من المعروف شرعاً وعقلاً أن الدُّروس التأريخية تحملُ في طيَّاتها الطيِّب والرديء ، فالدُّروس كالسُّيول ، كما قال الله تعالى : ” فاحتمل السيلُ زبداً رابياً ، ومما يُوقدون عليه في النارِ ابتغاء حِليةٍ أو متاعٍ زبدٌ مِثلُهٌ ، كذلك يضرِبُ الُله الحقَّ والباطل “(الرعد : 17 ) .

وهذه قصة نافعة جداً ساقها بسندٍ قويِّ في مجلس علمي أحد مشايخ الكويت ، وهو فضيلة الشيخ فلاح مندكار وفقه الله تعالى ، وقد كان بحكم اقامته في المدينة النبوية قبل أربعة عقود ، مُصاحباً ومجاوراً للفئة الباغية – عاملهم الله بعدله – التي اقتحمت الحرم في غُرَّة محرم 1400 هجرية .
يقول الشيخ إن تلك الفئة كانت تُجالسنا وتُصاحِبنُا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكننا لا نتفق معها في الأفكار والمعتقدات ، وبسبب حُبِّهم لأهل الإيمان والعلم ، توثقت صِّلتُنا بهم مع بعض الإختلاف في الوسائل والغايات.

وقد ذكروا لنا هم بأنفسهم وبلسانهم – قبل اقتحام الحرم بشهور – أنهم في مرة من المرات وهم في طريقهم إلى الكويت قادمين من مكة، مروا ببئر عند مدينة ساجر للسُّقيا ( وساجر من مدن الاخوان قديماً ، وتقع شمال غرب الرياض) ، وكان ذلك قبل غروب الشمس بقليل ، وكان معهم صاحبهم محمد بن عبد الله ، وهو مهديُّهم المنتظر المزعوم وبعض مُحبِّيه ، فأرادوا أن يستقوا من البئر المعترضة في طريقهم عند مدخل مدينة ساجر ، فرأوا عجوزاً ضعيفة تحمل الماء ، وأرادوا مُساعدتَها في حمل الماء ، فقالت لهم بعد أن أطالت النظر فيهم: أنتم أتباع المهدي ، وفيكم محمد بن عبد الله المهدي المنتظر ، وسمَّته باسمه ، والله إنني أراكم في المنام كل ليلة . وأخذت تُكرِّر كلامها عليهم ليقتنعوا ! .

فتعجبوا من تلك العجوز الأُمية كيف عرفت بأمرهم وما تُضمره نفوسهم ، وهم غرباء لا يعرفونها ولا تعرفهم ، وليس لهم صلة قوية بأحد ٍمن أهل ساجر .
يقول الشيخ : فزادت ثقة تلك الفئة بأنفسهم بعد هذه القصة ، وأووقدت في أذهانهم جمراً ، وتخمَّرت فكرة المهدي في رؤوسهم وثبتت ، وجزموا أنه يجب تصديقها في الواقع ، لأنها تواترت من أُناسٍ كثيرين ومن رؤى كثيرة ومن مدن عديدة وبعيدة ، مما جعلها أمرا لازم التحقُّق في واقع الناس.

وقد حدث بعدها من النكبات على حرم الله وعلى عباد الله ، ما لا يخفى على أحد ، فلا نُطيلُ بسرد أحداثٍ مضت واشتهرت .

• هذه القصة العجيبة فيها عشر فوائد :

الأولى : أن الله تعالى لا يُصلح عمل المفسدين ، وكل وسيلة كانت سبباً لمقصدٍ فاسدٍ فهي باطلة وفاجرة ، لأنها من الهوى ، وهو محاربة للحق ولنور الوحي ، وقد قال الله تعالى : ” ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ” ( الأنفال:47 )
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” اللهم إنِّي أعوذُ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء ” أخرجه الترمذي بإسناد صحيح من حديث أم سلمة رضي الله عنها .

الثانية : أن الشيطان يأتي المسلم في هيئة آدمي أو آدمية لاضلاله والايقاع به في شر أعماله ، وهذا تنبيه للغافلين الذين يظنون أنهم معصومون من الخطأ في الاجتهاد ، وقد قال الله تعالى على لسان إبليس : ” لأحتنكنَّ ذُّريته إلا قليلاً ” (الإسراء: 62 ) . وفي الحديث المرفوع : ” إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعثُ سراياه ، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة ” أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه .
ولا يردُّ كيد إبليس إلا الإعتصام بالله وكثرة الإلتجاء والإفتقار إليه سبحانه، مع الإخلاص واتِّباع السنة .

