هذه مدارسةٌ لطيفةٌ لرأي العالمين الجليلين عبد الله ابن غديان (ت: 1431هـ) ، ومحمد ناصر الدين الألباني (ت: 1420هـ)رحمهما الله تعالى ، في موضوع قيادة المرأة للسيارة ، إذ لكلِّ منهما رأي مخالف للآخر .

فالعلامة عبد الله ابن غديان ، له تعليل قيِّم على عدم جواز قيادة المرأة للسيارة حيث قال : ” سبحان الله.. يُسقط الله عنها وجوب الخروج لصلاة الجماعة، وأنتم تُخرجونها لتقود السيارة ! ” .
وهو مأجور على اجتهاده وقياسه واستنباطه ، وقد خالفه في اجتهاده المحدِّث الألباني ، فأفتى بجواز قيادة المرأة للسيارة كما هو معروف عنه .

وابن غديان حنبليٌّ ، والألباني مجتهد مطلق، وبينهما بونٌ شاسع في الاحتجاج بسدِّ الذرائع كما سيأتي توضيحه إن شاء الله .
لكن العالمان يُعظِّمان النصَّ الشرعي ، وبينهما تفاوتٌ يسير في الترجيح الأصولي ، وهو مطلب ضروري لاستنباط الحكم الشرعي .
والألباني لا يُلزم المستفتي أو الطالب بمذهبٍ معين ، بل يُقرِّر ما نصَّ عليه الدليل أو ما ظهر للمجتهد الموافق لهدي السلف . وابن غديان مجتهدٌ في مذهب الحنابلة ، وهو يدورُ مع مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، في أغلب استنباطاته وفتاويه ، ومذهب أحمدَ شديدٌ في مسألة المباحات والتوسُّع فيها.
وهذا الفرق بين العالمين الجليلين مهم جداً وتجب معرفته لطالب العلم ، لبيان طريقة الاستدلال والفهم عند الشيخين رحمهما الله تعالى، ولترسخ قدمهُ في مسألة الترجيجات .

والآن وبعد اختيار ولي الأمر لاجتهاد جماعة من العلماء أجازوا قيادة المرأة للسيارة لما تقتضيه المصلحة العامة ، ولحاجة بعض المجتمع لها ، فلا بأس من التنبيه على تعليل ابن غديان المتقدِّم وتوضيحه ، وكشف ما يُناقضه من رأي كلٌّ بدليله وتعليله وتنبيهه.

فتعليلُ العلَّامة ابن غديان رحمه الله تعالى بالمنع قياساً على عدم وجوب صلاة الجماعة على المرأة فيه نظر ، لأنه قياسٌ خفيٌ لم يُقطع فيه بنفي الفارق ، وليسته عِلته منصوصاً أو مجمعاً عليهاً ، ولأن خروج المرأة مباح للأسواق وللعمل وللعلاج وللضرورة المطلقة ، فلا وجه للمنع قياساً على منع صلاتها مع الجماعة !.

وحصول الفتنة والفساد بخروجها بسيارتها أمرظني وليس يقينياً ، والأحكام لا تُبن على الظنيات ، إنما تُبن على اليقينيات .

والشيخ ابن غديان رحمه الله تعالى أسَّس الحكم على الورع كما هي عادة الحنابلة في الأمور المتشابهة ، للحديث المرفوع : ” دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك ” أخرجه الترمذي بإسناد صحيح ، ولحديث : ” فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه ” متفق عليه .

والأمر الآخر أن العلامة ابن غديان قعَّد ما سبق تأسِّيساً على دليل سدِّ الذرائع ، وهو من الأدلة المختلف فيها ، فليس كل العلماء يُصحِّحون الاستدلال والأخذ به .

فالذرائع هي الوسائل المباحة في ذاتها لكنها تؤدِّي إلى محرم ، والوسائل قد تكون ممنوعة وقد تكون مباحة . والمفاسد الناتجة عنها قد تكون مُتحقِّقة وقد تكون نادرة وقد تكون غالبة .
وبسبب هذه الأمور التبس على العلماء الكثير من نوازل العلم ، ومنها هذه المسألة ، فمنهم من حرم ومنهم من أباح ، وإلى الله المصير .

