دون تمييز الجيِّد منها من الرديء . ودواء ذلك الداء هو بالعضِّ على الأصلين الأساسيين اللذين لا سعادة الا بنورهما وهديهما . وقد قال الامام محمد بن سيرين: (ت: 110هـ ) رحمه الله تعالى :” إن هذا العلم دِين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ” .
ومن جِنس ذلك الداء قول بعض أهل التصوف : كن بين يدي شيخك، كالميِّت بين يدي مُغسِّله ، يُقلِّبُه كيف يشاء. وقالوا: من قال لشيخه لِمَ ؟ لم يفلح .

فالواجب على أهل الفِطن: النظر في الاتجاهات العقدية عند العلماء ممن رفعوا ألوية الامامة في الدِّين والعلم . ولا يجوز تزكية العلماء والاقتداء بهم قبل معرفة عقائدهم ، ومعرفة مواطن جرحهم وتعديلهم .
ومن العلماء المشهورين بالتصنيف والتحرير: محمد بن محمد بن محمد الحسيني الزبيدي ( ت: 1205هـ) رحمه الله تعالى ، أبو الفيض ، علامة بالأدب والحديث والتأريخ . أصله من (واسط )في العراق، ومولده بالهند في (بلجرام )، ومنشأه في (زبيد) باليمن .
رحل الى الحجاز ، وأقام بمصر، فاشتهر وذاع صِّيتُه في الحجاز والهند واليمن والشام ، والعراق والمغرب الاقصى والترك والسودان والجزائر . وكاتبه الملوك يلتمسون قدومه الى ديارهم . توفي بالطاعون بمصر .
من أشهر مؤلفاته: ( تاج العروس في شرح القاموس ) و ( إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدِّين ) و ( كشف اللثام عن آداب الايمان والإسلام ) و(عقد الجمان في بيان شعب الايمان ) و( الروض المعطار في نسب السادة آل جعفر الطيار ) .

تنقيح عقيدة العلامة الزبيدي :
1-الزبيدي ماتريدي العقيدة ،والماتريدية فرقة كلامية ضالة يخالفون أهل السنة والجماعة في مصدر تلقي الألهيات والنبوات، ويقولون بالتأويل والمجاز وتفويض نصوص الصفات ، والقول بعدم حجية أحاديث الآحاد .وهم ينفون عن الله تعالى جميع الصفات الخبرية التي وردت في النصوص ، لأن اثباتها يستلزم التجسيم ولم تثبت بالعقل عندهم . وقد تبع الزبيدي الماتريدية في كثير من معتقداتهم التي أسسوها . ومصنفاته شاهدة على اعتقاده .
2- يعتقد أن العقل المصدر الصحيح للتلقي . ولهذا قال بالتأويل .
3- يعتقد أن الأدلة العقلية لا تحتمل التأويل ،وأما النصوص التى تخالف العقل فلا بُدّ من تأويلها ،كعلو الله ، واستوائه على عرشه ، ونزوله الى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر . وزعم أيضا أنها ظنية الدلالة .
4- له تأصيلات يدافع فيها عن علم الكلام المذموم الذي كان عليه الجهمية والمعتزله .
5- يعتقد أن أول واجب على المكلف : النظر والاستدلال المؤدِّي الى المعرفة بالله ، وأن معرفة الله واجبة بالعقل ولو لم يأمر الشرع بذلك .
6- الزبيدي يبالغ في الثناء على أئمة القبورية المبتدعة ، ومنهم القسطلاني( ت: 923هـ ) الذي ينعته بشيخه وسيِّده ، وقد كان من غلاة القبورية ، المثبتين الواسطة الشركية ، قياسا لله عز وجل على ملوك الدنيا ،تعالى الله عن ذلك . والتلميذ قلَّما يُخالف شيخه . والله المستعان .
7- لعل من أسباب انحرافه عن عقيدة أهل السنة والجماعة : كثرة اختلاطه بأهل البدع ، وكثرة النظر في مصنفات أهل الكلام وأهل التصوف . وكتابه المحرَّر بعنوان : ” العرائس المجلوة في ذكر أولياء فوّة ” شاهد على ذلك .وفوة مدينة في شمال مصر مليئة بالقباب والأضرحة الى اليوم . فوأسفاه على ضياع السنة فيها .
8- الزبيدي يميل الى الغلو في التصوف في كثير من أبحاثه ومعالجته للمسائل الشرعيه ، وقد سوَّد صفحات كثيرة في الثناء على الصوفية واعتقاد طريقتهم وأورادهم كما في كتابه :” تنبيه العارف البصير على أسرار الحزب الكبير ” .
9- المؤلفات التي صنفها الزبيدي نافعة وجليلة ،لكن في كثير منها مسائل عقدية يجب الحذر عند دراستها أو تطبيقها على النصوص الشرعية ، كمسائل التأويل ،والسمعيات ،وتفسير الآيات القرآنية ، وايضاح المفردات اللغوية بالنصوص الشرعية .
10-الزبيدي شرح كتاب الغزالي ( ت: 505هـ ) رحمه الله تعالى : احياء علوم الدين ، وانتصر لآرائه الواهية وأقواله اللينة التي حذر منها العلماء قديما ، وهو دليل على ميله الى مذهب الغزالي الذي عُرف بفساد المعتقد . وقد تراجع الغزالي عن مذهبه قبل وفاته .
هذا ما تيسر تحريره من تنقيح عقيدة الزبيدي . اللهم إنا نسألك ثبات التوحيد والسنة في قلوبنا ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