الثالثة : من أراد أمرا شرعياً صعُب وعَسُر عليه الوصول إليه، فيجب عليه أن يأتيه بالطرق الشرعية لا بالحِيل المحرمة ، لقول الله تعالى : ” وليتلطَّف ولا يشعرنَّ بكم أحدا ” ( الكهف: 19 ) . فمن أبى فقد أوجب على نفسه التلف . والقاعدة عند العلماء في هذه الأحوال أن يُشغل نفسه بمصلحةٍ دينيةٍ أو دنيويةٍ حتى يأتيه الفرج على مقتضى سنن الله ، فيكون بهذا قد جمع بين الصبر والتوكل .

الرابعة : الذي لا يُعظِّم حُرمات الله فلا خير له في الدنيا ولا في الآخرة ، لقول الله تعالى : ” ذلك ومن يُعظِّم حرمات الله فهو خيرٌ له عند ربِّه ” ( الحج: 30 ) . وهذا مُتقرِّر عند الأصوليِّين بمفهوم المخالفة ، وهو حجة عند العلماء .

الخامسة : عدم الرجوع إلى العلماء في النوازل ومهمات الأمور يُوقع الإنسان في ورطات مُفزعة ومُقلِقة .
“وكان أبو بكر رضي الله عنه يقول : ” لأَن أُعافى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن أُبتلى فأصبِر”.
وطاعة العلماء عهدٌ لا يجوز نقضه ، كما قال سبحانه : ” وبعهدِ الله أَوفُوا ” ( الأنعام : 152) . وقد قال الله تعالى : ” ولو ردُّوه إلى الرسولِ وإلى أُولي الأمرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم” ( النساء:83 ) ، وولاة الأمر هم العلماء العاملون.

السادسة : في صفحات التأريخ أخبارٌ كثيرة لمن غلبتهُ شهوته لطلب الجاه أو العلو على الناس بغير بصيرة ولا هدى من الله ، فكانت عاقبته الفضيحة والخذلان ، نسأل الله السلامة . وقد صدق من قال :
رُبَّ مستورٍ سَبته شهوةٌ .. . فتعرَّى سِّتره فانتهكا
صاحبُ الشهوة عبدٌ فإذا … غلبَ الشهوة أضحى مَلِكا
السابعة : جور السُّلطان لا يُسوِّغ الإلحاد في حرم الله ، وقد قال الله تعالى : ” والمسجدِ الحرامِ وإخراجُ أهلِه منه أكبر عند الله ” ( البقرة : 217) ، وقال سبحانه : ” وإن حكمتَ فاحكم بينهُم بالقِسط ” ( المائدة : 42 ) . والواجب الدعاء والصبر وسؤال الله العافية.
وفي المرفوع : ” سَلوا الله العفوَ والعافية ، فإن أحداً لم يُعطَ بعد اليقينِ خيراً من العافية ” أخرجه الترمذيُّ بإسنادٍ صحيح من حديث أبي بكر رضي الله عنه .

الثامنة : الإعجابُ بالنفس يُوردُ المهالك ، والعُجب محرم ؛ لأنه نوع من الشِّرك ، قال الإمام ابن تيمية(ت: 728هـ ) رحمه الله تعالى : “وكثيراً ما يُقرن الرياء بالعجب ، فالرياء من باب الإشراك بالخلق ، والعُجب من باب الإشراك بالنفس ، وهذا حال المستكبر ، فالمرائي لا يحقِّق قوله (إِيَّاكَ نَعْبدُ ) والمعجب لا يحقق قوله :( وإِياكَ نستَعِينُ) . فمن حقَّق قوله : ( إياك نَعْبُدُ ) خرج عن الرياء ومن حقَّق قوله : (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )خرج عن الإعجاب ” .

التاسعة : أهل العزائم الصادقة لا يركنون للمنامات والأماني ، بل يركنون لتوفيق الله المقرون ببذل الأسباب وشحذ الهمم والعمل لشرع الله على هدى من الله ، فإن وصلوا لمرادهم فالفضل لله ، وإن قصروا فالحمد لله . وقد قال الله تعالى :” فإذا فرغتَ فانصب وإلى ربِّك فارغب ” (الشرح : 7-8 ) ، فالعمل لا ينقطع ما دامت الروح في الجسد ، وقد ثبت في المرفوع : ” إن قامت الساعة وفي أحدكم فسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ” أخرجه البخاري في الأدب المفرد من حديث أنس رضي الله عنه ، وإسناده صحيح .

العاشرة : من استحلَّ قتل جماعة المسلمين أو عسكر السُّلطان أو آحاد المسلمين فلا توبة له ، لحديث : ” أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمنِ توبة ” أخرجه الطبراني بإسناد صحيح من حديث أنس رضي الله عنه ، وإن كان بتأويل فهو تحت المشيئة في الآخرة . ويجوز الترحُّم عليه في السِّر لا في العلن ، لأن معه أصل الإسلام ، وهذا أرجح الأقوال . وفي المرفوع أيضاً : ” أبغضُ الناس إلى الله ثلاثة : مُلحدٌ في الحرم ، ومُبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية ، ومُطِّلبُ دم امرىء بغير حق” أخرجه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

1438/12/6