ولهذا ردَّ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى الأخذ بسد الذرائع في كثير من مسائل الفقه في مذهبه الجديد ، وغلَّط أصحاب الإمام مالك رحمه الله تعالى في تمسُّكهم بهذا الأصل والاستدلال له في مصنفاتهم.
والقاعدة عند الُأصوليين أنه لا تَعارض بين القياس والمصالح المرسلة ، إنما التعارض في نظر المجتهد .
فشرط الحكم هنا أن يكون القياس صحيحاً لا باطلاً . ولهذا تختلف أنظار أهل العلم في هذه المسألة بناءاً على تحقيق هذه القاعدة من عَدمها .

فمن أهل العلم من يستدلُّ بالقياس الخفيِّ لتقوية فتواه ، ومنهم من يستحسن بالنص ، لكن لا يقوى على هذا إلا نوادر الرجال .

فلهذا السبب صعب جدا ً الترجيح في المسألة لصعوبة مسالكها وقوة أدلة الطرفين . والعلم عند الله تعالى .
وابن غديان رحمه الله تعالى يُشير في عبارته السابقة إلى أن المرأة في بلاد الحرمين ليست مثل حال بعض نساء مِصر والشام والعراق والمغرب العربي وبلاد آسيا ؟ ، مع دعائنا للجميع بالمغفرة والعفاف وحسن العاقبة .

فإذا كان الجواب بالنفي ، فالمساواة ممنوعة في هذا المطلب ، لأن العرف يجب اعتباره هنا .وهذه البلاد قامت على شرع الله .

وقد قال الأصوليون : ” كل عُرف مُعتبر إلا إذا تعارض مع الشرع ، فيكون عُرفاً فاسدا ” .
والعرف يُخصِّص النص الظني دون القطعي ، لأن التخصيص فرع التعارض ، والتعارض لا يكون إلا مع النص المساوي .

وهذه البلاد المباركة لها أعراف وخصائص امتنَّ الله بها على أهلها ، فمن الغلط أن تُكيَّف فتوى معينة – بغض النظر عن صحتها – وتُعمَّم على سائر البلاد في الأرض ، ويُستخرج منها حكم ثابت يجب العمل به .

وقد زارني عام ( 1435هـ ) صديق من طلبة المحدث الألباني رحمه الله تعالى ، يروي باسناده إلى الألباني أن الشيخ يُجيز قيادة المرأة للسياره قياساً على ركوبها للناقة والفرس ونحوها ، مما تعارف عليه الناس قديماً ، وأن قيادة المرأه للسيارة أكرم وأستر لها من ركوبها للناقة والفرس ، حيث تتعرَّض في ذلك للتكشف ! .

وفتوى الشيخ معتبرة وقيمة جداً ، لكن قياس الألباني قياس أدنى . لأن الفرع فيه أضعف من الأصل.
ودليل المحدِّث الألباني رحمه الله تعالى على جواز قيادة المرأة للسيارة هو الاستصحاب ، وهو اعتماد الأصل عند انعدام الدليل الشرعي المثبت للحكم أو النافي عنه . والاستصحاب أضعفُ الأدلة عند الأصوليين .

وقد قصد أن القيادة أمر مباح وله نفع ، وقد تكون ضرورة إن فقدت ، وترتب عليها تعطُّلٌ للمصالح وحصول الضرر المعنوي والحسي .

فدليل الألباني النصي العام هو قول الله تعالى : ” قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيباتِ من الرزق” ( الأعراف : 32) .
فنفع السيارات من النِّعم الطيبة التي خَففت المشاق على الناس ، وحصل بها خير عظيم للناس لا ينكره أحد من العقلاء .

ولا يخفى أن المرأة في بلاد الحرمين تقود السيارة في البادية منذ ثلاثين سنة إذا اضطرت لذلك ، لرعاية مصالح أهلها عند حصول عجزٍ أو مرضٍ أو ضعف حالٍ عند الوليِّ ، لكن بقدر معين وبدون اظهار للمحاسن والزينة ! .

والمرأة البدوية لو طَلب منها وليُّها السفر بالسيارة بمفردها إلى مكان بعيد ، لأبت وغضبت حفاظاً على نفسها وحيائِها .