المصادر :
1- أبجد العلوم/ للقنوجي / 3-12-29 .
2-الأعلام / للزِركلي / 7/70 .
3- فهرس الفهارس / للكتاني 1/526 وما بعدها .
4- اتحاف السادة المتقين شرح احياء علوم الدين / للزبيدي/2/105 . و2/ 190-193 . وفيه ثناء على الماتريدية وبيان موافقته لهم ، ودفاعه المستميت عن علم الكلام .
5- الماتريدية / للسلفي الأفغاني 1 / 84 .
6- الماتريدية / لأحمد الحربي / ص 95 .
7- منهج الماتريدية في العقيدة / للخميس/ ص 22 .
8- تاج العروس شرح القاموس / للزبيدي / ص 9 / المقدمة / وفيها ثناء على شيخه وسيِّده القسطلاني القبوري ! .
9- تاريخ الجبرتي 2/ 108و196 : وفيه : ” وصار له عند أهل المغرب شهرة عظيمة ، ومنزلة كبيرة ، واعتقاد زائد ، وربما اعتقدوا فيه القطبانية العظمى، حتى أن أحدهم إذا ورد مِصر حاجا ولم يزره ولم يصله بشىء ،لا يكون حجُّه كاملا” . وقال :” وأرسل مرة الى أحمد باشا الجزار مكتوبا ، وذكر له فيه أنه المهدي المنتظر ، وسيكون له شان عظيم ، فوقع عنده بموقع الصدق ، لميل النفوس الى الأماني ، ووضع ذلك المكتوب في حجابه المقَّلد به مع الأحراز والتمائم ، فكان يُسرُّ بذلك الى بعض من يَرِدُ عليه ممن يدَّعي المعارف في الجفور والزايرجات ويعتقد صحته بلا شك ” .
وقال أيضا: ” واتفق أنَّ مولاي محمدا سلطان المغرب رحمه الله وصله بِصلات ،و يقول إنك رددت الصِّلة التى أرسلناها اليك من بيت مال المسلمين .، ويلومه أيضا على شرحه كتاب الاحياء ويقول له : كان ينبغي ان تشغل وقتك بشىء نافع غير ذلك ” .
10- بُلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب / للزبيدي ، تحقيق أبي غُدّة / ص/ 148-184 وفيه طوامّ عن غلوه في التصوف .
11- الزبيدي في كتابه تاج العروس / لهاشم شلاش / ص/44 .
12-غاية الأماني / لشكري الآلوسي 2/ 14 و2/ 371 .
13-وقفتُ على مقطع فيديو لشيخ مُعمَّم من أهل الشام ، يحمل في يمينه كتاب اتحاف السادة المتقين للزبيدي، ويشير للموضع : 2/ 25ويقرأ منه سطرين في تعريف التوحيد عند أهل السنة والجماعة على حسب فهمه وزعمه . وهو أن الله تعالى كان قبل أن يخلق الزمان والمكان والعرش والكرسي والسموات والأرضين . وهو الان على ما عليه كان أهـ . و هو بهذا يلبس على الجهلة أن هذا هو مفهوم توحيد الألوهية المأمور به . .فالماتريدية يخلطون بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية . ويظنون أن معنى الألوهية هو القدرة على الاختراع . وهذا غلط بسبب أن العقل عندهم مصدر لفهم النص .
ورأيتُ للشيخ المعمَّم نفسه مقطعا آخر يحمل في يمينه كتاب اتحاف السادة المتقين للزبيدي ويقرأ منه دعاءً في وحدانية الله من الصحيفة السجادية المنسوبة للسجاد الذي كتبها بيده لابنه الباقر بحضور الصادق . وهي صحيفة باطلة مُزوَّرة من خرافات الرافضة . فكيف تُنقل شواهد الوحدانية من مصادر ضعيفة بالية؟!. والخلاصة أن اولئك يُلبِّسون على الناس بعقائد لا تنفع صاحبها ، ولا تورث علما ولا نورا ولا رشادا . والحمد لله على نعمة السنة والهداية .