فكثير من النساء مثلاً لا تُريد خدمة الرجل الأجنبيِّ لها ، سواء في مسألة التوصيل أو في مسألة المساعدة في خدمتها لإدارة شؤون أهلها ونفسها .

وبين رأي ابن غديان ورأي الألباني مسافة من الترجيح لا تتضح إلا لِقلة من أهل العلم والبصيرة والسداد والثبات ، والتوفيق من الله تعالى يهبه لمن يشاء .

والواجب في المسائل العلمية المتشابهة أن يُردَّ العلمُ فيها إلى أصول الأدلة لا إلى عموماتها ، ولا إلى القياس ولا إلى الإستحسان ولا إلى المصالح الملغاة ولا إلى ذوق الناس وكثرتهم وحاجتهم ، فهذه كلها غير معتبرة عند الموازنة ، فافهم هذا فإنه نفيس جداً .

ومن تأمل أصول الأدلة في المصنفات الحديثية والفقهية يلحظ ورود عبارة متينة تتعلق بحكم خروج المرأة من بيتها ، وهي قول الماتن أو المحشِّي أو الشارح : “لا بأس بخروجها لحوائجها إن أمنت الطريق “. وقولهم :” تخرجُ لحاجتها نهاراً لا ليلاً ” .

ويرد هذا التعبير كثيراً في كتب المالكية والحنابلة وغيرهم من فقهاء الإسلام .
وهذا التقعيد مبنيٌّ على أدلة راجحة من الكتاب والسنة ، فمناط الحكم ليس الحاجة ، إنما الضرورة بشرط تحقُّق الأمن . والعربيُّ يغار على محارمه أشدُّ من غيره ، كما لا يخفى .

فالمسلم والعربيُّ الحر الشهم لا يختار على عفاف المرأة بدلاً ، ولهذا قال الإمام السمعاني(ت:489) رحمه الله تعالى :

جئتماني لتعلما سِرَّ سُعدى
تجداني بِسر سُعدى شحيحا
إن سُعدى لمنية المُتمنِّي
جمعت عِفةً ووجهاً صبيحا

وقد روي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهاأنها كانت تقول :
“كنتُ أنقل النَّوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي ، وهي على ثلثي فرسخ فجئتُ يوماً والنوى على رأسي ، فلقيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر،فدعاني فقال إخ إخ ، ليحملني خَلفه فاستحييتُ وذكرتُ الزبير وغيرته ، قالت : فمضى فلما أتيتُ أ خبرتُ الزبير فقال : والله لحملكِ النوى كان أشدُّ عليَّ من ركوبك معه ” أخرجه البخاري.

وكل العقلاء يعلمون أن المرأة لن تموتَ جوعاً لو حُرمت من القيادة وقرَّت في بيتها وتفرَّغت لشؤونها .

والرسول صلى الله عليه وسلم بكى على أحوال أُمته منذ بدء الوحي عليه ، أفليس من حقِّه علينا أن نوقِّره بعد وفاته بحفظ وصيته في أمته عندما قال : ” اتقوا الله في النساء ” أخرجه مسلم في صحيحه . فلا تُستشار المرأة في بعض أمر عفافها وعِرضها ومصالحها، التي يَعرفها العلماء وأهل الولاية أكثر من معرفة الوليِّ والمحرم والقريب والبعيد .

وخلاصة ما تقدَّم أن الألباني رحمه الله تعالى استدل على جواز قيادة المرأة للسيارة بالقياس والاستصحاب ، وأن ابن غديان استدلَّ على تحريم قيادة المرأة للسيارة بالقياس وسدِّ الذرائع ، وكلاهما مأجورٌ إن شاء الله تعالى .

وأخيراً فإن الواجب على أهل العلم في بلدٍ أمر فيه الإمام أو ولي الأمر بفتوى جديدة – لا معصية لله فيها- تخالف ما تعارفوا عليه ، أن ينقادوا إلى رأي إمامهم حفظاً للمصالح وللقلوب ، مع الإجتهاد في إصلاح ما قد يظهر من عثرات ، فالأمور بيد الله ، والله خير الحاكمين .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

1439/1/9